حان الوقت لحوار أمريكي روسي حول أمن الخليج


١٢ مايو ٢٠١٧ - ١٠:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة – بسام عباس
المصدر – ميدل ايست بريفنج

ينبغي النظر في إمكانية التوصل إلى "تفاهم" بين أمريكي روسي حول أمن الخليج. والسبب في ذلك أن لروسيا تأثير كبير على طهران في حين أن للولايات المتحدة نفوذ في دول مجلس التعاون الخليجي. وإذا استخدمت القوتان الكبيرتان علاقاتهما في التوصل الى تسوية إقليمية، وإذا ما لعبا دورهما في الوصول الى اجماع أمني بين ضفتي الخليج، فسيمكنهما إغلاق مصدر كبير للاضطرابات والعنف والإرهاب في الشرق الأوسط.

لقد تحسنت العلاقات بين روسيا ودول الخليج في السنوات الأخيرة رغم وجود العديد من الخلافات. حيث لم تكن حقيقة أن إيران هي المصدر الرئيس للتهديدات الخارجية للدول الخليجية، وأن روسيا هي الحليف القرب لإيران، السبب في تدهور العلاقات بين دول الخليج وروسيا، تماما كما كان الأمر مع الأزمة السورية، والتوسع المطرد للحرس الثوري الإيراني في العراق وفي اليمن، والاتفاق النووي بين إيران والغرب.

ربما يكون نتيجة سياسة عربية حذرة لتجنب صناعة الأعداء وهي تواجه التدخل الإيراني. وربما يرجع أيضًا لرغبة دول مجلس التعاون في إبقاء قنواتها مفتوحة مع بلد يتمتع بنفوذ لدى الطرف الآخر للتواصل في حالة نشوب صراع مباشر مع إيران أو في حالة التفاوض معها. ثم إن روسيا بدورها تعلم أن دول مجلس التعاون الخليجي قد أصبحت قوة إقليمية قادرة على تغيير الأحداث في الشرق الأوسط وتعتبر من أبرز اللاعبين في المنطقة.

أيا ما كانت الأسباب، فإننا نشهد زيارات ودية متكررة بين المسئولين من الجانبين، إلا أن الحسابات في موسكو تبدو بسيطة: فهي تسعى لاستعادة ما تراه أنه مكانها الصحيح في النظام العالمي الجديد، كما أنها لا تعلق آمالاً واقعية كبرى على أن دول الخليج ستتخلى  عن الغرب وتتجه للشرق. إن سقف طموحات الكرملين في منطقة الخليج يختلف عن حالة إيران أو سوريا، فهي طموحات متواضعة نسبيًّا من أي منظور استراتيجي، لأن العلاقات بين الغرب ودول الخليج غير قابلة للانفصام.

بطريقة ما، فإن ما نراه اليوم من دور روسي في إيران يذكرنا– ولو بشكل ضمني– بدور الاتحاد السوفيتي في مصر أثناء الستينيات من القرن الماضي. إلا أن هذه مقارنة غير عادلة للتاريخ من عدة نواحي، فإيران ليست دولة عربية، والحقبة الحالية ليست حقبة صعود مد القومية العربية، وإيران قوة غير سنية، وغير ذلك من العوامل. ولكن روسيا في كلتا الحالتين لم تلعب دورًا في كبح جماح حلفائها في طهران في تحركاتهم بالمنطقة.
 
فهل هل ستتحرك روسيا بشكل مختلف الآن؟
 
يمكننا أن نستخلص العديد من الدروس من التاريخ، كما أن هناك اختلافات كثيرة بين الماضي والحاضر التي ينبغي أن ندرسها بتمعن من حيث تأثيرها على العلاقات المتنامية بين دول الخليج العربية وروسيا.

لقد تغير الموقف الأمريكي تجاه روسيا من زمن الغزو الروسي لأفغانستان إلى التدخل الروسي في أوكرانيا، حتى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كان الموقف الأمريكي يتغير تبعًا لعوامل داخلية، ولا يمكن أن يتصور أي أمريكي عاقل– سواء كان سياسيًّا أم لا– تكرار شيء مثل غزو العراق.

كذلك فإن روسيا تتغير، فلم يعد لديها نفس أيدولوجيتها السابقة، ولا الدعم الاقتصادي أو القوة العسكرية أو العلاقات الدولية التي كانت لدى الاتحاد السوفيتي. وهذا ينطبق أيضًا على دول مجلس التعاون الخليجي. فقبل عشر سنوات كان البعض يتحدث عن إصلاحات سياسية واقتصادية ونمو القدرات العسكرية وتزايد النفوذ الإقليمي، ولكن كل ذلك اختفى الآن.

منذ عام 2011، تطورت العلاقات الروسية الخليجية  تطورًا ملحوظًا، وعقد وزراء الخارجية من الجانبين جولات من المحادثات المنتظمة التي تركزت على القضايا ذات الاهتمام المشترك مثل الإرهاب والاستقرار الإقليمي والتجارة والنفط.

الآن تبدو الصورة معقدة بعض الشيء: فإيران تتوسع في العراق بعد الغزو الأمريكي، كما تتوسع في اليمن إلى حد الإطاحة بالحكومة الشرعية هناك، وتتوسع في سوريا بسبب الحرب الأهلية، وتتوسع في لبنان من خلال دعم حزب الله وتعطيل عمل الحكومة المركزية عندما ترى ذلك في صالحها، وتدعم حلفائها من الطوائف المختلفة داخل دول مجلس التعاون الخليجي.

وهذا دفع العرب الى رد الفعل، فالهلال الشيعي الإيراني يتحول بسرعة الى قمر شيعي مكتمل. وسرعان ما أدى الصراع الى تدهور الظروف الأمنية، وكان أحد العوامل التي أدت إلى تصاعد التطرف والإرهاب. وعندما تتردد أصداء الدعوة إلى حرب طائفية في كل أرجاء المنطقة، ويتمسك الناس بهويتهم الدينية ويقاتلون من أجلها. ومن الطبيعي أن تترعرع الجماعات الدينية المتطرفة في هذه البيئة على الجانبين.
ينبغي أن تسهم الهوية الدينية في الرقي بأخلاقيات الانسان، ومع ذلك فعند نشوب الصراعات الطائفية تتحول تلك الهوية إلى قوة إيجابية تجعل الانسان يسعى لإبادة غيره من البشر أو اخضاعهم له، وتتحول إلى قوة مشوهة يستغلها المتعصبون متخذين منها أداةً للتحريض على الكراهية والتخلف والعنف.

وبغية إنهاء هذه الموجة من الهوية الدينية المدمرة والمتعصبة، والتي بتصاعدها يتصاعد الإرهاب، ينبغي إقامة علاقات جيدة بين إيران والدول العربية.
تمثل محاربة الإرهاب نقطة الالتقاء الرئيسة بين الولايات المتحدة وروسيا، لكن ذلك اقتصر حتى الآن على الضربات العسكرية: "أم القنابل" تارة و "أبو القنابل" تارة أخرى، وعلى الرغم من أن الوقت قد حان لكي يعود "الوالدان" لبعضهما البعض، فإن حصر هذا الفهم لمهمة محاربة الإرهاب في القنابل فقط لا يتناسب مع جوهر المعركة الحقيقية ضد الإرهاب.

حيث ينبغي أن يصاحب "أم القنابل وأبو القنابل" جهود دبلوماسية وإصلاح الفهم الديني والحوار والتنمية الاقتصادية والسماح بحرية الاختلاف بين الناس دون خوف أو قيد، كل ذلك، ينبغي أن يكون جزءًا من الترسانة التي نحارب بها الإرهاب.
ومثلما كان التنافس الاستراتيجي الإقليمي نقيضًا للاستقرار والسلام، فان التنافس العالمي بين الولايات المتحدة وروسيا أمر مدمر من منظور الأمن العالمي والاستقرار الإقليمي. وإذا كان من الصعب أن نبدأ الحديث مع روسيا حول "كامل" مناطق الصراع، فينبغي على القوتين الرئيستين فتح حوار يسعى لإيجاد سبل لتهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط.

في أعقاب الحرب الباردة لم يكن من المستحيل عقد صفقات إقليمية بين روسيا والولايات المتحدة لتعزيز الأمن في أوروبا. والآن ينبغي أن يكون الأمر أكثر سهولة في ظل العلاقات التي تحتفظ بها روسيا مع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، وفي ظل الدور القيادي الأمريكي هناك، بهدف الوصول الى اتفاق بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.

لقد بدأت إدارة الرئيس ترامب في الضغط على إيران بالفعل لكبح جماح الحرس الثوري الإيراني، وهي خطوة إيجابية للغاية، بل إن هذه الخطوة تصب في مصلحة روسيا التي طالما كان هدفها خفض سقف التدخل لدى الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي نزع فتيل أحد مصادر الإرهاب الرئيسة في منطقة الشرق الأوسط.

إن نجاح التنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط سيشجع كلا القوتين على التحرك نحو مستوى أعلى من حل "كامل" الصراعات في المنطقة أو التعامل مع النظام العالمي. ولكن لكي ينجح الجانبان في الشرق الأوسط، ينبغي عليهما أن يركزا على إعادة تقييم التجارب المتراكمة أثناء الحرب الباردة على المسرح الأوروبي وعلى جهودهما الأخيرة المشتركة في التوصل الى الاتفاق النووي.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق