لماذا تفشل أوروبا فى مكافحة الإرهاب؟


١٩ يونيو ٢٠١٧ - ٠٤:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

 
المصدر –  warontherocks
ترجمة – بسام عباس




تلقى المحققون البلجيكيون ضربة قاصمة، حيث فشلوا في تعطيل تفجيرات بروكسل. واستغرقوا أكثر من أربعة أشهر لتحديد مكان صلاح عبد السلام في الحي الذي نشأ فيه. كما نسي المحققون البلجيكيون صانع القنبلة الموهوب في الشبكة نجيم العشراوي الذي لم يتم اعتقاله يوم الجمعة ليعيد الكرة مرة أخرى يوم الثلاثاء التالي في مطار بروكسل حيث فجر إرهابي آخر حزامًا ناسفًا. وقد نفذ ثلاثة اخرون تفجيرات انتحارية في محطة مترو مايلبيك في وقت واحد تقريبا. وقد كشفت الهجمات التي بدأت بسرعة بعد اعتقال عبد السلام، عن عجز بلجيكا عن التعامل مع خطر إرهابي واسع النطاق على حدودها. ومن بين جميع دول أوروبا، لم تكن الدولة الوحيدة التي تعاني من هذا العجز.


تعاني بلجيكا، شأنها شأن معظم الدول الأوروبية الأخرى، من مشكلة في قدرتها على مكافحة الإرهاب. فقد هرب عدد كبير جدا من حاملي جوازات السفر الأوروبية إلى صفوف داعش في سوريا والعراق في السنوات الأخيرة. ويعودون الآن تسجعهم شبكة تسهيلات عميقة تابعة لتنظيم داعش ومسلحين بسنوات من الخبرة القتالية. وهذه المجموعات المميتة ستستمر، وبكل تأكيد، في تنفيذ هجمات إرهابية يوجهها تنظيم داعش ويلهمها.


وهذا لم يكن مفاجئًا لأحد. لقد كانت الأجهزة الأمنية الأوروبية تشعر بالقلق منذ فترة طويلة (رغم أن هذا القلق لم يكن مثيرًا للاهتمام) حيال المقاتلين الجهاديين الأجانب العائدين إلى ديارهم للمجتمعات المغتربة المحرومة التي تغض الطرف عن أنشطتهم المشينة. ورغم امتداد القدرة الأوروبية في مكافحة الإرهاب وتناميها، إلا أن فشلها في توقع انتشار داعش في أوروبا يؤكد عدم الكفاءة. لم يكن من المرجح أن يتطور المقاتلون الأجانب في سوريا لدرجة إنشاء شبكات إرهابية متطورة وقادرة. وأدى عدم توقع هذا الإعداد والاستعداد له إلى جعل أوروبا عرضة للتهديدات التي كان يمكن تجنبها لو تمت مشاركة المعلومات الاستخباراتية وإنشاء جبهة موحدة عبر دول الاتحاد.


بشكل فردي، بعض الدول الأوروبية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا لديها خبرة واسعة في مكافحة الإرهاب والتكامل الفعال بين الاستخبارات وإنفاذ القانون. غير أن جهود الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب ، في مجملها، خليط من البيروقراطيات والقدرات والإجراءات. فالدول صغيرة الحجم قد اعتمدت منذ سنوات على جهود الإنفاذ التي تبذلها الدول الكبرى. واستغلت شبكات المقاتلين الأجانب العائدين من داعش ثغرات الاتحاد الأوروبي، لتضرب القارة حيث مكمن ضعفها. وشهدت بلجيكا، مثلها مثل غيرها من الدول الصغيرة في أوروبا، مثل الدنمارك وهولندا، هجرات كبيرة من المقاتلين إلى سوريا والعراق. وليس لدى هذه الدول منظمات استخباراتية كبيرة أو قدرة كافية على التحقيق في متابعة شبكات داعش ذات الخبرة التي تتغلغل عبر الحدود وتتواصل سرًّا.
 
ما الذي ينبغي أن تفعله أوروبا لإزالة الفجوة بين الإرهابيين ومكافحتهم؟

إن استجابة الحكومة الطبيعية في الإخفاقات الكبرى، مثلما حدث في تفجيرات بروكسل، هي إنشاء لجان للتحقيق في إخفاقات الاستخبارات وإعادة تصميم مزيد من البيروقراطيات. إن إعادة صياغة البيروقراطية غير الفعالة سيستغرق سنوات. والنجاح في هذا الصدد قد يتحقق فقط بعد تتلاشى ظاهرة داعش. وتستغرق اللجان سنوات لصياغة النتائج وستكشف النتائج التي توصلت إليها ما هو معروف بالفعل: فالدول الأوروبية لا تتشارك المعلومات الاستخباراتية ولا تتقاسم رؤاها بالسرعة التي يقوم بها خصومها من الإرهابيين. ورغم أن اليوروبول والإنتربول يفعلان ذلك نوعًا ما، إلا أنهما لا يملكان السلطة أو ما ينتج عنها من تجهيزات لاجتياز الشبكة المعقدة للحدود الأوروبية والإجراءات، وعرقلة الإرهابيين الذين يعملون دون عائق.


ويزعم تنظيم داعش أنه حشد نحو 400 من الناشطين في القارة الأوروبية. كما أن وتيرة الهجمات تشير إلى أن العمليات المستقبلية ستكون قريبة ومتشابهة. ولذلك فبدلا من إعادة تصميم بيروقراطية مكافحة الإرهاب ببطء، ينبغي أن يبدأ الاتحاد الأوروبي على الفور إنشاء فرقة عمل تركز بشكل حصري على تهديدات داعش لأوروبا. وفي حالات مثل الاتحاد الأوروبي اليوم، تثبت فرق العمل أنها أكثر فعالية من البيروقراطية. وإذا أذن لهم، يمكنهم تنظيم الموارد بسرعة حول القضايا القديمة، وإناطة المهمة والمسئولية إلى كيان واحد، وتوفير غطاء أعلى للمحققين يتجاوز الولايات القضائية، وتسهيل تبادل المعلومات الاستخباراتية الهامة، وتحقيق قدرات أعلى في المناطق التي كانت تفتقر إليها في السابق، والتغلب على التحديات اللغوية وإنشاء تسلسل قيادي واضح لصنع القرار. ولذلك فمن نواح عديدة، سترصد فرقة العمل الأوروبية هيكل شبكة تنظيم داعش التي تسعى إلى مواكبة نقاط قوتها وتعزز نقاط ضعف مكافحة الإرهابيين الكثيرة. فضلاً عن أن قيادة العمليات الخاصة المشتركة للجيش الأمريكي، وفرق العمل المشتركة لمكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي ، تقدم مثالين حديثين على فوائدهما في أوقات الأزمات، مقارنة بالبيروقراطيات بين الوكالات أو الدول.


ربما سيوفر التشكيل الناجح لقوة عمل أوروبية ضد تنظيم داعش الأساس لبيروقراطية دائمة لمكافحة الإرهاب التي تحتاجها أوروبا لتعطيل عمل تنظيم داعش وأي شبكات إرهابية في المستقبل. وستقوم فرقة العمل، التي تعمل بقوة على متابعة مقاتلي داعش الأجانب العائدين إلى ديارهم، وبتحديد الثغرات الحالية في تقاسم المعلومات الاستخباراتية وإغلاق الثغرات فيها وتحديد الحاجة إلى الاستخبارات البشرية التي يحتاجها الكثيرون. على سبيل المثال، تعرف بعض الدول الأوروبية أن هناك بعض الأحياء التي تعد ملاذًا آمنًا للإرهابيين في الدول المجاورة، مثل فرنسا في حالة مولنبيك، ولكنها تفتقر إلى السلطة والقدرة على توفير عناصر الاستخبارات البشرية بشكل مناسب بين سكان تلك الأحياء. ويمكن أن تساعد فرقة العمل على القضاء على هذا النقص.


إن تحديد هذه الثغرات الاستخباراتية سيقرر أيضا أماكن تنفيذ تقنيات الرصد والتتبع من أجل الاستمرار في المراقبة غير المتطفلة على طول الطرق المفضلة للإرهابيين في جميع أنحاء أوروبا. وفي الوقت الحاضر، تمتلك الدول الأوروبية العديد من تقنيات المراقبة المتطورة والمتنوعة. وسيؤدي التكامل بين هذه النظم في فرقة عمل واحدة إلى زيادة تبادل المعلومات وحظرها والاستجابة لها. كما ستتيح فرقة العمل فرصة تجربة التكتيكات والتقنيات الجديدة وتضع أسس التشريع والتنظيم المناسبين فيما يتعلق بأساليب التحقيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتوازن بين الأمن والخصوصية. فالسياسة الناتجة عن الخبرة دائما ما تحمل نتائج أفضل من السياسة النظرية بالنسبة لمكوناتها وقدراتها الصحيحة بالإضافة إلى خبرة ممارسيها.
إن سرعة تطبيق قوة عمل أوروبية ضد تنظيم داعش أمر ضروري وملح. ويبدو أن أوروبا بطيئة في الاستجابة ومن غير المرجح أن تعمل بسرعة على الرغم من مشاهدة هجمات شارلي إيبدو وكوشر في باريس منذ أكثر من عام، وهجمات باريس في نوفمبر الماضي، والآن هجمات بروكسل، التي تشير التقارير إلى وجود صلات بين الدول الخمسة. ويبدو أن موقف الدول الأوروبية هو "الإرهاب ليس مشكلتي إلى أن يصبح مشكلتي".

ومن المؤسف أن تنظيم داعش في أوروبا هو مشكلة يتم صناعتها منذ أكثر من أربع سنوات. فهذه الجماعة الإرهابية تهدد جميع دول القارة ، وأي دولة أوروبية يقيم فيها مقاتلون أجانب محظوظة بما فيه يكفي لكي تنجو من أعمال العنف حتى الآن، ولكن الأمر يتعلق بالوقت الذي يؤثر فيه الإرهابيون في وسط تلك الدول. إن باريس وبروكسل، اللتان تفتقران إلى إجراءات واسعة وفورية لمكافحة الإرهاب، ستكونان بداية– وليس نهاية– حملة تنظيم داعش للإرهاب الأوروبي.
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق