كيف ساهمت بريطانيا فى صناعة تنظيم داعش؟


٢١ يونيو ٢٠١٧ - ٠٥:٣٠ ص بتوقيت جرينيتش

 


المصدر - journal-neo
ترجمة – شهاب ممدوح



ترزح بريطانيا تحت قبضة الخوف, والفزع, والغضب بعد أن تعرّضت لثلاث هجمات إرهابية في غضون ثلاثة أشهر. العديد من الأبرياء من  الرجال, والنساء, والأطفال قُتلوا جراء هذه الهجمات الإرهابية, ونتيجة لذلك امتلأت العديد من البيوت بمشاعر الحزن واليأس. وأُعلنت الأحكام العرفية في عدة مناطق في البلاد, وبات تجوّل قوات الجيش في شوارع بريطانيا مشهدا مألوفا. يبحث الكثيرون اليوم عن شخص أو طرف ما لكي يلقوا باللوم عليه, في وقت يزداد فيه انتصار مشاعر الغضب على العقل.

لكن في خضم هذه الهستيريا, هناك علاقة واضحة يتعين تسليط الضوء عليها: العلاقة التي تربط بين هذه الهجمات الإرهابية وسياسة بريطانيا الخارجية في سوريا. بالرغم من أن "جيرمي كوربن" كان محقا في تسليط الضوء على العلاقة بين الحروب البريطانية في أفغانستان, والعراق, وليبيا, وبين نمو الإرهاب داخل بريطانيا, إلا أن هناك صراعا- يمكن القول إنه السبب الأهم في صعود الإرهاب- لا يجرؤ أحد على التحدث عنه: الحرب في سوريا.

للأسف, يجهل معظم البريطانيين حقيقة الحرب في سوريا, والدور الذي لعبته المؤسسة البريطانية في دعم طائفة من  الجماعات الإرهابية, بما في ذلك تنظيم داعش. وحتى لو صدّقنا للحظة أن كل الروايات الرسمية بشان الهجمات الثلاث الأخيرة حقيقية بنسبة مائة بالمائة (وهو ما لا أصدقة شخصيا) إلا أنه ينبغي توجيه جزء من اللوم نحو المؤسسة البريطانية بسبب السياسات التي انتهجتها في الخارج.

لقد وفّرت الحرب بالوكالة في سوريا أرضا خصبة لصعود تنظيم داعش وجماعات متطرفة أخرى, حيث أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجمات الثلاث الأخيرة في بريطانيا, وهي هجوم جسر لندن, والهجوم على مسرح مانشستر, فضلا عن هجوم ويست منستر. لقد كانت بريطانيا جزءا من تحالف ثلاثي شنيع دعم طيفا واسعا من الجماعات الإرهابية في سوريا لسنوات عدة حتى الآن, وهي حقيقة كشف عنها الصحفي المخضرم وصانع الأفلام الوثائقية "جون بيلجير" خلال مقابلة أجراها في نهاية عام 2015. وفي رده على سؤال طرحة "أفشين راتانسي"- مقدم برنامج "الاختباء تحت الأرض" على قناة روسيا اليوم- " كيف يمكن أن تكون داعش صنيعة واشنطون, ولندن, وباريس؟", فأجاب "بيلجير" قائلا:

" داعش ليست صنيعتهم فحسب, بل هي الابن المراهق المجنون لباريس, ولندن, والولايات المتحدة. لقد دعمت هذه البلدان الثلاثة وسلّحت تنظيم داعش- سواء كان ذلك عبر تقديم السلاح مباشرة لجبهة النصر, قبل أن يتم تسريبه إلى داعش, أو إلى الوهابيين في السعودية أو قطر- لكن الحقيقة أن الفرنسيين, والبريطانيين, والأمريكيين, والأتراك كلهم قدموا السلاح الذي ساعد داعش على البقاء. لو كان ديفيد كاميرون قد انتصر في التصويت الذي جرى في مجلس العموم منذ بضعة سنوات, لكان تنظيم داعش الآن على رأس السلطة في سوريا, التي تعتبر البلد الأكثر تنوعا من الناحية الثقافية والعرقية في الشرق الأوسط."  

لقد ضخّت المملكة المتحدة لسنوات عدة الملايين لصالح المعارضة السورية. في عام 2012, اعترف وزير الخارجية البريطاني في حينها, ويليام هيج, أن بريطانيا كانت تقدم "دعما عمليا وغير قاتل" للمتمردين السوريين, وتعهد بزيادة ذلك الدعم. ووفقا لما نشرته صحيفة الإندبندنت, فإن قيمة هذا الدعم البريطاني للمعارضة السورية بلغت ثمانية ملايين جنية إسترليني, وكان عبارة عن سترات واقية من الرصاص, وسيارات مزوّدة بدرع واق من القذائف, وشاحنات, ومعدات اتصال, وحواسيب محمولة, ومعدات تنقية المياه, إلى جانب معدات أخرى ضرورية لخوض المعارك. في عام 2013, زعم تقرير أن بريطانيا اشتركت مع دول أوربية أخرى ومع الولايات المتحدة في عملية لتزويد المتمردين السوريين بثلاثة آلاف طن من الأسلحة, تم إرسالها في 75 حمولة عن طريق الجو, انطلاقا من زغرب في كرواتيا.
 
تنظيم داعش كان دوماً جزءا رئيسيا من المعارضة السورية

لكن مَن هم المتمردون السوريون بالتحديد؟ وفقا لتقرير استخباراتي عسكري أمريكي نُزعت عنه السرية- كشفت عنه وكالة استخبارات الدفاع- ويعود لشهر أغسطس من عام 2012, فإن المعارضة السورية تتألف في معظمها من الإرهابيين والمتطرفين, بما في ذلك تنظيم داعش, وأكد التقرير أن:"السلفيون, والإخوان المسلمون, والقاعدة في العراق هم القوة الرئيسية التي تحرّك التمرد في سوريا." وأضاف التقرير " ساعد تنظيم القاعدة في العراق المعارضة السورية منذ البداية, من خلال الدعم الإيديولوجي والإعلامي" وأن "الأحداث تتخذ منحى طائفيا واضحا.

تنظيم القاعدة في العراق كان باكورة تنظيم داعش, كما يوضح ملخص نشرته جامعة ستانفورد:
" تنظيم داعش هو منظمة سلفية-جهادية مسلحة في سوريا والعراق. تعود جذور هذه المنظمة إلى بداية الألفية الجديدة, عندما بدأ أبو مصعب الزرقاوي في تدريب المسلحين المتطرفين. كانت هذه المنظمة المسلحة شريكا رئيسيا في حركة التمرد في العراق أثناء الاحتلال الأمريكي, وكانت تحمل في البداية اسم (جماعة التوحيد والجهاد) ثم أطلقت على نفسها لاحقا, بعد مبايعتها لتنظيم القاعدة, اسم "تنظيم القاعدة في العراق".

وبسبب مواجهته لرد فعل عنيف من السكان المحليين وتعرضه لضغط متزايد من القوات الأمريكية والعراقية, ضعفت قوة التنظيم حتى مجيء عام 2011, عندما بدأت قوته في التزايد بسبب انخراطه في الحرب الأهلية السورية. في عام 2013, غير التنظيم اسمه إلى " الدولة الإسلامية في العراق والشام. وخلال الفترة الزمنية الممتدة بين عامي 3013 و 2014, سيطر تنظيم داعش بسرعة على أراض في كل من سوريا والعراق. وعلى الأرض, حارب التنظيم نظام الأسد والقوات الشيعية الموالية له, وجماعات المعارضة السورية, والجيش العراق والحشد الشعبي, فضلا عن قوات البشمرجة الكردية."

إذا, وفقا للمعلومات الاستخباراتية للجيش الأمريكي والتي تعود لأغسطس عام 2012, فإن تنظيم القاعدة- عُرف لاحقا باسم تنظيم داعش- كان جزءا رئيسيا من المعارضة السورية, وكانت بريطانيا حينها رسميا تدعم المعارضة السورية من خلال تقديم مساعدات غير قاتلة. ووفقا لبعض التقارير, كانت بريطانيا تسلّح أيضا المعارضة السورية بصورة مباشرة. كما شاركت بريطانيا أيضا في تدريب المتمردين السوريين في الأردن, حيث كانت هناك فرق من المخابرات البريطانية على الأرض هناك, وفقا لما أوردته صحيفة الجارديان. إذا كان ما نُشر هو ما تم الاعتراف به فقط, تخيلوا عدد العمليات السرية التي تورّطت فيها بريطانيا ولم تعترف بها رسميا!

ليست استخبارات الجيش الأمريكي وحدها التي أقرّت بأن نسبة كبيرة من المتمردين السوريين هم من الإرهابيين. فحتى رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون, الذي كان دوما مناصرا قويا لفكرة تغيير النظام السوري بالقوة, اعترف في بداية عام 2016 أن العديد من المتمردين "المعتدلين" كانوا في الواقع ينتمون "لجماعات إسلامية متشددة نسبيا" (أي جماعات إرهابية):
 "لكن إن كنت تسأل: هل كل هؤلاء الأشخاص يؤمنون بالديمقراطية, مثلي ومثلك؟ فالإجابة هي لا. بعضهم ينتمي لجماعات إسلامية, والبعض الآخر ينتمون لجماعات إسلامية متشددة نسبيا."  

لقد سُلط المزيد من الضوء على التواطؤ البريطاني مع القوى الإرهابية, أثناء نظر إحدى القضايا أمام المحكمة الجنائية في "أولد بيلي" في عام 2015. حيث اتُهم "بهرلن جيلدو", وهو مواطن سويدي, بالقتال لصالح الجماعات المسلحة السورية- بما في ذلك جبهة النصرة (فرع القاعدة في سوريا) التي غيرت اسمها أكثر من مرة- لكن القضية سرعان ما أُسقطت بعد أن زعم محاميه أن الاستخبارات البريطانية شاركت في تسليح وتقديم مساعدات غير قاتلة للجماعات الإرهابية ذاتها التي كان يقاتل "جيلدو" في صفوفها.
 
لطالما رغبت بريطانيا في تغيير النظام السوري بالقوة
بريطانيا لديها تاريخ طويل في الرغبة لتغيير النظام السوري بالقوة, وتنصيب نظام خاضع للمؤسسة الأنجلو-ساكسونية ( وللمؤسسة الإسرائيلية, بالتبعية). ففي عام 1957, صادق رئيس الوزراء البريطاني في حينها, هارولد ماكميلان, على خطة مشتركة بين "السي آي أيه" وجهاز الاستخبارات البريطاني لافتعال حوادث حدودية لتبرير غزو عسكري ضد سوريا, وتنفيذ اغتيالات ضد شخصيات سياسية سورية بارزة. وبالرغم من أن الخطة لم تُنفد- السبب الرئيسي يعود لمعارضة جيران سوريا العرب- إلا أنها تكشف عن رغبة بريطانيا القديمة في استهداف سوريا.  

في العصور الحديثة, هناك دليل قوي يدعم فكرة أن بريطانيا كانت أحد المخططين الرئيسيين "للحرب الأهلية" السورية التي بدأت في عام 2011. خلال مقابلة له في عام 2013, صرّح وزير الخارجية الفرنسي الأسبق ,رونالد دوماس, أن جهات تواصلت معه في بريطانيا " قبل اندلاع العنف بسنتين" لمعرفة ما إذا كان يودّ المشاركة في تنظيم " غزو للمتمردين" في داخل الأراضي السورية:
" سأخبرك بأمر ما. كنت في إنجلترا لقضاء عمل ما, وذلك قبل اندلاع العنف بسنتين في سوريا. التقيت بمسؤولين بريطانيين بارزين, اعترفوا لي بأنهم يعدّون لأمر ما لسوريا. حتى أنهم سألوني ما إذا كنت أرغب في المشاركة. ولكني رفضت بطبيعة الحال."

هذه العملية تعود إلى زمن بعيد. كانت هناك خطط جاهزة وموضوعة مسبقا. من المهم أن نعرف أن هذا النظام السوري يتبنّى موقفا مناهضا لإسرائيل. وبالتالي, فهو مستهدف منها, مثلما أخبرني رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق:
" سنحاول أن نتعايش مع جيراننا, ولكننا سندمر الذين لا يتفقون معنا."

 المثير للاهتمام, أنه حتى "بي بي سي" اعترفت بأنه كان هناك خطة جرى تداولها في أروقة المؤسسة البريطانية في عام 2012 تقضي "بتدريب وتجهيز جيش قوامه 100 ألف متمرد سوري" لقتال بشار الأسد. حاولت "بي بي سي" أن تفسر القصة على نحو مضلل, حيث قالت إن رئيس الوزراء البريطاني اعتبر أن الخطة تنطوي على خطورة بالغة, وبالتالي رفضها في نهاية المطاف. ولكن بالنظر إلى أن مضامين تلك الخطة تكشّفت أحداثها أمام ناظرينا (ومازالت تتكشّف حتى اليوم), وإن كانت بمشاركة الولايات المتحدة, وفرنسا, وحلفاء بريطانيا في الشرق الأوسط, فمن الصعب تصديق أن الخطة قد رُفضت أصلا.
 
تيريزا ماي تدفع باتجاه تغيير قوانين الإنترنت

في أعقاب الهجوم الإرهابي الأخير في منطقة جسر لندن- والذي نفذه, كالعادة, متطرفون كانوا معروفين لدى السلطات- دعت رئيسة الوزراء البريطانية لتعديل قوانين الإنترنت. قالت "ماي" إن الإنترنت يوفر "ملاذا آمنا" للإيديولوجية الإرهابية, ودعت الحكومات "للتوصل إلى اتفاقيات دولية" لتنظيم عمل الإنترنت:
"لا يمكن أن نسمح بوجود ملاذات آمنة تنمو فيها هذه الإيديولوجية, لكن هذا تحديدا ما يوفره الإنترنت والشركات الكبرى التي تزوّد خدمات الإنترنت. نحن بحاجة لأن نعمل مع الحكومات الديمقراطية الحليفة للتوصل إلى اتفاق دولي ينظم عمل الفضاء الإليكتروني, لمنع انتشار المخططات المتطرفة والإرهابية."

إن الحقيقة وراء هذه الهجمات الإرهابية قد لا تبصر النور أبدا, لكننا نعرف بالتأكيد أن المؤسسة البريطانية ستستغل هذه الفظاعات لتحقيق مخططاتها. فدعوة "ماي" لوضع قوانين تنظم عمل الإنترنت, كانت هدفا للمؤسسة البريطانية لسنوات طويلة, واقتراح "ماي" يؤكد أن النخبة الحاكمة لن تدع أي أزمة تذهب هباءً دون استغلالها.  


 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق