هل يتراجع ترامب عن سياسة اوباما تجاه كوبا؟


١٤ يونيو ٢٠١٧ - ١٢:٢٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة – شهاب ممدوح
المصدر- معهد هدسون


يُجري مجلس الامن القومي الأمريكي في كل عام مراجعة لسياسة الولايات المتحدة تجاه كوبا. أفادت صحيفة نيويورك تايمز اليوم, أن الرئيس ترامب يبحث إمكانية التراجع عن سياسة الانفتاح تجاه كوبا التي انتهجها الرئيس أوباما في عام 2014, والتي أسفرت عن تطبيع العلاقات الدبلوماسية بالكامل مع كوبا في عام 2016.

ونظرًا إلى أن أوباما تحرّك من دون استشارة الكونجرس, واعتمد في سياسته الانفتاحية على استخدام الأوامر التنفيذية, حسبما أفادت إذاعة NPR في نوفمبر عام 2016, "فإن ترامب بأمكانه أن يلغي قرارت أوباما بسهولة", وهو ما يتطابق مع ما وعد به إثناء الحملة الانتخابية. بيتر كوينتر- الذي كان يعمل ذات يوم في ميامي لحساب الجمارك الأمريكية الموُكلة إليها مهمة تنفيذ الحظر المفروض على كوبا- يرأس الآن شركة محاماة اسمها "الفريق القانوني للجمارك والتجارة الدولية", وهو يضغط لحساب الشركات التي تسعى للاستثمار في كوبا. 

وذكر "كوينتر" لإذاعة NPR :
" لو تراجعت إدارة ترامب عن الانفتاح, فستعود الأمور إلى سابق عهدها, وهذا لن يكون في صالح الشعب الكوبي أو الشعب الأمريكي.
النقاش الجاري بشأن كوبا يتلخص في صراع تدور رحاه بين أعضاء الكونجرس المعارضين بشدة لنظام كاسترو من جهة- مثل ماركو روبيو وروبيرت مينينديز- وبين جماعات متنوعة تمثل المهاجرين الكوبيين, وأعضاء أخرين في الكونجرس ومجتمع الأعمال من جهة أخرى, والذين يدعمون بقوة فكرة الحفاظ على سياسة الانفتاح الحالية. الانقسام الدائر لا يكتسي طابعا حزبيا صرفا بين الجمهوريين والديمقراطيين. فعضوا مجلس النواب "توم إيمير" عن ولاية منسوتا, و "رايد ريبل" عن ولاية ويسكونسون, وكلاهما جمهوريان, يدعمان بقوة الانفتاح الذي قاده أوباما, ويشاركهما في ذلك الرأي عضو مجلس الشيوخ "جيف فلايك" عن ولاية أريزونا, الذي يأمل في يقتنع الكونجرس في نهاية المطاف بضرورة رفع الجزء المتبقي من الحصار المفروض على كوبا.

الحجة الرئيسية المقدمة ضد سياسة أوباما تتمحور حول استمرار القمع ضد دعاة الديمقراطية في كوبا على يد نظام كاسترو.
يذكر مركز "كوبا الحرة" في واشنطن أنه منذ شهر يناير من العام الحالي, تم اعتقال 1867 معارضا. وفي الأسبوع الماضي فقط, أعلنت منظمة العفو الدولية أن محكمة إقليمية في "هولجوين" صدّقت في العشرين من مارس على حكم بحبس أحد دعاة حقوق الإنسان " إدواردو كارديت" ثلاث سنوات. وكان إدواردو قد عقد مقابلات مع وسائل الإعلام الدولية, انتقد خلالها الحكومة الكوبية. وأثناء قيادته لدراجته في نوفمبر عام 2016, دفعه أربعة رجال شرطة بملابس مدنية من على ظهرها  , واتُهم لاحقا بمهاجمة مسؤول حكومي. يرأس "كارديت" حركة "التحرير المسيحي", وهي إحدى جماعات حقوق الإنسان الناشطة في كوبا, والتي تدعو إلى التغيير السلمي والديمقراطي بعيدا عن العنف.

إن استمرار القمع بالرغم من سياسة الانفتاح يرجع بدرجة كبيرة إلى الطريقة التي تعاملت بها إدارة أوباما أثناء المفاوضات التي أجرتها مع كوبا. حيث لم يطالب أوباما الحكومة الكوبية بفعل أي شيء مقابل تغيير السياسة الأمريكية تجاهها, من قبيل إطلاق كل السجناء السياسيين, وإنهاء انتهاكات حقوق الإنسان, ووقف الاعتقالات التي تستهدف دعاة حقوق الإنسان.

يسعى الرئيس ترامب الآن لإثارة قضية حقوق الإنسان, وهو ما ينمّ عن نفاق ترامب, الذي يلتزم  الصمت تجاه السعودية وتركيا, المتهمتين بانتهاك حقوق الإنسان, وبقمعهما المستمر للمعارضة. كما أن إثارة قضية حقوق الإنسان قد يعقّد العلاقة مع الحلفاء الذين تودد إليهم ترامب للانضمام للولايات المتحدة في حربها ضد التطرف الإسلامي.

يواجه ترامب الآن معارضة تقف ضد أي قرار بالعودة إلى فترة ما قبل سياسة الانفتاح على كوبا, وخصوصا من مجتمع الأعمال الأمريكي. يجادل البعض في الحكومة الأمريكية بأن الولايات المتحدة باتت تتعاون مع كوبا في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية, واعتراض المخدرات, والبحث العلمي, بجانب أشياء أخرى. وفي حال تم اعتماد سياسة متشددة جديدة ضد كوبا, فإن كل ذلك سينتهي. بعض المعارضين للانفتاح, مثل روبيو, محقون في قولهم إن الصفقات التي تنفذها الشركات, وبالأخص شركات الفنادق, يتم عقدها حصرا مع الجيش الكوبي, الذي يستحوز على العديد من الممتلكات.  

 المجال الآخر الذي يفكر ترامب بشأنه هو تخفيض حجم السياحة الأمريكية إلى كوبا. يستطيع أي مواطن امريكي في الوقت الراهن أن يسافر إلى كوبا, وذلك في حال اختار واحدة من 12 فئة تعتبر تعليمية أو ثقافية. التراجع عن هذه السياسة, حسب تقرير صحيفة ذا تايمز, سوف يؤدي إلى "إبطاء التدفق الأخير للسياح الأمريكيين لكوبا بصورة كبيرة." وهذ من شأنه أن يؤثر تأثيرا سريعا على شركات الطيران وصناعة رحلات البواخر السياحية, إلى جانب عشرات من وكالات السفر التي تنظم الرحلات إلى جزيرة كوبا.

عندما يحين وقت الحسم, ربما يكون هذا هو السبب الرئيسي الذي سيجعل ترامب غير قادر على تلبية رغبات معارضي سياسة الانفتاح الجديدة. خذوا مثلا صناعة رحلات البواخر السياحية: ستضيف شركات الرحلات البحرية الرائدة- مثل كارنيفال, ورويال كاربيان, وسليبريتي, وأوشيانيا, و أم أس سي, فضلا عن شركة نرويجان كروز للرحلات البحرية- العشرات من السفن السياحية إلى رحلاتها المتجهة إلى كوبا من الآن وحتى عام 2019. قال المدير التنفيذي لشركة "نرويجان كروز" , فرانك ديل ريو, لموقع "بلومبيرج بيزنس وييك" ما يلي:
" نجلب معنا بنيتنا التحتية, وكل وسائل الراحة الأمريكية. وقطاع رحلات البواخر السياحية لا يعاني من اختلال التوازن الذي واجهه قطاع الطيران."

ويضيف المدير التنفيذي الكوبي المولد, والذي فرّت عائلته من كوبا في عام 1961:
"تعتبر "هافانا" علامة تجارية. ومثل كل العلامات التجارية الشهيرة, ينجذب الناس بطبيعتهم إليها."
وبرغم إدراكه لإمكانية حدوث تغييرات وشيكة في سياسة أمريكا تجاه كوبا, إلا أن قطاع الرحلات البحرية الذي يعمل فيه يأمل في إمكانية أن "تقنع البداية المربحة الرئيس بعدم هدم سياسة سلفه" كما يقول المحامي "روبيرت مووس". وفيما تكلّف الفنادق الأمريكية العادية أثمانا باهظة, وفي وقت يعزف فيه العديد من السياح الأمريكيين عن استئجار أماكن إقامة عبر شركة "آير بي أن بي", أو استئجار شقق أو منازل من مواطنين كوبيين (يُطلق على هذه المنازل اسم بارتيكولرز), إلا أن سفن الرحلات البحرية تقدّم للسياح أماكن إقامة اعتادوا عليها, دون التعرض لخطر انقطاع الكهرباء عن أجهزة تكييف الهواء, أو تقديم خدمات سيئة.

هناك مؤشر آخر على مدى رغبة مجتمع الأعمال في نجاح سياسة الانفتاح, ويتمثل في مجلة شهرية غير معروفة, اسمها Cuba Trade : وهي مجلة مختصة في أمور التجارة والاستثمار في كوبا. لقد علمت بوجود هذه المجلة الشهرية البرّاقة المكوّنة من 100 صفحة, عندما وجدتها معروضة للبيع بجوار مجلة "تايم" في صالة في أحد المطارات. تنشر المجلة قصصا عن فرص تحقيق مكاسب مالية, وإعلانات تنشرها شركات تشرح فيها لرجال الأعمال كيف يمكن لوكالاتها أن تساعدهم على دخول السوق الكوبية. نشرت المؤسسة الوطنية لمزارعي القمح, على سبيل المثال, إعلانا في صفحة كاملة في عدد المجلة لشهر مايو, بعنوان: "حان الوقت لرفع الحصار."

 تناولت القصص المنشورة في عدد شهر مايو العلاقات بين مدينة "تامبا", وفلوريدا من جهة, وكوبا من جهة أخرى, والقطاعات الرئيسية للاستثمار في كوبا, بالإضافة إلى تحديد الكيفية التي يمكن من خلالها للكونجرس بمفرده أن يُنهي الحصار الاقتصادي المفروض على كوبا. ومن المفارقات أن المجلة, وفي محاولة منها لإظهار ان الشعب الأمريكي يدعم هذا الهدف, نشرت صورة ملوّنة لمظاهرة مناهضة للحصار نُظمت عند مبنى السفارة الكوبية في العاصمة واشنطن. لكن الصورة تعود في الواقع لمظاهرة نظمتها مجموعة شيوعية ليس لها تمثيل يُذكر في الشارع الأمريكي.

ما الطريق الذي سيسلكه ترامب عندما يحين وقت اتخاذ القرار بشأن كوبا؟ سيتعين على ترامب أن يأخذ في الحسبان أراء الذين يؤيدون الانخراط مع كوبا, ويجادلون بأن مخاوف الحرب الباردة لم تعد موجودة, فضلا عن أراء الذين يرون أن النظام الكوبي مازال شيوعيا, ويجني الأرباح لصالحه, بينما يحصل مواطنوه على متوسط أجر يبلغ 20 دولارا شهريا, وأن النظام الكوبي يستغل المكاسب التي نتجت عن الانفتاح لتشديد قبضته, ما يجعل مهمة إجراء الإصلاحات في كوبا أصعب من أي وقت مضى.
تفيد آخر الأخبار أن ترامب سيتخذ قراره في بداية شهر يونيو. وعندما يفعل ذلك, خاصة بعد أن يمزج بين الرأيين ويتوصل لحل وسط, سيُصاب الجانبان على الأرجح بخيبة الأمل.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق