هل تسببت السياسية الخارجية البريطانية في موجة الإرهاب الحالية ؟


٢٩ يونيو ٢٠١٧ - ٠٦:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

 
المصدر – الإندبندنت
ترجمة – شهاب ممدوح


لقد كان "جيرمي كوربن" محقا في قوله: إن هناك رابطا قويا بين التهديد الإرهابي في بريطانيا والحروب التي شنتها بريطانيا في الخارج, لاسيما في العراق وليبيا. وبالرغم من أن ضباط المخابرات البريطانية كانوا يعرفون منذ فترة طويلة حقيقة أن هذه الحروب تساهم في تحفيز وتعزيز قوة المنظمات الإرهابية, مثل القاعدة وتنظيم داعش, إلا أن الحكومات المتعاقبة نفت بشدة هذا الأمر.

الآراء الحقيقية لأجهزة الاستخبارات البريطانية فيما يتعلق بالتأثير المحتمل لمشاركة بريطانيا في حروب في الشرق الأوسط, يكشف عنها تقييم أجرته "لجنة الاستخبارات المشتركة", ويعود تاريخه للعاشر من فبراير لعام 2003, قبيل الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق. صُنف التقييم على أنه "سري للغاية", ولكن رُفعت عنه السرية لإتاحة الفرصة للجنة تحقيق "تشيلكوت" للإطلاع عليه, وبالرغم من أن العديد من الصحف أشارت إلى هذا التقييم, إلا أن ذلك لم يُثر إلا القليل من الاهتمام في حينها.  

يذكر التقييم أن "التهديد الذي يمثله تنظيم القاعدة سيتصاعد في حال تنفيذ أي عمل عسكري ضد العراق. سيستهدف التنظيم قوات التحالف والمصالح الغربية في الشرق الأوسط. هناك احتمال باستهداف مصالح غربية في أماكن أخرى, خاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة, لتحقيق أكبر أثر ممكن. كما سيتصاعد التهديد العالمي الذي تمثله الجماعات الإسلامية والأفراد بصورة كبيرة."

ويقول تقييم سابق للجنة الاستخبارات المشتركة, والذي يعود تاريخه للعاشر من أكتوبر لعام 2002, ورفعت عنه لجنة "تشيلكوت" صفة السرية أيضا, إن:" القاعدة والجماعات المرتبطة بها ستظل تمثل التهديد الإرهابي الأكبر على الإطلاق للمصالح الغربية, وأن هذا التهديد سيتصاعد بسبب الحرب على العراق."

إن "كوربن" يقول اليوم الشيء ذاته الذي تنبأ به تقييم لجنة الاستخبارات المشتركة لعام 2003. حيث أنه يشارك الخبراء في الإشارة إلى " الصلات بين الحروب التي دعمتها أو شنّتها حكومتنا في دول أخرى وبين الإرهاب الذي يحدث في الداخل البريطاني". ويضيف "كوربن" أن تقييمه لا يقلل بأي حال من الأحوال من ذنب الذين يهاجمون أطفالنا, ولكن الفهم المستنير ضروري لمحاربة الإرهاب بدلا من تأجيجه.

لقد تحوّلت القناعة التي خلص إليها تقييم لجنة الاستخبارات المشتركة بشأن استفادة تنظيم القاعدة من حرب العراق بسرعة إلى واقع عقب غزو العراق, حيث تعاظم حجم التنظيم من مجرد جماعة صغيرة من المسلحين, ربما أقل من 1000 مقاتل يتمركزون بصورة رئيسية في جبال جنوب أفغانستان وشمال غرب باكستان, ليصبح تنظيما عالميا. استغل تنظيم القاعدة في العراق تدمير الدولة العراقية, وتحوّل إلى واحد من أكبر الحركات الإرهابية قوة وتأثيرا على مرّ التاريخ, وذلك قبل أن يتحوّل هذا التنظيم في العراق وسوريا لاحقا إلى تنظيم داعش.

يقول كوربن إنه "يتعين علينا أن نتحلى بشجاعة الاعتراف بأن ’ الحرب على الإرهاب‘  ببساطة ليست مجدية" ومضيفا " نحن بحاجة إلى أسلوب أذكى للتخفيف من التهديد القادم من دول ترعى الإرهابيين وتوّلد الإرهاب." وهذا الأمر يظهر بصورة جليّة في الحجم الهائل للموارد التي تم ضخّها في "الحرب ضد الإرهاب" منذ الحادي عشر من سبتمبر, ومع ذلك, بات تنظيم داعش, والقاعدة, والحركات الجهادية السلفية الأخرى أكثر قوة عما كانت عليه حينها. تملك هذه التنظيمات قوات عسكرية قوية تحارب في سبع حروب على الأقل- في أفغانستان, والعراق, وسوريا, واليمن, وليبيا, والصومال, وشمال شرق نيجيريا- فضلا عن حركات التمرد, الكبيرة والصغيرة, التي يدور رحاها في سيناء وشمال غرب باكستان. كما ينفذ أفراد وخلايا إرهابية عمليات إرهابية في كل مكان, ابتداءً من أورلاندو, وبغداد وبرلين, وصولا إلى مقديشو.

نادرًا ما مُنيت حرب بهذا الفشل الذريع والواضح كما هو الحال مع "الحرب على الإرهاب" وإن لم نعترف بذلك ونجرّب أسلوبا آخر أفضل, فإننا بذلك نسدي معروفا لتنظيم داعش والقاعدة. لكن منتقدي "كوربن" قاموا من دون أن يدروا بإسداء معروف للقاعدة من خلال مطالبتهم لـ "كوربن" بالتزام الصمت. وخلال مقابلة فظة, ولكنها كاشفة على نحو غير مقصود, زعم وزير الأمن المنتمي لحزب المحافظين " بين والاس" أن توقيت تصريحات كوربن كان "مريعا". وأضاف الوزير " يجب أن نكون واضحين بشأن نقطة ما, لا يمكن لأي قدر من الأعذار أو المنطق المعوجّ بشأن سياسة خارجية هنا, أو سياسة خارجية هناك, أن يكون مبررا لما يحدث. الحقيقة هي أن هؤلاء القوم يكرهون قيمنا."

بالطبع, هذه حيلة سياسية قديمة, يستخدمها السياسيون والصحفيون, وهدفها الخلط المقصود بين التوضيح والتبرير. والأهم من ذلك, يكرر "والاس" المقولة التي عادة ما تُستخدم عقب أي هجوم إرهابي, عندما يدعو الزعماء السياسيون إلى الوحدة الوطنية, ويركّزون على حالة الحداد الجماعي على حساب أي شيء آخر. في أعقاب مقتل صحفيي مجلة "تشارلي إيبدو" في باريس عام 2015, شارك 40 زعيما عالميا في مسيرة في شوارع باريس, للتضامن ضد الإرهاب. تهدف هذه المسيرات لإظهار التعاطف, ولكنها تصبح في الواقع بديلا عن اتخاذ إجراء فعّال.

يعتبر هذا الفيض المتدفق من المشاعر, سواء كان حقيقيا أو مصطنعا, مناسبا من الناحية السياسية للحكومات, لأنه يصرف الانتباه عن السياسات الفاشلة التي ربما ساعدت في تعزيز قوة الحركات الإرهابية. يرفض "والاس" فكرة تأثير "سياسة خارجية هنا, أو سياسة خارجية هناك" على قضية الإرهاب, لكن السياسات الخارجية المقصودة هنا هي تورُّط بريطانيا في حروب كان هدفها الإطاحة بصدام حسين في العراق في عام 2003, ومعمّر القذافي في ليبيا عام 2011. لقد نجحت هاتين الحربين في تحقيق أهدافهما,لكنهما تسببتا في انهيار الدولتين العراقية والليبية, وفتح الباب على مصراعيه للقاعدة وداعش ومشتقاتهما.

ينبغي القول بصورة واضحة: إنه في حال لم يتم الإطاحة بصدام والقذافي, لما تمكّن "سلمان عبيدي" من ارتكاب مجزرته بحق الناس في مانشستر.

لقد أثار قرار بريطانيا بالاشتراك في غزو العراق جدلا واسعا, لكن دورها في الإطاحة بالقذافي بعد مرور ثماني سنوات لم يُثر هذا القدر من الجدل. إن طبيعة المشاركة البريطانية في الحرب الليبية والنتائج المترتبة على أفعالها هناك, تستوجب فتح تحقيق مفصّل مثل تحقيق لجنة "تشيلكوت". لأن المشاركة البريطانية تجاوزت مجرد توجيه ضربات جوية وتدريب المتمردين الليبيين. حيث بدأت تظهر تقارير تفيد بأن بريطانيا شاركت في تسهيل تحركات جهاديين بريطانيين ذوي أصول ليبية معروفين بالإضافة إلى معارضين ليبيين في المنفى كانوا يرغبون في العودة إلى ليبيا لقتال القذافي. بعبارة أخرى, كانت شبكات الجهاديين الإسلاميين التي انتمى إليها أمثال "سلمان عبيدي" وعائلته مجرد أدوات مفيدة في يد الدولة البريطانية.

لقد خضع العديد من الليبيين في بريطانيا "لأوامر المراقبة", وهي شكل من أشكال الإقامة الجبرية تم تطبيقها عقب تفجيرات لندن عام 2005, بهدف منعهم من الذهاب للقتال في العراق, وفقا لتقرير مفصّل نشره موقع مجلة "ميدل إيست آي" على الإنترنت. المجلة نقلت عن مسلحين إسلاميين ليبيين قولهم إن السلطات البريطانية انتهجت سياسة "الباب المفتوح" بالنسبة لليبيين الذين كانوا يرغبون في قتال القذافي. "لقد سمحوا لي بالذهاب دون توجيه أي أسئلة" قال أحدهم.

ليبيون آخرون, لديهم صلات معروفة بحركات جهادية سلفية, تفاجئوا بأن السلطات البريطانية لم ترفع عنهم "أوامر المراقب" فحسب, بل أعادت إليهم جوازات سفرهم. العديد من هؤلاء انضموا ل "الجماعة الليبية المقاتلة" عندما ذهبوا إلى ليبيا. تنقل المجلة عن "بلال يونس", بريطاني من أصول ليبية, وذهب إلى ليبيا في عام 2011, قوله إن الشرطة ومسؤولي الهجرة استوقفوه أثناء عودته من ليبيا, وإن أحد ضباط جهاز المخابرات الداخلية البريطانية "أم آي فايف" أجرى مقابلة معه, حيث سأله "هل أنت مستعد للذهاب للمعركة؟" ويضيف يونس قائلا:"عندما أخذت وقتا لأفكر في إجابة على سؤاله, التفت إلي قائلا إن الحكومة البريطانية ليست لديها مشكلة مع الأشخاص الذين يقاتلون القذافي." لم يكن للحكومة مشكلة حينها, ولكنها اليوم لديها بالتأكيد مشكلة, حيث تحقق الحكومة مع ليبيين مقيمين في بريطانيا وليبيا, كانت قد ساعدتهم يوما ما ضمن سياسة خارجية دمّرت ليبيا, ثم تحوّلت لاحقا إلى خطر يهدد بريطانيا.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق