إضطرابات وأزمة إقتصادية.. ماذا يحدث فى فنزويلا؟


٠٥ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٩:٠٠ ص بتوقيت جرينيتش

 
مجلس العلاقات الخارجية
ترجمة - آية سيد


تشهد فنزويلا أزمة اقتصادية وسياسية غير مسبوقة والتي تتصف بنقص شديد في الغذاء والدواء, ومعدلات جريمة مرتفعة, وسلطة تنفيذية استبدادية. يقول نقاد الرئيس نيكولاس مادورو وسلفه, هوجو تشافيز, أن متاعب فنزويلا الاقتصادية هي نتاج لسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية, بينما يلوم مؤيدو مادورو أسعار النفط المنخفضة ونخبة رجال الأعمال "الفاسدة."

في 2016, حصد مشرعو المعارضة أغلبية في السلطة التشريعية – المجلس الوطني – للمرة الأولى منذ عقدين. مع هذا, إتخذت حكومة مادورو خطوات لتعزيز سلطة الرئيس, ومن ضمنها إغتصاب بعض صلاحيات السلطة التشريعية. قوبلت أفعال مادورو بإحتجاجات ضخمة وإدانة دولية.

ثورة تشافيز "البوليفارية"
تشافيز, ضابط الجيش السابق الذي قام بانقلاب لم يكلل بالنجاح في 1992, تم انتخابه رئيسًا لفنزويلا عام 1998 ببرنامج شعبوي. عندما كان مرشحًا, هاجم نخب الدولة بسبب الفساد المنتشر, وتعهد باستخدام ثروة فنزويلا النفطية الضخمة للحد من الفقر وعدم المساواة. خلال فترة رئاسته, التي استمرت حتى وفاته في 2013, نزع تشافيز ملكية ملايين الأفدنة من الأراضي وأمم مئات الشركات الخاصة والأصول المملوكة لأجانب, ومن ضمنها مشروعات نفطية تديرها إكسون موبيل وكونوكوفيلبس.

هدف تشافيز, الذي غالبًا ما استلهم خطابه من سيمون بوليفار, الثوري الفنزويلي الذي اشتهر في القرن التاسع عشر, هدف إلى تنظيم دول أمريكا اللاتينية ضد الولايات المتحدة. لقد قاد تشكيل ألبا, وهو تحالف لحكومات أمريكا اللاتينية الاشتراكية واليسارية, وأسس تحالف بتروكاريب, حيث اتفقت فنزويلا على تصدير البترول بأسعار مخفضة لدول أمريكا الوسطى والكاريبي الثماني عشرة.

وسع تشافيز أيضًا سلطاته بصورة كبيرة. بعد وقت قصير من توليه المنصب, وافق الناخبون على دستور جديد سمح له بالترشح لفترة أخرى, وألغى إحدى هيئات مجلس النواب, وخفض الرقابة المدنية على الجيش. في 2004, بعد عامين من عزله مؤقتًا عن السلطة في انقلاب, سيطر تشافيز بفاعلية على المحكمة العليا عن طريق توسيع مداها وتعيين اثنى عشر قاضيًا. في 2009, قاد استفتاء ناجح يضع حدًا لقيود الفترة الرئاسية. 

ظل تشافيز يتمتع بشعبية وسط الفقراء في بلاده طوال فترة رئاسته, موسعًا الخدمات الاجتماعية التي تشمل دعم الغذاء والمسكن, والرعاية الصحية, والبرامج التعليمية. هبط معدل الفقر في البلاد من حوالي 50 في المائة في 1998, السنة التي سبقت انتخابه, إلى 30 في المائة في 2012, السنة التي سبقت وفاته.

مادورو, الذي فاز بالرئاسة بفارق ضئيل في 2013, تعهد بمواصلة ثورة قائده السابق الإشتراكية. قال بعد انتخابه, "سأواصل مسيرة قائدي, تشافيز, الأب الخالد."

اقتصاد قائم على النفط
فنزويلا مُعرضة بشدة للصدمات الخارجية بسبب اعتمادها الشديد على عائدات النفط. يمثل النفط حوالي 95 في المائة أرباح صادرات فنزويلا و25 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي, وفقًا للأرقام الصادرة من منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك).

تسيطر شركة البترول التابعة للدولة, بتروليوس دي فنزويلا, على جميع عمليات التنقيب عن النفط, وإنتاجه, وتصديره. يقول النقاد أن بتروليوس دي فنزويلا تعاني من سوء الإدارة والمحسوبية, والرواتب المتضخمة, ونقص الاستثمار في البنية التحتية, وغياب الإشراف على الميزانية.

مع هبوط أسعار النفط العالمية من 111 دولار للبرميل في 2014 إلى 27 دولار للبرميل في 2016, دخل اقتصاد فنزويلا المضطرب في سقوط حر. في ذلك العام, انخفض الناتج المحلي الإجمالي  بنسبة 10 إلى 15 في المائة وارتفع التضخم إلى 800 في المائة. في بداية 2017, كانت الدولة مدينة بـ 140 مليار دولار لدائنين أجانب بينما امتلكت فقط 10 مليار دولار في الإحتياطي, مما زاد مخاوف التعثر في السداد

ألقى الكثير من النقاد اللوم على حكومة تشافيز بسبب تبديد سنوات من دخل النفط القياسي. خلال سنوات طفرة النفط من 2003 حتى 2013, "كانوا ينفقون كما لو أن سعر النفط هو 200 دولار للبرميل," حسب ما قال ريكاردو هاوسمان, الأستاذ في كلية هارفارد كينيدي ووزير التخطيط السابق في فنزويلا, في حوار مع مجلس العلاقات الخارجية.

الرقابة على الأسعار والنقص
تتسم أزمة فنزويلا الاقتصادية بالتضخم المرتفع ونقص الغذاء, والإمدادات الطبية, والسلع الأساسية مثل ورق التواليت والصابون. يقول الخبراء أن رقابة الحكومة الصارمة على الأسعار, التي هدفت لإبقاء السلع الأساسية متوفرة للفقراء, تتحمل اللوم جزئيًا. يخفض الكثير من المصنعين في البلاد الإنتاج بسبب القيود المفروضة على الأسعار التي يمكنهم فرضها مقابل بضائعهم.

واحدة من السياسات الأخرى المساهمة في مشكلات الدولة الاقتصادية, كما يقول كثير من الخبراء, هي ضوابط بيع العملات, التي أدخلها تشافيز لأول مرة في 2003 لكبح هروب رأس المال. من خلال بيع الدولار الأمريكي بأسعار مختلفة, خلقت الحكومة بفاعلية سوق سوداء وزادت من فرص الفساد. على سبيل المثال, الشركة المرخص لها بشراء الدولار بأسعار تفضيلية لكي تشتري البضائع المهمة مثل الغذاء أو الدواء يمكنها أن تبيع تلك الدولارات مقابل أرباح كبيرة لطرف ثالث. في يوليو 2017, كان سعر الصرف الرسمي عشرة بوليفار مقابل دولار واحد بينما سعر السوق السوداء كان أكثر من ثمانية آلاف بوليفار مقابل الدولار.

يُقال أن الواردات هبطت إلى 18 مليار دولار في 2016, من 66 مليار دولار في 2012, حيث أصبحت البضائع الأجنبية باهظة السعر بصورة متزايدة. يواجه كثير من المستهلكين خيار الانتظار لساعات في طابور للحصول على البضائع الأساسية أو دفع ثمن فادح لبائعي السوق السوداء.

يقول الخبراء أن عمليات نزع الملكية المنتشرة قوضت الإنتاجية. تذكر منظمة الشفافية الدولية, التي تصنف فنزويلا في المركز 166 من 176 في مؤشر الفساد المدرك, في تقرير لها أن الحكومة تسيطر على أكثر من خمسمائة شركة, معظمها تعمل بخسارة. (بالمقارنة, البرازيل, التي يبلغ عدد سكانها أكثر من ستة أضعاف فنزويلا, لديها 130 شركة تديرها الدولة.)

أزمة إنسانية
وصف المراقبون الوضع في فنزويلا بإنه أزمة إنسانية. في 2016, قدر رئيس إتحاد الصيادلة الفنزويليين أن 85 في المائة من الأدوية الأساسية غير متاحة أو صعب الحصول عليها. ورد أن المستشفيات تنقصها الإمدادات مثل المضادات الحيوية, والشاش, والصابون. ارتفعت وفيات الرضع في 2016 بنسبة 30 في المائة ووفيات الأمهات بنسبة 65 في المائة مقارنة بالعامين السابقين, وفقًا للأرقام الحكومية. عاودت أمراض مثل الديفتريا والملاريا, التي كان قد تم القضاء عليها في الماضي, الظهور مجددًا.

ارتفع مستوى الفقر أيضًا. في 2016, وجدت دراسة لجامعة محلية أن أكثر من 87 في المائة من السكان قالوا إنهم لم يملكوا المال الكافي لشراء الغذاء الأساسي. وجدت دراسة أخرى لمنظمة تغذية محلية أن 30 في المائة من الأطفال في عمر الدراسة يعانون من سوء التغذية. وفقًا لتقرير يعود لعام 2016 لهيومان رايتس ووتش, فإن إدارة مادورو "أنكرت جملة وتفصيلًا حجم الحاجة للمساعدة وأعاقت جهودًا للمجلس الوطني الذي تقوده المعارضة لطلب المساعدة الدولية."

إن الفقر وغياب الفرص يفاقم مستويات العنف في فنزويلا. لكونها واحدة من أكثر الدول عنفًا في العالم منذ فترة طويلة, شهدت فنزويلا في عام 2016 أعلى عدد لها من حالات القتل: 28,479 أو تقريبًا 91,8 حالة قتل من كل 100 ألف مواطن, وفقًا لمرصد العنف الفنزويلي, وهي مجموعة مراقبة مستقلة. (بالمقارنة, المعدل الأمريكي هو 5 من كل 100 ألف.) نشرت إدارة مادورو الجيش لمكافحة جرائم الشارع, لكن الجماعات الحقوقية والإعلام الأجنبي أوردوا تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق, من ضمنها حالات إعدام بدون محاكمة.

انتشرت الأزمة الإنسانية خارج حدود فنزويلا, مع عبور آلاف المواطنين البائسين إلى البرازيل وكولومبيا؛ غادر آخرون بالمراكب إلى جزيرة كوراساو القريبة. بحسب بعض التقديرات, غادر البلاد ما يصل إلى 150 ألف فنزويلي في العام 2016 فقط. 

اضطراب سياسي
في ظل الأزمة, أصبحت إدارة مادورو استبدادية بصورة متزايدة. حصل مشرعو المعارضة, تحت ائتلاف المائدة المستديرة للوحدة الديموقراطية, على الأغلبية في المجلس الوطني في 2016 للمرة الأولى منذ ستة عشر عامًا, لكن مادورو إتخذ عدة خطوات لتقويضهم.

في سبتمبر 2016, أمرت السلطة الانتخابية الفنزويلية, التي تُعتبر موالية لمادورو, أمرت المعارضة بتعليق حملة لرفع الثقة عن الرئيس, مما أثار إحتجاجات وإدانة دولية. في الشهر التالي, جردت المحكمة العليا المجلس الوطني من سلطات الإشراف على الاقتصاد وألغت قانونًا كان من شأنه أن يفرج عن ثمانين معتقلًا سياسيًا, من ضمنهم قائد المعارضة ليوبولدو لوبيز.

في مارس 2017, حل الفرع القضائي المجلس الوطني لفترة وجيزة. راجعت المحكمة قرارها بعد أيام من الإحتجاج الدولي, لكنها إزدرت السلطة التشريعية, ومنعت المشرعين من تمرير القوانين. بعدها بأسبوع منعت الحكومة السياسي المعارض هينريكي كابريليس, الذي خسر أمام مادورو بفارق ضئيل في الانتخابات الرئاسية عام 2013, من الترشح للمنصب لمدة خمسة عشر عامًا.

في 30 يوليو, عقدت حكومة مادورو انتخابات لجمعية تأسيسية جديدة بسلطة كاسحة لإعادة صياغة قوانين الدولة ودستورها. ربح مؤيديو مادورو جميع المقاعد الـ 545 في الانتخابات, حيث قالت السلطة الانتخابية أن أكثر من ثمانية مليون شخص أدلوا بأصواتهم. المعارضة, التي قاطعت الانتخابات, والمراقبون المستقلون شككوا في النتيجة.

قُتل أكثر من مائة شخص في صدامات بين الشرطة ومتظاهرين منذ أوائل شهر أبريل. هاجمت قوات الأمن الحكومية الصحفيين, وتم اعتقال العديد من المراسلين الأجانب و, في بعض الحالات, تم طردهم, وفقًا للجنة حماية الصحفيين. في 2017, صنف فريدوم هاوس فنزويلا على إنها "غير حرة," مما جعلها واحدة من دولتين في نصف الكرة الغربي, إلى جانب كوبا, ذات أدنى تصنيف للديموقراطية.

رد فعل المنطقة
ميركوسور, وهي كتلة اقتصادية وسياسية تتكون من الأرجنتين, والبرازيل, وباراجواي, وأوروجواي, وفنزويلا, علقت عضوية فنزويلا في 2016, في مارس 2017, أوصى الأمين العام لمنظمة الدول الأمريكية, لويس ألماجرو, بتعليق عضوية فنزويلا في المجموعة ما لم تتجه إدارة مادورو لعقد الانتخابات. أعلنت فنزويلا انسحابها من منظمة الدول الأمريكية في الشهر التالي, على ما يبدو لاستباق تعليق عضويتها. في شهر يونيو, طرح عدة أعضاء في منظمة الدول الأمريكية, من ضمنهم الولايات المتحدة, قرارًا يدعو إدارة مادورو لإنهاء العنف واحترام حقوق الإنسان, لكن الإجراء فشل في الحصول على أغلبية الثلثين المطلوبة لتمريره.  

يكتب ماثيو تايلور, الزميل المساعد في مجلس العلاقات الخارجية, تبدو السياسة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب مشابهة لسياسة الرئيس السابق باراك أوباما. فرضت إدارة ترامب عقوبات على نائب الرئيس طارق العيسمي وثمانية أعضاء في المحكمة العليا في النصف الأول من 2017, وقبل أيام من انتخابات يوليو أضافت إلى هذه القائمة أكثر من اثني عشر مسئول حالي وسابق. عقب التصويت, فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس مادورو, مما جعله رابع رئيس أجنبي ينال هذه العقوبة. بالرغم من التوترات بين واشنطن وكاراكاس, تظل الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لفنزويلا.

في الوقت ذاته, تحتفظ إدارة مدورو بدعم الحلفاء في بوليفيا, والإكوادور, وعدة دول كاريبية. أقرضت الصين فنزويلا أكثر من 60 مليار دولار منذ 2001, وهي أكبر دائن للدولة الأمريكية الجنوبية. في الوقت نفسه, سعت فنزويلا لإقامة علاقات قوية مع روسيا. قبل هبوط أسعار النفط في 2014, كانت فنزويلا متأهبة لتصبح أكبر مستورد للمعدات العسكرية الروسية بحلول 2025. في فبراير 2017, أكد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مجددًا دعم موسكو لحكومة مادورو, قائلًا أن العلاقات الثنائية "تشهد ازدهارًا."




 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق