هل الولايات المتحدة الأمريكية دولة فاشلة؟


١٢ مايو ٢٠١٧ - ١٠:٣١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة - آية سيد
المصدر – فورين بوليسي

تقف بلادنا على مفترق طرق, والطريق الصحيح للأمام يجب ألا يشمل دونالد ترامب رئيساً.
لدينا رئيس تافه غروره ليس له حدود. لدينا عائلة جشعة تستغل منصبها دون الإلتفات للقانون أو الآداب العامة. لدينا إغفال صريح للقيم داخل الوطن وفي الخارج, الاستخفاف بالديموقراطية, والتعطش لتقييد الصحافة الحرة, والإعجاب بسافكي الدماء والزعماء الأقوياء حول العالم.

لدينا كل مقومات جمهورية الموز. لكن الأسوأ من هذا, نحن نُظهر العلامات الدالة على دولة فاشلة. لقد توقفت حكومتنا عن العمل. إن السياسة الحزبية والمصلحة الذاتية الفاضحة جعلت أغلبية الحزب غافلاً عن مسئولياته تجاه ناخبيه وتجاه دستور الولايات المتحدة. بصورة يومية, يشاهد الجمهوريون قائدهم وهو يخالف تقاليد ومعايير المنصب الرفيع الذي يشغله, لكن من خلال التراخي يسمحون له بالتربح شخصياً من الرئاسة, وترويج سياسات تنفع أصدقاءه والطبقة التي ينتمي إليها على حساب أغلبية الشعب الأمريكي, ويهاجم باستمرار المبادئ التي قامت عليها الدولة – من حرية الدين إلى الفصل بين السلطات.

تسببت الأحداث الأخيرة في قلب هذا الوضع القاتم إلى وضع مخيف. نحن نعرف الآن أن دونالد ترامب اختار رجلاً ليتولى منصب كبار مستشاري الأمن القومي والذي طرده الرئيس السابق وحذر من تعيينه. نحن نعرف أن البيت الأبيض برئاسة ترامب فشل في التحري عن هذا الرجل الذي سيؤتمن على بعض معلومات وقرارات أمريكا الأكثر حساسية. نحن نعرف إنهم لم يُصدروا له التصريح الأمني الذي يتطلبه منصبه, ومع هذا سمحوا له بالعمل بحرية في ذلك المنصب. نحن نعرف أن هذا الرجل, الجنرال مايكل فلين, حصل على مبالغ نقدية ضخمة من أحد أعدائنا, روسيا, ومن حليف صوري تجمعنا به علاقات متقلقلة, تركيا. نحن نعرف أن فلين فشل في الإفصاح عن تلك المبالغ بما يخالف القانون.

في الحقيقة, نحن نعلم أن الشيء الوحيد الذي سيمنع فلين من قضاء عقوبة عن جرائمه هو إذا عقد صفقة مع المدعين الذين يحققون في سلوكه. نتيجة للكشف المتعلق بهذه التحقيقات, نعلم أن فلين, الذي كان على إتصال دائم بمسئولين روس خلال الحملة الانتخابية, والذي, بعد أن عُين مستشاراً للأمن القومي, أجرى أحاديث مع السفير الروسي والتي كذب بشأنها للشعب الأمريكي ولنائب رئيس الولايات المتحدة. نحن نعلم أيضاً أن هذه الأحاديث كانت على الأرجح مخالفة للقانون.

نحن لا نعلم متى علم الرئيس بعلاقات فلين مع روسيا أو إذا كان وافق عليها أم رفضها. نحن نعلم أن أعضاء آخرين من فريق حملته – من ضمنهم رئيس الحملة ومستشار للسياسة الخارجية – كانت لهم علاقات وثيقة بموسكو لدرجة إنهم أُجبروا على الاستقالة أثناء الحملة. نحن نعتقد أيضًا إنهم ربما يكونوا محور تحقيق فيدرالي والذي بدأ خلال حملة العام الماضي حول طبيعة العلاقات بين حملة ترامب والحكومة الروسية التي كانت تحاول بجهد تقويض الديموقراطية الأمريكية. نحن نعلم أيضاً أن واحد من مستشاري حملة ترامب الآخرين, روجر ستون, اعترف بالاتصال بعملاء روس معروفين وشمل هذا اتصال يمكن أن يُنظر له على إنه يشير إلى وجود تواطؤ بخصوص توقيت نشر الوثائق المسربة التي تضر بحملة هيلاري كلينتون.

كان ترامب على علم بالجدل المحيط بهذه العلاقات حتى قبل مؤتمر الحزب الجمهوري العام الماضي. من الواضح إنه كان على علم بالتحقيقات في هذه العلاقات منذ فوزه. لكن هذا لم يؤثر على إجراءاته العامة, وإنما, على العكس, عبّر بشكل متكرر عن إعجابه بفلاديمير بوتين, ودعم هجوم موسكو على الديموقراطية الأمريكية, ودعم السياسات التي من شأنها أن تفيد الروس, ومؤخراً تبنى رأيًا بأن الروس لم يكونوا وراء هذه الهجمات – بالرغم من الرأي الجماعي لأجهزة المخابرات الأمريكية كلها.

في يوم 24 يناير, عندما أخبرت سالي ياتيس, القائمة بمنصب المدعي العام للولايات المتحدة, ترامب بإنه توجد أدلة دامغة على أن فلين كذب وإنه ربما يكون مُخترق من الروس, لم يفعل ترامب شيئًا. واصل فلين, لمدة ثلاثة أسابيع, العمل مستشارا للأمن القومي, والحصول على إحاطات سرية, وحضور مكالمات حساسة, وتعيين الأفراد, والإشراف على أنشطة الأمن القومي لإدارة ترامب. لم يُرغم ترامب على طرده على مضض إلا عندما كشف تقرير في صحيفة عن التحقيقات الخاصة بفلين. قبل ذلك, لأسباب أخرى والتي أظهرت أيضًا عدم احترامه للعمل المستقل لوزارة العدل, طرد ترامب امرأة جلبت له أخباراً عن فلين.

الآن, بعد أيام من شهادة المرأة أمام الكونجرس وبعد أن أوضحت شهادة سابقة لمدير إف بي آي وجود تحقيق جاد ومستمر عن علاقات فريق ترامب بروسيا, اختار الرئيس طرد مدير إف بي آي. وسط تحقيق في إحتمالية أن بعض أقرب مستشاريه ارتكبوا جرائم خطيرة على نحو استثنائي – وقبل أن يعرف أي أحد ما دور ترامب في تلك الجرائم أو مدى معرفته بها – طرد ترامب الشخص الذي يرأس التحقيقات. عندما نُدرج طرد المدعي الأمريكي السابق بريت بارارا, يشكل هذا ثالث طرد لشخصية رفيعة المستوى تلعب دورًا محوريًا في التحقيق الخاص بإدارة ترامب في الفترة القصيرة منذ تولي الرئيس للمنصب.

نحن لا نعرف ما هي الجرائم التي ربما تم ارتكابها – لكننا نرى عدة أنماط من السلوك. جميعها مثيرة بشدة للقلق. لقد أظهر ترامب بشكل متكرر عدم اكتراث طائش بالأمن القومي والمصالح القومية الأمريكية. لقد أظهر عدم احترام للقانون وللنظام القانوني الأمريكي. وعندما ظهرت تحديات سلوك زملائه لالتزام القانون, تصرف ترامب بطرق تبدو مُتعمدة لمنع أو إعاقة قدرة أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة. (ولعل الأسوأ هو إنه يلجأ إلى تويتر ووسائل الإعلام الأخرى لكي يفعل ما لا يفعله أبدًا مع الروس الذين هاجموا ديموقراطيتنا: تشويه سُمعة أولئك الأفراد وإهانتهم لقيامهم بوظيفتهم وأدائهم لمهام منصبهم.) هذا السلوك المُقلق بشدة يزداد إثارة للقلق بحقيقة إنه في ظروف أخرى, مثل عندما سقطت قانونية سياسات الهجرة على يد المحاكم, هاجم القضاة ولم يُظهر أي تقدير لمكانتهم المستقلة والمساوية للسلطة التنفيذية في نظامنا الحكومي. بعبارة أخرى, أظهر رغبة متكررة بمهاجمة النظام, والقوانين, والدستور الذي أقسم بالحفاظ عليهم. لقد فعل هذا مستخدمًا كل أدوات الشخص الغوغائي وبعض الأدوات المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية.

لقد وصلنا إلى لحظة أزمة في تاريخ الديموقراطية الأمريكية. يحتاج الشخص للعودة إلى مذبحة ليلة السبت التي قام بها ريتشارد نيكسون لكي يجد جهدًا مكافئًا لمذبحة ياتيس, وبارارا, وكومي بالتصوير البطئ عندما قاموا بمسئولياتهم التحقيقية. لكن الضغط سيزيد على آخرين في الحكومة. ذكرت سي إن إن صدور مذكرة إستدعاء من هيئة المحلفين الكبرىفيما يتعلق بمسألة روسيا. لقد ذكرت أيضاً أن اللجنة المالية في مجلس الشيوخ تطلب السجلات المالية لفريق ترامب (التي لا بد وإنها تشمل ترامب وصهره, جاريد كوشنر, نظراً لتاريخ تعاملاتهم التجارية مع الروس) كجزء من تحقيقها.

لكن في حين أن هذا التحقيق يكتسب زخمًا, يتصرف ترامب بطريقة أكثر وقاحة ويأسًا (مثلما ظهر في تغريداته التي كانت تسعى لترهيب سالي ياتيس قبيل الإدلاء بشهادتها, وسلوكه الغريب الذي تضمن تفسيره الغريب والمضلل لشهادة مدير المخابرات القومية السابق جيمس كلابر). أشار خطاب ترامب لإقالة كومي إلى "ثلاث وقائع منفصلة" حيث أخبر مدير إف بي آي الرئيس بإنه لم يكن "قيد التحقيق" قبل أن يواصل ليقول, إنه "مع هذا" إتفق مع وزارة العدل على إنه ينبغي إقالة كومي. ماذا تعني "مع هذا"؟ يبدو إنها تشير إلى إنه إذا لم يقل كومي أن ترامب لم يكن قيد التحقيق, كان سيمتلك أسباب لعزله.

يتصرف ترامب كرجل بائس, بالإضافة لكونه مذنبًا. إن ظهور فريقه, وتحديداً كونواي, على التلفاز للجدل بأن طرد كومي كان أمر جيد بطريقة ما لأن ترامب لم يكن قيد التحقيق شخصيًا هو دفاع عن شخص نرجسي لا يفهم مسئولياته كرئيس. إنها كذبة تلو كذبة وخداع وتحريف لحماية رجلهم. مع كل مقطع ينطقونه, يجعلونه يبدو مذنبًا أكثر.

هذا النشاط لا يخفى عن بقية العالم.إنهم يرون أمريكا عكس كل ما رأوه من قبل ورئيس لا يليق بالمنصب. قال أحد الدبلوماسيين من حليف مقرب في المنطقة, "لدينا الكثير من المباحثات في الوطن حول ما إذا كان ترامب مجنونًا. نحن نعتقد إنه كذلك. لقد مررنا بتجارب مع قادة من هذا النوع في أمريكا الجنوبية. لكنني لم أتوقع رؤيته في واشنطن."هذا شعور سمعته بأكثر من طريقة خلال الأسابيع القليلة الماضية.
تبدو أمريكا كدولة مختلفة تمامًا عن ذي قبل. ترامب أضحوكة في أفضل الأحوال, وعار بناءً على سلوكه المعروف حتى الآن, وتهديد للنظام والأمن العالمي مع كل إجراء يتخذه.

إنه يشوه سُمعة المنصب الذي يتولاه والحكومة التي يقودها. لكن مقابل كل حادثة نهب أو هجوم على نظامنا من ترامب وفريقه, ومقابل كل تواطؤ من قادة الحزب الجمهوري في مبنى الكابيتول هيل, كان هناك قطاع من الحكومة والنظام الأمريكي لموازنته. علّق القضاة الأوامر التنفيذية السيئة. وإف بي آي أجرت تحقيقات – بغض النظر عن العواقب المهنية الشخصية على المحققين.

يُعد الطرد الوقح لكومي تصعيدًا. إذا سُمح لترامب بأن يفلت بهذا الأمر ويعين تابعًا ككبير محققين في فريقه, سوف يرى العالم الولايات المتحدة دولة فاشلة, دولة تدير ظهرها للأفكار الأساسية التي قامت عليها – أن لا أحد فوق القانون وأن أولئك الموجودين في الحكومة, في كل المستويات بما فيهم الرئيس, يعملون لصالح الشعب. فقط إذا تم تعيين مدعي مستقل سوف يُنظر لأمريكا كدولة القوانين التي لطالما قدمت نفسها على إنها كذلك. فقط إذا حدث تحقيق شامل والذي يفحص علاقات عائلة ترمب بروسيا (وغيرها) وكيف أن هذه العلاقات ربما عرضت الولايات المتحدة للخطر سوف تُرسل الرسالة بأن أمريكا هي الدولة التي كانت مثالاً للعالم.

سوف يتطلب الأمر إلتزامًا من الحزبين بالحقيقة والعدالة. في نهاية المطاف, وكلما كان أسرع كان أفضل, سوف يتطلب الأمر من نظامنا وشعبنا أن يرفضوا ترامب والمحيطين به – الذين فعلوا الكثير من الأمور التي تهين المناصب التي تقلدوها وتقوض وضع أمريكا في العالم.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق