ما هى أوجه الشبه بين أردوغان والخمينى


٠٣ مايو ٢٠١٧ - ٠٦:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

 


المصدر – فورين بوليسى
ترجمة – بسام عباس



تؤكد الحملات التي شنها الرئيس التركي بعد الانقلاب على أنه يسير على خطى الثورة الإسلامية الإيرانية.

ربما يشهد النخبة العلمانية التركية – التي تخشى منذ فترة طويلة  الدولة الدينية على النمط الإيراني في بلدهم – أسوأ مخاوفهم تتحقق. حيث تشير عمليات التطهير التي اتخذت على نطاق واسع في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة الشهر الماضي ضد حكومته إلى أن الدولة التركية تتجه نحو حكم الاسلاميين الاستبدادي من النوع الذي انتهجته إيران عام  1979.

هناك العديد من الاختلافات، ولكن هناك أيضًا أوجه شبه بين الوضع الراهن في تركيا وثورة 1979 في إيران التي أسست الجمهورية الإسلامية. وكان المشهد السياسي الإيراني قبل الثورة، مثل تركيا اليوم، ديناميًّا نسبيًّا تتكون من أحزاب وفصائل متنافسة من مختلف ألوان الطيف السياسي، من جميع الجماعات الماركسية والأحزاب القومية العلمانية. ورغم أن الشاه محمد رضا بهلوي له اليد الطولى في الحكم، ولكن مجموعة متنوعة من المصالح والأيديولوجيات حركت ملايين الإيرانيين ممن خرجوا ضده في الشوارع.

وتمكنت الثيوقراطية التي حلت مكانه من سحق كل ما يقف في طريقها. وعلى الرغم من أن الثورة الإيرانية لم تكن اسلامية تماما في طبيعتها، إلا أن القوى الإسلامية استولت عليها تحت إشراف قائد قوي، واثق من نفسه، آية الله روح الله الخوميني. وتواجه تركيا اليوم نفس الكارثة مع ظهور أردوغان على أنه القائد التركي المقدس.

ورأت فصيل الخميني الاسلامي في العلمانية والقومية قوى "التسمم – التغريبي" الذي أصاب مسلمي إيران، وهو ما كان دافعها للاعتقالات الجماعية والإعدامات وتطهير مؤسسات الدولة التي أعقبت الثورة. وكان الجيش هدفًا رئيسيًّا لهؤلاء الإسلاميين. وأعدمت الجمهورية الإسلامية الوليدة آلاف من ضباط الجيش الموالين للشاه، وتحييد الأرتش (أو الجيش التقليدي) كقوة قتالية فعالة. وتم إنشاء فيلق الحرس الثوري الإسلامي وفرق الباسيج شبه العسكرية ليس فقط لخوض الحرب مع العراق، التي لم يعد أرتش قادرًا على خوضها على نحو فعال، ولكن لحراسة الجمهورية الإسلامية من تحديات داخلية وانقلابات عسكرية محتملة.

و بالمثل استخدم أردوغان الانقلاب – الذي وصفه بأنه هدية من "الله" – كفرصة لتفكيك الدولة العلمانية في تركيا وسجن آلاف المعارضين. الذين شغلوا حيزًا واسعًا في جهاز الخدمة المدنية؛ في الواقع، من الواضح الآن أن حكومة أردوغان قد أعدت ، قبل الانقلاب، قائمة بمعارضيها المشتبه بهم في جميع أنحاء الحكومة. ولكن، كما حدث في إيران، نال الجيش التركي النصيب الأكبر من حملة التطهير. ولم تكن عمليات التطهير هي السبب الوحيد حيث يبدو أن الجيش التركي الآن قد تم تحييده كمعارض ضد أسلمة البلاد. وقد جعلت المعارضة الشعبية للانقلاب – التي استخدمها أردوغان لمصلحته الخاصة – من المستحيل على الجيش مقاومة استيلاء الرئيس على السلطة المطلقة.

كذلك فمن الجدير النظر في كيفية قضاء الثورة الإيرانية على جميع أحزاب المعارضة في البلاد. وادعى آية الله الخميني دورًا صوريًّا في السنوات الأولى للثورة، ولكنه استغل الإحباط العام من الشاه والمظالم الإيرانية ضد الولايات المتحدة والغرب من أجل أن يستولي على السلطة الكبرى. فقام باستحداث منصب القائد الأعلى لنفسه، وضمان دوره كزعيم إيران الديني والسياسي والعسكري بلا منازع. أما خليفته، المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، فيحب أن يرى النظام السياسي الإيراني كحكومة إسلامية تطبق قوانين الله كما يفسرها هو لأتباعه – وليس دستور إيران ونظامها القانوني ما بعد الثورة.

وقد وجدت المعارضة السياسية المنظمة في تركيا أيضا نفسها مربع ضعف منذ الانقلاب. ورغم أن جميع الأحزاب  التركية الكبرى عارضت الانقلاب، إلا أن هذا لن يمنع أردوغان الآن من إلقاء الاتهامات ضد أي شخص بعدم الولاء للدولة التركية. وهو ما حدث بالفعل بشكل خاص مع " حزب الشعب الديمقراطي، الذي اتهم بالوقوف الى جانب حزب العمال الكردستاني المسلح. وربما يستخدم أردوغان قريبا مكافحة تمرد حزب العمال الكردستاني لتشديد قبضته على السلطة من خلال ربط الانقلاب بتهديدات الأمن القومي الداخلية وقوى العلمانية.

وعلاوة على ذلك، يمكن أن يستخدم أردوغان محاولة الانقلاب كذريعة لتثبيت دعائم رئاسة قوية تتجاوز المؤسسات المنتخبة الأخرى مثل البرلمان. وقبل الانقلاب كانت جهود أردوغان لتعديل الدستور غير مؤكدة. ولكنه ربما يدفع الآن  باتجاه تعديلات دستورية يمكنه من خلالها أن يمدد فترة رئاسته ، إن لم تكن مدى الحياة. وعلى نحو متزايد، تشهد تركيا عبادة الشخص الذي يجري بناؤها حول أردوغان، الذي يصور الآن نفسه بأنه "منقذ" الأمة. حتى أن حزب العدالة والتنمية القوي وكبار قادته، الذين تم تحييد أكثرهم، يبدو أنه سيصبح وسيلة لاستيلاء أردوغان على السلطة.

وأخيرا، من المهم أن نلاحظ أن محاولة الاسلاميين لتوطيد السلطة في إيران لم تتوقف كليا. لقد كانت عملية تدريجية لا تزال مستمرة حتى اليوم، وخاصة في المؤسسات التعليمية في البلاد. وكان المرشد الاعلى الايراني الحالي دائم الحرص بشكل خاص على تخليص النظام الجامعي في البلاد من المدرسين العلمانيين. ونجحت جهوده في ذلك في عهد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي طرد آلاف الأساتذة الجامعيين وعمداء الكليات وفصل الطلاب الذين يشتبه في أنهم من المعارضين السياسيين. وتوقفت حملة تطهير المدارس الإيرانية إلى حد كبير في عهد الرئيس الحالي حسن روحاني، ولكن المؤسسة الأمنية، وخاصة الحرس الثوري والباسيج، لا تزال تنظر للنظام التعليمي على أنه مصدر للمعارضة الدائمة.

وسعت حكومة أردوغان بطريقة مماثلة لتطهير النظام التعليمي في تركيا، حيث تم فصل آلاف الأساتذة وعمداء الكليات الذين يشتبه في أنهم "من أتباع جولن". وقدمت الحكومة التركية أيضًا الدروس الدينية في نظام المدارس العامة، بل وربما تكون هناك محاولة لإنشاء نظام تعليمي ديني مستقل تموله مؤسسة جديدة تسيطر عليها الدولة.

التشابه بين إيران الإسلامية وتركيا، التي ربما ستكون في وقت قريب إسلامية ، ليس مثاليًّا. حيث فاز أردوغان وحزب العدالة والتنمية في انتخابات متكررة. كما لم تشهد تركيا ثورة شعبية. فيما اندلعت الأزمة الحالية عقب انقلاب ضد الحكومة التركية المنتخبة. ورغم تضاؤل المؤسسات العلمانية كثيرًا، مثل المؤسسة العسكرية ، إلا أنه لم يتم سحقهم تماما. ومن الممكن أيضا أن تشكل حركة جولن – التي من المفترض أنها دبرت الانقلاب وكانت الهدف الرئيسي من عمليات التطهير اللاحقة – تهديدًا كبيرًا لحكم أردوغان، حيث زعم الرئيس ذلك مرارًا وتكرارًا. وحتى رغم أسلوبه في استخدام تكتيكات استبدادية مماثلة، مثل قمع القوى التي ساعدته في الوصول إلى السلطة، فلم يكن أردوغان مثل الخميني. حيث لم يكتسب دعمًا وطنيًّا كبيرًا وسلطة دينية هائلة غير مسبوقة مثلما حاز الخميني.

ولكن، كما حدث في الجمهورية الإسلامية، تعامل أردوغان مع أسلمة الدولة والمجتمع على أنها عملية تدريجية تعتمد على لحظات مناسبة – ومثلما حدث في الجمهورية الإسلامية، قوض أردوغان جميع المؤسسات، مثل وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية، التي يمكن أن تتحدى سلطته.

إلا أن الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لواشنطن، اعتماد أردوغان على معاداة الولايات المتحدة لتلميع جماهيريته، وبالتالي تقويض أي تحالف حاسم في المعركة ضد تنظيم داعش الذي أعلن دولته الإسلامية المزعومة والتهديدات الإقليمية الأخرى. قد يكون من الصعب أن نتخيل هذا الآن، ولكن كانت إيران ذات مرة حليف الولايات المتحدة الوثيق في المنطقة قبل أن تصبح خصم واشنطن الأشد عداو.

ربما تختلف تركيا وإيران، ولكن التشابه الأكثر لفتا للنظر لا يمكن أن يمر هكذا: فملايين الأتراك والإيرانيين شهدوا تحول دولتيهم من الحكم العسكري والملكي، سرعان ما رأوا أنفسهم في براثن الأنظمة الدينية الاستبدادية. فقد بدأت مأساة إيران عام 1979. بينما تبدأ تركيا الآن رحلتها المحفوفة بالمخاطر.
 
 


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق