شرق أوسط غامض ,صعود صينى، طموح روسى.. هنرى كيسنجر يكتب عن رؤيته للنظام العالمى


٠٨ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٥:٤٧ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس
المصدر - capx



· إذا انخرط الغرب في محاربة العالم دون مفهوم جغرافي استراتيجي، فستسود الفوضى.
· إننا في مثل هذا المنعطف المشحون بالقلق والتوتر، ليس أمامنا خيار سوى إعادة تعريف الأطلسي.
· في الشرق الأوسط المعاصر، عدو عدوك قد يكون أيضًا عدوك.
 
كانت السيدة مارجريت تاتشر أحد أهم القادة في عصرنا. فقد كانت حاسمة وشجاعة، وكانت تكرس وقتها لتشكيل المستقبل بدلا من اتباع توصيات المجموعات المتخصصة.
التقيت بها لأول مرة في أوائل السبعينيات، عندما كانت وزيرة التربية والتعليم في حكومة إدوارد هيث. وفي اجتماعنا الأول، نقلت السيدة تاتشر استخفافها بالحكمة التقليدية حينها بأن المنافسات السياسية حول الفوز بالمركز. بالنسبة لها، كانت القيادة هي مهمة نقل المركز السياسي نحو مبادئ محددة بدلا من العكس.


في تنفيذ هذه الفلسفة، عملت تاتشر طوال رحلتها المهنية الطويلة على تأسيس اتجاه سياسي جديد في مجتمعها. وقد نجحت في ذلك بسبب مزيج من الشخصية والشجاعة، لأن الخيارات المؤثرة التي تطالب بها العملية السياسية عادة ما تتخذ في ممر ضيق جدا؛ والشجاعة يكون في المضي قدما على طريق لم تسلكه من قبل.


عرضت مارغريت تاتشر هذه الصفات بشكل مفصل في خطاب فيندلي في كلية وستمنستر في فولتون بولاية ميزوري، وهو نفس الموقع الذي ألقى فيه ونستون تشرشل خطابه "الستار الحديدي" قبل 50 عاما. وطرحت تحديات أصبحت، في جوهرها، أكثر إلحاحا اليوم:
§ هل ينبغي اعتبار روسيا تهديدا محتملا أم شريكا؟
§ هل ينبغي أن يوجه الناتو انتباهه إلى قضايا "خارج المنطقة"؟
§ هل ينبغي أن يعترف الناتو بالديمقراطيات الجديدة في أوروبا الوسطى بمسئوليات كاملة وبأسرع ما يمكن؟
§ هل يجب على أوروبا تطوير "هويتها الدفاعية" في الناتو؟
 

وبعد عشرين عامًا من خطاب السيدة مارجريت تاتشر، يواجه العالم عبر الأطلسي مجموعة أخرى من القضايا ذات الطبيعة المماثلة.

النظام العالمي الذي وضعه الغرب لإنهاء حرب الثلاثين عامًا في 1648 كان قائما على فكرة سيادة الدول التي يكفلها توازن القوى بين تعدد الكيانات. وهي تواجه الآن مفاهيم النظام المستمدة من تجارب تاريخية وثقافية مختلفة وتتضمن رؤى للأبعاد الدينية القارية أو العالمية. لذلك تصبح القضية طويلة المدى هي ما إذا كانت هذه القضايا يجب أن تحل عن طريق ثوابت الدولة القومية أو مفاهيم جديدة أكثر عولمية، وما هي العواقب على النظام العالمي في المستقبل. واسمحوا لي أن أفعل ذلك بتكييف تحديات السيدة تاتشر وفقَا لظروفنا.
 
روسيا

التحدي الروسي – أول سؤال طرحته السيدة تاتشر – يركز اليوم على أوكرانيا وسوريا، ولكنه يعكس غربة أعمق. وقد طورت روسيا، التي تمتد لإحدى عشرة منطقة زمنية من أوروبا، ومن حدود الدول الإسلامية إلى المحيط الهادئ، تصورا متميزا للنظام العالمي. وقد تطورت روسيا، في سعيها الدائم من أجل الأمن على طول الحدود الشاسعة ذات الترسيم الطبيعي الخفيف، إلى تعريف الأمن المطلق الذي ينطلق من انعدام الأمن المطلق لبعض جيرانها

وفي الوقت نفسه، ساعدت المقاييس الجغرافية – الاستراتيجية الروسية، وتصورها الصوفي للعظمة، واستعداد شعبها لتحمل المشقة على مر القرون حفاظًا على التوازن العالمي ضد الانظمة الإمبراطورية التي وضعها المغول والسويديين والفرنسيين والألمان. وكانت النتيجة بالنسبة لروسيا متناقضة – الرغبة في أن تكون مقبولة لدى أوروبا وفي نفس الوقت تتفوق عليها. ويساعد هذا الإحساس الخاص بالهوية على تفسير بيان الرئيس بوتين بأن "زوال الاتحاد السوفيتي كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن".

وغالبًا ما يوصف رأي بوتين بالسياسة الدولية على أنه تكرار لظاهرة الاستبداد القومي الأوروبي عام 1930. على نحو أكثر دقة، هو تراث لرؤية العالم التي حددها الروائي فيودور دوستويفسكي، كما اتضح في خطابه عام 1880 في تفاني النصب التذكاري للشاعر بوشكين. حيث أطلق ألكسندر سولجنيتسين في أواخر القرن العشرين دعوته العاطفية إلى روح جديدة من العظمة الروسية على أساس الصفات الروحية للطابع الروسي.

كيف ينبغي للغرب أن يطور علاقاته مع روسيا، وهو بلد يشكل عنصرا حيويا في الأمن الأوروبي ولكن له، لأسباب تتعلق بالتاريخ والجغرافيا، وجهة نظر مختلفة اختلافا جوهريا عما يشكل ترتيبا مرضيا للجميع في المناطق المتاخمة لروسيا. هل من الحكمة الضغط على روسيا، وإذا لزم الأمر لمعاقبتها، حتى تقبل الآراء الغربية لنظامها الداخلي والعالمي؟ أم أن المجال يترك لعملية سياسية تتجاوز الاغتراب المتبادل، أو تخففه على الأقل، سعيا وراء مفهوم متفق عليه للنظام العالمي؟

هل يتم التعامل مع الحدود الروسية على أنها منطقة مواجهات دائمة أم يمكن أن تشكل منطقة للتعاون المحتمل وما هي معايير هذه العملية؟ هذه هي مسائل النظام الأوروبي التي تحتاج إلى دراسة منتظمة. وأي من المفهومين يتطلب قدرة دفاعية تزيل إغراء الضغوط العسكرية الروسية.
 
الصين

جاءت في صدارة تساؤلات السيدة تاتشر حول قضايا المنطقة والتي أثيرت في يومنا هذا أيضًا قضايا الصين والشرق الأوسط. حيث أطلقت الصين "مبادرة الحزام والطريق" باعتبارها مخططًا كبيرا ذا آثار سياسية واقتصادية وثقافية وأمنية من بحر الصين الشرقي إلى القناة الإنجليزية. وهذا يعيد إلى الذكريات محاضرة في الجمعية الجغرافية الملكية عام 1904 ألقاها السير هالفورد ماكيندر، حيث وصف هارتلاند الأوراسية بأنها المحور الجغرافي الاستراتيجي للعالم.

من خلال السعي لربط الصين بآسيا الوسطى وفي نهاية المطاف إلى أوروبا، سيؤدي طريق الحرير الجديد في الواقع إلى تحويل مركز الثقل العالمي من المحيط الأطلسي إلى اليابسة الأوراسية. ويمر الطريق بتنوع هائل في الثقافات والأمم والمعتقدات والمؤسسات والدول ذات السيادة. وعليه تطل ثقافات عظمى أخرى – روسيا والهند وإيران وتركيا – وفي أقصى أطرافها دول أوروبا الغربية، كل واحدة منهما سيتعين عليها أن تقرر ما إذا كانت ستنضم إليه أو تتعاون معه أو تعارضه، وبأي صيغة. التعقيدات في السياسة الدولية حقيقة مذهل ة ولكنها مقنعة.

يتم طرح "مبادرة الحزام والطريق" في بيئة استراتيجية دولية كانت ويستفالية، وهي ما تحددها فلسفة الغرب للنظام الدولي. لكن الصين فريدة من نوعها، وتتجاوز أبعاد الدولة الويستفالية، فهي حضارة قديمة ودولة وإمبراطورية واقتصاد معولم في نفس الوقت. ومن المحتم أن تسعى الصين إلى تكييف النظام الدولي بما يتفق مع تجربتها التاريخية، وتنامي قوتها ورؤيتها الاستراتيجية.

وسيشكل هذا التطور التحول الثالث للصين في نصف القرن الماضي. حيث حقق ماو الوحدة، وحقق دنج الإصلاح، والآن، الرئيس شي جين بينج يسعى لتحقيق ما يسميه "الحلم الصيني"، والعودة إلى إصلاحيي تشينج، من خلال تحقيق "المائتين". فعندما تدخل جمهورية الصين الشعبية مئتي عام في عام 2049، ستكون، بحسب تعريف شي، أقوى من أي أمة أخرى في العالم، حيث سيكون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مساو للدول المتقدمة.

وفي هذه العملية، ستصبح الولايات المتحدة والصين أكثر دول العالم تبعية على الصعيدين الاقتصادي والجغرافي، مما يضطرهما إلى إجراء تعديلات غير مسبوقة في تفكيرهما التقليدي. فالولايات المتحدة منذ أن أصبحت قوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية كان عليها أن تتعامل بقدر من المساواة مع الجغرافيا السياسية.

ويعتقد كلا البلدين بأنهما استثنائيان، وإن كان ذلك بطرق شديدة الاختلاف، حيث ترى الولايات المتحدة أن نشر قيمها ونظامها ف يدول أخرى جزءًا لا يتجزأ من واجبها، فيما عملت الصين تاريخيا على أساس أن عظمة أدائها ستحفز الدول الأخرى على تسلسل هرمي قائم على الاحترام.

في كلا الدولتين، هناك العديد من الآراء حول كيفية التوفيق بين هذه الاختلافات في المنظور – سواء الدولة القومية أو مفاهيم جديدة المعولمة، والتي تجسد في بعض منها مشروع الرئيس الصيني "الحلم الصيني". وبالنسبة لكليهما – وبقية العالم – فإن تطورهما المشترك يعد تجربة محددة في هذه المرحلة.

ماذا سيكون دور أوروبا في مثل هذا العالم؟ كجزء من العالم الأطلسي أو ككيان يعيد تعريف نفسها ويتكيف بشكل مستقل مع التقلبات المحيطة به؟ كمكون من التنسيق عبر الأطلسي؟ أو ككيان تفاضلي تشارك عناصره في نموذج توازن القوى التاريخي؟ ما هو نوع النظام العالمي الذي يعتمد على كيفية مزامنة مفاهيم "الطريق والحزام" عبر الأطلسي؟
 
الشرق الأوسط

في أوراسيا وعلى طول حدود روسيا، يواجه النظام العالمي تحديا بسبب عواقب التوطيد. فالشرق الأوسط مهدد بالتقسيمات بسبب الاضطرابات المنتشرة هناك. إن النظام الويستفالي الذي ظهر في الشرق الأوسط في نهاية الحرب العالمية الأولى أصبح الآن أكثر غموضًا. وقد فقدت أربع دول في المنطقة سياديتها. حيث أصبحت سوريا والعراق وليبيا واليمن مسارحًا لمعارك بين فصائل تسعى لبسط سيطرتها.

ففي العراق وسوريا، أعلن جيش ديني متطرف إيديولوجيًّا نفسه عدو لدودًا للحضارة الحديثة، ويسعى بعنف لإحلال الإمبراطورية الإسلامية التي تحكمها الشريعة محل تعدد الدول في النظام الدولي. في هذه الظروف، فالقول المأثور التقليدي : "عدو عدوك يمكن أن يكون صديقك" لم يعد صالحًا للتطبيق. في الشرق الأوسط المعاصر، أصبح عدو عدوك قد يصبح عدوك أيضًا. إن الشرق الأوسط يؤثر على العالم بسبب تقلب إيديولوجياته.

إن حرب دول العالم ضد تنظيم داعش بمثابة مثال واضح على هذا. فمعظم القوى المناهضة لداعش – بما في ذلك إيران الشيعية والدول السنية الكبرى – توافق على ضرورة تدميره. ولكن أي كيان يفترض أن يرث الأراضي التي يسيطر عليها؟ ائتلاف من السنة؟ أم منطقة نفوذ تهيمن عليها إيران؟ من الصعوبة الإجابة على هذا السؤال؛ لأن روسيا ودول الناتو تدعم فصائل متعارضة. إذا كانت أراضي داعش تحتلها قوات الحرس الثوري الإيراني أو القوات الشيعية التي تدربها وتوجهها، فإن النتيجة يمكن أن تكون حزاما إقليميا يصل من طهران إلى بيروت، مما يمكن أن يمثل ظهور إمبراطورية إيرانية متطرفة.

ومما يزيد تعقيد الحسابات الغربية التحول الناشئ لتركيا، التي كانت تمثل تأثيرًا رئيسيًّا معتدلاً، من الدولة العلمانية إلى دولة لها صبغة أيدولوجية إسلامية. وهو ما يؤثر على أوروبا من خلال سيطرتها على تدفق المهاجرين من منطقة الشرق الأوسط ، فيما تغضب واشنطن بتهريب النفط وغيره من السلع عبر حدودها الجنوبية، و دعمها للقضية السنية، فضلاً عن جهودها الرامية لإضعاف الحكم الذاتي للأكراد، الذين دعم الغرب معظم فصائلهم حتى الآن.

كذلك سيؤثر الدور الجديد لروسيا على نوع النظام الذي سيظهر. فهل هدفها هو المساعدة في هزيمة داعش ومنع الكيانات المماثلة؟ أم أنها مدفوعة بالحنين إلى إعادة مجدها التاريخي وسعيها للسيطرة الاستراتيجية؟

إذا كان الأول، يمكن أن تخلق سياسة تعاونية بناءة بين الغرب وروسيا. أما إذا كان الخيار الآخر، فمن المتوقع تكرار أنماط الحرب الباردة. وموقف روسيا من السيطرة على الأراضي التي يسيطر عليها داعش حاليًا سيكون اختبارا رئيسيًّا.

 وإذا استمر الغرب في العمل دون خطة جيواستراتيجية، فستنتشر الفوضى. وإذا ما انسحب من حيث المفهوم أو من حيث الواقع – كما كان الاتجاه السائد في العشر سنوات الماضية – فإن القوى الكبرى مثل الصين والهند، التي لا تستطيع تحمل الفوضى على طول حدودها أو الاضطرابات داخلها، ستحل تدريجيا مكان الغرب مع روسيا. وسيتم الإطاحة بنمط السياسة العالمية السائد في القرون الأخيرة.
 

إلى أين يتجه التحالف الأطلسي

لهذه الاتجاهات تأثيران على التحالف الأطلسي. فبقدر ما تهدد الاضطرابات المنتشرة في قارات العالم ميزان القوى، فإنها تمثل تهديدًا للأمن أيضًا. ولكنها تتحدى الغرب أيضا للمساهمة في بناء نظام عالمي جديد. وتحدد المادة الخامسة من ميثاق الناتو ما يجب الحفاظ عليه؛ فإنه لا يمكن أن يكون المنتج النهائي للسياسة الأطلسية.

لقد تم تشكيل الناتو عام 1949 لحماية أعضائه ضد أي اعتداء سوفيتي مباشر. وقد تطور منذ ذلك الحين إلى شبكة من الأمم تجمع بين أبعاد مختلفة للرد على الأحداث المزعزعة للاستقرار دوليا. ولكن الناتو كان أكثر دقة في هدفه الأصلي مما كان عليه في تطوره؛ فهو أكثر وضوحا في التزاماته الدفاعية من دوره في المساهمة في النظام العالمي.

إن الناتو، الذي يعتبر رادعا للاتحاد السوفييتي الذي تهدد عمليات زيادة ترسانته من الأسلحة النووية لدعم قواته البرية المتفوقة عدديًّا، كان التزاما قانونيا وتعبيرا عن تصميم الدول الغربية الحرة على تعزيز قيمهم.
ونتج عن تقليد القيادة الأمريكية أن الترسانة النووية الأمريكية كانت هو الموازن النهائي للقوة العسكرية السوفيتية. ومع مضي السنين، تحول التحالف بشكل متزايد إلى ضمانة أمريكية من جانب واحد بدلا من مفهوم استراتيجي متفق عليه يتصل بالعالم المتطور.

وكان مفهوم السيدة تاتشر حول التحالف الأطلسي مختلفا تمامًا عن الواقع الحالي. حيث ووصفته بأنه في جوهره يتألف من "أمريكا كقوة مهيمنة تحيط بها حلفاء تتبع قيادتها". ولم يعد هذا هو الحال تماما. فلم تعد الولايات المتحدة تقود كما كانت في مفهوم تاتشر، واتجه الكثير من الأوروبيين لاستكشاف البدائل.

 وفي عالم اليوم سريع التغير، ينبغي على الناتو أن ينخرط في إعادة دراسة دائمة لأهدافه وقدراته. فالتحول في الهياكل التي تتألف من النظام العالمي المعاصر ينبغي أن يدفع الناتو وأعضائه إلى أن يتساءلوا: ما هي التحولات غير السعي للسيطرة على أراضي أعضائها التي يجب تجنبها، وما هي الوسائل؟ وما هي الأهداف السياسية، وما هي الوسائل التي ينبغي على الحلف أن يستعد لتجميعها؟

لذلك اسمحوا لي أن أختتم بتكرار التحدي الذي طرحته مارجريت تاتشر في محاضرة فيندلي منذ عشرين عامًا:
"ما الذي يجب عمله؟ أعتقد أن المطلوب الآن هو مبادرة أطلسية جديدة ومبتكرة يكون هدفها إعادة تعريف الأطلسي في ضوء التحديات التي وصفتها. هناك لحظات نادرة عندما يكون التاريخ مفتوحا ويتغير مساره عبر وسائل مثل هذه. قد نكون في مثل هذه اللحظة الآن"..

إن هذا النص المقتبس من خطاب السيدة تاتشر يعكس ، قبل أي شيء، تحفيزًا وتعريفًا للمهمة. ونحن الآن أمام منعطف أشد خطورة.
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق