لماذا يجدر بباكستان التزام الحياد في الخلاف القطري-الخليجي؟


١٠ يونيو ٢٠١٧ - ٠٢:٤٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة – شهاب ممدوح
المصدر – مودرن دبلوماسي


لو أرادت باكستان الاحتفاظ بعلاقات دبلوماسية قوية مع دول الشرق الأوسط, فإن مصلحتها تقتضي اتخاذ موقف متوازن إزاء الخلاف القطري-الخليجي الحالي.

قررت السعودية, ومصر, والبحرين, وليبيا, وجزر المالديف, واليمن, فضلا عن الإمارات, قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر بسبب دعمها المزعوم للإرهاب. كما أمهلت الإمارات المقيمين القطريين أسبوعين لمغادرة أراضيها. تقول قطر إن الإجراءات التي اتخذتها دول الخليج بحقها "غير مبررة" وعبّرت عن "أسفها العميق" لهذه القرارات. وبحسب الخبراء, فإن التوترات بين دول الخليج وإيران لن يقتصر تأثيرها على الشرق الأوسط فحسب, بل سيتعداه إلى منطقة جنوب آسيا. وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعل باكستان في وضع صعب فيما يخص الوضع السياسي في الشرق الأوسط.

العلاقات الثنائية بين باكستان وقطر
تتمتع باكستان وقطر بعلاقات ثنائية قوية تعززها العلاقات التاريخية الوثيقة والمشاركة الجوهرية بينهما. في فبراير عام 2016, أجرى رئيس الوزراء الباكستاني "نواز شريف" زيارة رسمية تاريخية للدوحة, التقي خلالها الشيخ "تميم بن حمد", أمير قطر. وقبل ذلك, أجرى أمير دولة قطر زيارة تاريخية لباكستان في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من مارس 2015. وفي شهر مارس 2017, ذهب رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال "قمر جواد باجوا" إلى قطر في زيارة رسمية, التقى خلالها وزير الدفاع القطري الدكتور "خالد بن محمد العطية". وخلال تلك الزيارة, تعهّد المسؤولان العسكريان بأن يعزز التعاون العسكري بين باكستان وقطر العلاقات الثنائية بين البلدين, إلى جانب تعزيز الأمن الإقليمي. التقى الجنرال "باجوا" أيضا برئيس الوزراء القطري الشيخ "عبد الله بن ناصر بن خليفة", الذي أظهر اهتمامه بالاستفادة من خبرة الجيش الباكستاني في المجال الأمني, وطلب المساعدة من باكستان خلال بطولة كأس العالم لكرة القدم التي ستُقام في قطر, بما في ذلك تزويد قطر بالموارد البشرية. 

العلاقات الاقتصادية بين باكستان وقطر
خلال زيارة "نواز شريف" إلى قطر في فبراير 2016, جرى توقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات الصحة, والراديو والتليفزيون,والتعليم, والأبحاث, فضلا عن عقد اتفاق طويل الأمد لبيع وشراء الغاز المسال. لقد انصبّ التركيز الرئيسي لزيارة "نواز شريف" ولقائه بالقيادة القطرية على مواصلة تعزيز العلاقات الثنائية في كافة المجالات, بما في ذلك الطاقة, والتجارة والاستثمار, والدفاع , بالإضافة إلى زيادة فرص تشغيل العمالة الباكستانية في قطر. لكن أبرز ما شهدته الزيارة هو عقد البلدين لصفقة غاز مسال مدتها 15 سنة. تعاني باكستان من أزمة طاقة شديدة, واستيراد الغاز من قطر سيشكّل خطوة إيجابية لمواجهة هذه الأزمة. هذه الصفقة ستنطوي على أفاق جيدة بالنسبة لقطاع الطاقة, حيث ستتمكن باكستان من تلبية احتياجاتها من الطاقة. ستستورد باكستان 3.7 مليون طن من الغاز المسال سنويا. والسعر المتفق عليه مقابل كل شحنة غاز مسال يتم تفريغها شهريا يعادل 13,37 بالمائة من قيمة مزيج برنت, وهو بذلك يعتبر أرخص من الغاز الذي سيتم استيراده عبر مشاريع أنابيب الغاز, بما في ذلك مشروع خط إيران-باكستان, ومشروع خط تركمانستان-أفغانستان-باكستان-الهند. 

خلال المرحلة الأولى, تمتد من عام 2016 إلى الربع الأول لعام 2017, سيبلغ حجم كميات الغاز المسال المستوردة 2,25 مليون طن في السنة, وسترتفع الكمية إلى 3,7 مليون طن سنويا بداية من الربع الثاني لعام 2017. وبموجب الصفقة, تتسلم باكستان شحنات الغاز المسال على أساس مدة سداد مؤجلة تبلغ 15 يوما, بدلا من مدة 10 أيام الواردة في الاتفاق السابق. وبحسب الاتفاق, تبلغ تكلفة الغاز المستورد 4,78 دولارا للمليون وحدة حرارية, وهي أقل من السعر الحالي الذي تعتمده قطر والبالغ 5,35 دولارا للمليون وحدة حرارية, وهذا السعر هو الأرخص من نوعه في جنوب آسيا. وبعيدا عن صفقة الغاز, دعا رئيس الوزراء نواز شريف هيئة الاستثمار القطرية لاستكشاف قطاعات النفط, والغاز, والطاقة في باكستان والاستثمار فيها.

لماذا لا تستطيع باكستان الانحياز بصورة كاملة لقطر؟
المشكلة بالنسبة لحكومة نواز شريف هي أن هذه الحكومة تربطها علاقات وثيقة بحكومتي قطر والسعودية. فالأسرة الحاكمة في السعودية وفرت ملاذا آمنا لعائلة نواز شريف عقب انقلاب 1999. والأهم من ذلك, تزداد العلاقات الدبلوماسية وأواصر الصداقة العريقة  بين باكستان والسعودية قوة مع مرور كل عام. تغطي هذه العلاقات القديمة والشاملة بين باكستان والسعودية عددا من المجالات منها التجارة, والحوكمة والقيم المشتركة,  والصحة, والتعليم, والثقافة, إلى جانب السياسة والأمن. كما يعمل البلدان سويا وبصورة مكثفة على المستوى الدولي, وذلك ضمن عدد من المنظمات الثنائية, والإقليمية, والدولية, بما في ذلك منظمة التعاون الإسلامي. علاوة على ذلك, تعتبر المملكة السعودية أكبر مصدّر للنفط والمنتجات البترولية لباكستان, بينما تعتبر السعودية سوقا للبضائع والخدمات الباكستانية. لاشك أن البلدين سعيا لتطوير علاقات تجارية, وثقافية, ودينية, وسياسية, وإستراتيجية فيما بينهما منذ تأسيس دولة الباكستان في عام 1947. تؤكد باكستان أن السعودية هي "الشريك الأهم" بالنسبة لها في سياستها الخارجية الحالية. كما تسعى باكستان لزيادة تعزيز علاقتها مع السعودية, التي تحتضن الحرمين الشريفين في مكة والمدينة. هناك نقطة أخرى يجدر الإشارة إليها وهي أن السعودية طلبت مؤخرا من باكستان أن تسمح للرئيس السابق لهيئة أركان الجيش الباكستاني "راهيل شريف" بقيادة التحالف العسكري الإسلامي الذي يضمّ 39 دولة لمحاربة التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي. يقول المراقبون أن هذا التعاون سيعزز العلاقات بين البلدين (بشرط عدم استخدام هذا التحالف العسكري ضد الدول الإسلامية الأخرى مثل إيران).

السعودية أم قطر؟ هذه هي معضلة باكستان
تتمتع حكومة نواز شريف بعلاقات وثيقة بحكومتي قطر والسعودية. فقد منحت السعودية ملاذا آمنا لعائلة شريف عقب انقلاب 1999. وفي مقابل ذلك, تحظى حكومة نواز شريف بعلاقات تجارية مع قطر. وبالاضافة إلى ذلك, وحسبما تظهر تسريبات "أوراق بنما", تعتبر قطر طرفا مهما في قضية الفساد المتورّط فيها نواز شريف وعائلته, حيث يشكّل الخطاب الذي أرسله أحد أعضاء الأسرة الحاكمة في قطر, حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني, جزءا مهما من هذه القضية. لذلك ستحرص حكومة نواز شريف على عدم إغضاب القطريين لأن ذلك قد يرتدّ عليها سلبا فيم يخص قضية تسريبات "أوراق بنما".

هناك معضلة أخرى تواجه باكستان وهي وجود مئات آلاف الباكستانيين العاملين في السعودية والإمارات, وهناك عدد مماثل من العمال الباكستانيين يعملون في قطر, والتحويلات المالية التي يرسلها هؤلاء العمال لباكستان تعتبر جزءا أساسيا من الاقتصاد الباكستاني. ولذلك فإن الانحياز لأي طرف في هذه الأزمة قد يهدد وضع هؤلاء العمال. 

  الصورة الأكبر لهذا الانقسام الآخذ في الظهور هي كالأتي: هناك جانب يضمّ مصر, والسعودية, والبحرين, والإمارات, والولايات المتحدة وإسرائيل. أما الجانب الآخر فيضمّ إيران, والصين, وروسيا,والعراق, وسوريا. وفي ضوء هذا الوضع, يعتبر الحديث عن عمل توازن بين إيران وسوريا غير منطقي.

في هذا السيناريو, لا تستطيع باكستان أن تنحاز للمعسكر المناهض لإيران, جارة باكستان التي أصدرت مؤخرا بيانات فظّة ضد باكستان بخصوص قضايا أمن الحدود بينهما. لذلك, لا تستطيع باكستان أن تتورّط في هكذا تحالف سيؤجج من غضب إيران. 
بالنسبة لباكستان, يعتبر الممر الاقتصادي الواصل بين الصين وباكستان عاملا مهما في المعادلة, والوضع المتدهور في المنطقة قد يؤثر بشدة على إنجاز هذا الممر. هناك احتمال بأن تشرع الأطراف المتورّطة في هذه التوترات الإقليمية في دعم جماعات إرهابية مثل طالبان وجند الله لخدمة مصالحها. حالة عدم الاستقرار والتوترات التي ستنجم عن ذلك قد تعرّض مشروع "الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان" للخطر, وهو ما سيضرّ بمصالح باكستان. إن الآثار السلبية التي ستلحق بالممر الاقتصادي بين باكستان والصين جراء الأزمة القطرية-السعودية هي أكبر مصدر للقلق لباكستان في الوقت الراهن.

وأخيرا وليس أخرا, لا يمكن لباكستان أن تنحاز لمعسكر السعودية ضد قطر بناءً على دعم الأخيرة المزعوم للإرهاب. يجب أن تدرك باكستان هشاشة وضعها في السياسة الإقليمية والدولية, حيث اتُهمت باكستان مرارا وتكرارا بأنها ترعى المنظمات الإرهابية والمسلحة التي تنفذ هجمات انتحارية في الدول المجاورة لها. أصدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية, وهو مؤسسة بحثية بارزة في الولايات المتحدة, تقريرا اليوم يصف باكستان بأنها " ملاذ لطالبان وشبكة حقاني". في ضوء هذا الوضع, لو دعمت باكستان إجراءات المعسكر السعودي ضد قطر, فمن يدري أن تصبح باكستان هدفا للمزاعم ودعوات المقاطعة ذاتها التي تتعرض لها قطر. 
ولهذا تعتبر خيارات السياسة الخارجية لباكستان محدودة للغاية. فباكستان تربطها علاقات جيدة مع السعودية, أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم. كما تعتبر أبو ظبي هي الأخرى مصدّرا رئيسيا للنفط. لكن في الوقت ذاته, تحصل باكستان على غاز مسال ذي جودة عالية وكثافة منخفضة بموجب اتفاق لاستيراد الغاز الطبيعي من قطر مدته 15 عاما. لذلك, سيكون من مصلحة باكستان لو قررت وزارة خارجيتها البقاء على الحياد في هذه الخلاف القطري-الخليجي. الخيار الأفضل لباكستان هو أن تتبنّى موقفا متوازنا في الوقت الراهن, وان تنتظر حتى ينجلي الغبار. إن أفضل ردّ لباكستان في هذه الأزمة هو عدم الردّ على الإطلاق.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق