كيف قام حافظ الأسد بتحطيم أسطورة هنرى كسنجر؟


٢٩ يونيو ٢٠١٧ - ٠٥:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

 
 

ترجمة - آية سيد
المصدر – ذا إنترسبت



ينبغي على أشد نقاد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أن يقدروه بسبب معاملته لوزير خارجية نيكسون المغرور, هنري كسنجر.

عندما سافر كسنجر إلى دمشق مساء 26 فبراير 1974, جعله الأسد ينتظر لساعات بينما قدم العشاء للديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوتشيسكو. لم يقابل الوزير الأمريكي إلا بعد منتصف الليل. طوال الاجتماع, كان كسنجر يجلس في مواجهة "لوحات زيتية ضخمة لموقعة حطين, التي هزم فيها السلطان صلاح الدين الصليبيين, وفتح بيت المقدس,"

كان هذا مما ورد فى كتاب "حافة الهاوية: حافظ الأسد, هنري كسنجر, وإعادة خلق الشرق الأوسط الحديث". لبثينة شعبان

استضاف الأسد حاشية كسنجر في قصر الضيافة, وهو سكن متواضع حيث أعلن عدو أمريكا جمال عبد الناصر الجمهورية العربية المتحدة عام 1958, وهي وحدة بين سوريا ومصر. بعد ثلاثين دقيقة من نومه, استيقظ كسنجر على أذان الفجر من المسجد المجاور له.

تكتب بثينة شعبان أن هذه الإهانات لغرور كسنجر -تأجيل موعد العشاء, ولوحة صلاح الدين, وعلاقة قصر الضيافة بالقومية العربية والاستيقاظ المبكر – لم تكن صدفة.

بثينة, أستاذة الأدب الإنجليزي السابقة والتي تعمل الآن مستشارة إعلامية وسياسية لبشار الأسد, تقدم لأول مرة منظورًا سوريًا لمفاوضات الأسد- كسنجر الشهيرة. لقد شكل اتفاقهما النهائي العلاقات بين سوريا وإسرائيل, وكذلك أيضًا سوريا والولايات المتحدة, لمدة 40 عامًا تقريبًا. لقد كتب كسنجر, وغيره من الأمريكيين, والإسرائيليين عن المحادثات, لكن هذه هي الرواية السورية الأولى لها.

 تحظى بثينة بإمكانية وصول فريدة للأرشيف الرئاسي السوري الذي يضم "محاضر كل الاجتماعات والرسائل التي تبادلوها سواء عبر القنوات الدبلوماسية من خلال السفير الأمريكي في دمشق أو عبر القنوات الدبلوماسية." يحتوي الأرشيف على نسخ كتابية من تسجيل صوتي والتي تعرض وجهات نظر المشاركين طوال زيارات كسنجر الـ28 إلى دمشق في 1973 و1974. هذا الكتاب لا يقدم القصة المؤكدة, ولا يزعم إنه يفعل ذلك. مثل الميكروفونات المخبأة في البيت الأبيض في عهد نيكسون, إنها تقدم تصحيحًا للأسطورة التي عززها كسنجر عن نفسه بإنه مترنيخ عصره.  

كان كسنجر ينوي أن يكون الإصدار الثاني من مذكراته, "سنوات الثورة," هو الكلمة الأخيرة حول مفاوضاته مع الأسد. من حسن الحظ, إنه ليس كذلك. كتاب إدوارد شيهان "العرب, والإسرائيليون, وكسنجر," على الرغم من إنه كُتب بمساعدة كسنجر, أثار غضب كسنجر. قال كسنجر إنه "صُعق لرؤية بعض أحاديثه مع رؤساء دول أجنبية مطبوعة." إذا وصل كتاب بثينة, الذي نُشر في بيروت, إلى القراء الأمريكيين, سوف يُصعق مرة أخرى.

أدرك كسنجر الدبلوماسية الشرق الأوسطية متأخرًا. بصفته مستشارًا للأمن القومي لدى نيكسون في الفترة من 1969 حتى 1973, عرقل المفاوضات الخاصة بحل الصراع العربي-الإسرائيلي. بسبب تطلعه للحصول على وظيفة ويليام روجرز كوزير للخارجية, ثبط تجاوز إتفاقية وقف إطلاق النار التي وافقت عليها إسرائيل, والأردن, ومصر, وسوريا بموجب خطة روجرز لإنهاء "حرب الاستنزاف" التي كانت تُفلس إسرائيل. كانت المنطقة تتغير في سبتمبر 1970, وهو الشهر الذي شهد قمع الملك حسين لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأردن ووفاة عبد الناصر. كان من خلفه هو نائبه, أنور السادات. بعدها بشهرين, تولى وزير الدفاع السوري, حافظ الأسد, منصب الرئاسة في انقلاب سلمي. فُتح باب الدبلوماسية, لكن كسنجر أغلقه بعنف.

تقرب السادات إلى نيكسون وكسنجر عبر مجموعة متنوعة من المبعوثين لعرض السلام مقابل الأرض. تجاهله كسنجر, معتقدًا أن الإسرائيليين يستطيعون الدفاع عن شبه جزيرة سيناء من وراء خط بارليف "المنيع" الواقع على الضفة الشرقية من قناة السويس. مرارًا وتكرارًا, هدد السادات بالحرب إذا فشل الأمريكيون في تغيير موقف الإسرائيليين. اعتقد كسنجر أن السادات يخدعهم وصده. عندما طرد السادات جميع المستشارين العسكريين السوفيت البالغ عددهم 15 ألف من مصر في 1972, رفض كسنجر الاعتراف بالنقلة الاستراتيجية المصرية.

بالرغم من تحذيرات الملك الأردني حسين وأجهزة مخابرات متعددة, باغتت الجيوش السورية والمصرية إسرائيل عندما هاجموها يوم 6 أكتوبر 1973. حطم المصريون خط بارليف بخراطيم المياه, وعبروا إلى سيناء بواسطة الجسور العائمة. اندفعت الدبابات وجنود المشاه السوريين إلى هضبة الجولان المحتلة. الإمدادات الأمريكية الطارئة, واستدعاء جنود الإحتياط, وإضاءة الجانب الغربي من القناة هي فقط ما أنقذ مكاسب إسرائيل من عام 1967.

كسنجر, الذي حل محل روجرز قبل أسبوعين من الحرب, تدخل لتنظيف الفوضى التي كان مسئولًا عنها بشكل كبير. سافر إلى الشرق الأوسط من أجل غرض مزدوج: لإقصاء السوفيت عن مفاوضات السلام ولحماية إسرائيل. ألقى السادات بنفسه في أحضان كسنجر, وعرض عليه أن يتبع دبلوماسيته أينما تؤدي. كان الأسد أكثر صعوبة, بسبب وضع دولته التي وصفها عبد الناصر بإنها "قلب العروبة النابض" بقدر ما هو بسبب عناده الفطري.

أبدع كسنجر ما يُسمى "الدبلوماسية المكوكية," حيث كان يحمل الرسائل بين الإسرائيليين وخصومهم العرب في القاهرة ودمشق مع تقديم اقتراحاته الخاصة. كان هناك جدلًا حول سجناء الحرب, ومساحة الأراضي التي ستتنازل عنها إسرائيل, وأماكن وضع خطوط عدم الاشتباك, وكمية الأسلحة التي سيُسمح بها في الجانبين, ووضع مراقبي الأمم المتحدة. لم يملك الصحفيون أمثالي المتواجدون على الأرض في دمشق أدنى فكرة عن الوعود التي قدمها كسنجر خلف أبواب القصر. كان يُطلع الصحفيين المرافقين له على الطائرة من واشنطن على أية قصة, صحيحة أو كاذبة, يريد قراءتها في الصحف صباحًا.

استمر أول اجتماع لكسنجر مع الأسد في 15 ديسمبر 1973 لستة ساعات ونصف. أدهش الأسد ضيفه, أول وزير خارجية أمريكي في عاصمته منذ 1953, بالموافقة على إقصاء المناصرين السوفيت من المباحثات على أساس أن الولايات المتحدة وحدها تستطيع التأثير على إسرائيل. فاجأ كسنجر الأسد بإدعاء أن العقبة الرئيسية أمامه تنبثق ممن يسيطرون على "رأس المال ووسائل الإتصالات" في الولايات المتحدة, وهي إشارة غير فطنة للوبي الصهيوني الذي لم يكن قد حقق بعد النفوذ الذي تمتع به في السنوات اللاحقة. تحتوي النسخ السورية على ملاحظات كسنجر العديدة التي تنتقص من قدر اللوبي, لكن, تكتب بثينة, "السجل الأمريكي لا يشير إلى إنه ذكر "رأس المال" أو "وسائل الإتصال."

تفاوض كسنجر على فض الاشتباك الإسرائيلي-المصري في ثمانية أيام في يناير 1974. يذكر موقع وزارة الخارجية بقدر كبير من التهوين, "على عكس المفاوضات القصيرة نسبيًا التي أدت إلى اتفاقية فض الاشتباك المصري-الإسرائيلي, المفاوضات حول فض الاشتباك السوري-الإسرائيلي أثبتت إنها أكثر صعوبة واستغرقت وقتًا أطول بكثير." على عكس سيناء, كانت الجولان تتمتع بمئات القرى, وآلاف السكان النازحين الذين اشتاقوا للعودة إلى ديارهم, والقرب من العاصمة. من وجهة النظر الإسرائيلية, الخطوط السورية كانت تهدد مستوطناتهم غير الشرعية وأجزاء من إسرائيل نفسها. والأسد, على عكس السادات, لم يكن خصمًا سهلًا.

تملق كسنجر, وكذب وتلاعب. في النهاية, حصل على ما أراده: إتفاق منح إسرائيل حدها الأكثر سلمية إلى أن غيرت الحرب الأهلية السورية اللعبة. لقد حقق أيضًا إحتكارًا أمريكيًا للمفاوضات العربية-الإسرائيلية التي تخلت عن تحقيق السلام الشامل لصالح ما أسماه دبلوماسية "الخطوة بخطوة." أدت الخطوات إلى الحرب الأهلية اللبنانية, واجتياح إسرائيل المتعدد للبنان, ونشأة حزب الله وطرد إسرائيل من لبنان, واستعمار إسرائيل غير المقيد للضفة الغربية, والانتفاضات الفلسطينية, واستمرار تدهور الحياة الفلسطينية. في الواقع, الوضع أسوأ مما كان عليه عندما ترك كسنجر هارفارد من أجل المنصب الحكومي في 1969.

ربما يبدو الشرق الأوسط مخالفة صغيرة مقارنة بجرائم كسنجر في فيتنام, وكمبوديا, ولاوس, وبنجلاديش, وتشيلي, وقبرص, وتيمور الشرقية. الرجل الذي نصح نيكسون بنشر "أي شيء يطير على أي شيء يتحرك" في كمبوديا صُور في شهر مايو وهو جالسًا بجانب رئيس أمريكي آخر, الذي تُعد سياساته خطيرة بما يكفي بدون نصيحة المجرم العجوز. كتب صديقي الراحل كريستوفر هيتشنز, الذي يقدم كتابه "محاكمة هنري كسنجر" أدلة كافية لإدانته, كتب في 2010, "كان ينبغي على كل شخص محترم غلق الباب في وجه هنري كسنجر وينبغي فضحه, ونبذه, وإقصاؤه. لا ينبغي الإحتفاء به أو تكريمه أو طلب آرائه عديمة القيمة."

لا يوجد شيء في كتاب "حافة الهاوية," بالرغم من تصويره لكسنجر على إنه وسيط داهية وإن كان كاذبًا, يُبطل نصيحة هيتشنز الحكيمة.

 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية حافظ الأسد سوريا هنرى كسنجر

اضف تعليق