تعرف على دور الموسيقى فى الحرب والثورة


٠٨ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٦:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش


  ترجمة - شهاب ممدوح
المصدر - warontherocks



استخدمت دول الحلفاء سيمفونية بيتهوفن الخامسة, التي تعني حركاتها الافتتاحية الأربعة حرف V في شيفرة مورس, كرمز للمقاومة ضد الألمان خلال الحرب العالمية الثانية. وبالتالي أصبحت الرموز (نقطة-نقطة-نقطة-شرطة) بمثابة موتيف موسيقي, وبدأت محطات الراديو بثها مصحوبا بالصوت الشهير لسيمفونية بيتهوفن "تا تا تا دا" الذي أُطلق عليه «القدر يقرع الباب».

وكما قال شكسبير, ما السر وراء بضع حركات موسيقية؟ هناك الكثير على ما يبدو. فالموسيقى لها قوة تهابها الأنظمة المتسلطة, ما يدفعها لفرض رقابة على التعبير الفني. حظرت الصين تحت حكم "ماو" الفنون التي لا تخدم الحاجات الإيديولوجية للدولة. وفي الاتحاد السوفيتي, كان يجب أن تمرّ كل الأعمال الموسيقية على الرقابة قبل نشرها. والموسيقى كانت دوما مساحة للتعبير القوي عن المقاومة خلال الحروب.

في عام 1942, أدّى "شوستاكوفيتش" سيمفونيته الخامسة لأول مرة أثناء حصار ليننجراد. ونتيجة لتخلي الدولة عنهم, وفرض ألمانيا لحصار عليهم, كان سكان ليننجراد ( تُسمى اليوم سان بطرسبرج) يطبخون الجلد لتناوله كطعام, ويصطادون القطط والكلاب, ويموتون جوعا, ومع ذلك كانت الموسيقى خير أنيس لهم. لقد باتت الموسيقى في ذلك الوقت رمزا قويا للمقاومة. ومنحت المحاصَرين أملا ورفعت معنوياتهم, ومثلت تحديا ضد مُحاصِريهم.  

الأمر المثير للاهتمام هو أن "شوستاكوفيتش" كتب السيمفونية كردّ على الحرب. ومع ذلك, لم تكن السيمفونية عملا موسيقيا بطوليا محضا, حيث كانت تمثل توبيخا لستالين والاتحاد السوفيتي بقدر ما كانت رد فعل على الغزو الألماني. لكن حتى بعد انتهاء الحرب, استغل المسؤولون السوفيت السيمفونية للدعاية, حيث نشأ جيل كامل وهو يعتقد أنها رمز للعظمة السوفيتية.

إن استخدام الموسيقى في الحروب ليس بالأمر الجديد, ما تغير هو الأساليب فقط. في كتاب "فن الحرب", يُثني ميكافيللي على فضائل البوق باعتباره أداة تكتيكية لإرسال الإشارات في أرض المعركة, فصوت البوق بإمكانه أن يخترق ضجيج المعركة. وقبل ذلك, استخدم الرومان الأدوات الموسيقية للاتصال وتكوين التشكيلات العسكرية, وحتى لإلهاب حماسة الجيش. لقد كانت الترانيم, والمسيرات, والموسيقى العسكرية تمثل جزءا لا غنى عنه بالنسبة للجيوش.

لقد كان انتشار الموسيقى وسط الشعوب في القرن التاسع عشر بداية لموجة جديدة من الموسيقى باعتبارها عملا مقاوما. إن ابتعاد التعبير الفني عن المواضيع الدينية التي سادت خلال القرون السابقة, وعدم بقائه محصورا في جمهور محدود, جعله متحررا من القيود. وبينما قد تبدو الموسيقى الكلاسيكية في يومنا الحالي قديمة وبالية, إلا أنها كانت تعتبر في حينها فنا حديثا ورائدا. حيث كان عازف البيانو والملحن "فرانز ليست" نجما شهيرا, أو بوب ديلن عصره. فقد أحدث هذا الملحن ثورة في فن الأداء, وقد بلغ هوس الناس بأداء فرانز ليست مداه, لدرجة أن المعجبين كانوا يتعاركون للحصول على خصلة من شعره.

استفاد الملحنون من هذا التواصل الجديد مع الجماهير العريضة, وتحوّلت الموسيقى إلى لغة معقدة قائمة بذاتها, وصارت تعبيرا عن المقاومة والرأي السياسي. انتهى بيتهوفين في عام 1804من تأليف معزوفة أهداها لنابيلون بونابرت, الذي كان يجسّد المثل العليا للثورة الفرنسية. وفي نفس ذلك العام, مع ذلك, ولدى علمه بأن نابليون نصّب نفسه إمبراطورًا, أزال بيتهوفين في حادثة شهيرة اسم نابليون من على مخطوطة سيمفونيته, وغيّر العنوان إلى  "سيمفونية إيرويكا" أو البطولة

 وبينما كان يُنظر إلى سيمفونية بيتهوفين باعتبارها تعبيرا عن مرحلة ما بعد الثورة, ألّف "فريدريك تشوبين" سيمفونية " "Revolutionary Etude كردّ مباشر على الانتفاضة البولندية ضد روسيا في عام 1831. لقد أصبحت تلك الموسيقى في الواقع رمزا للروح الوطنية, لدرجة أن اسم "تشوبين" وُضع على اللائحة السوداء في بولندا في عام 1941, وذلك بالرغم من أن محطات الراديو الألمانية استمرت في بث موسيقاه. إن حظر موسيقى تشوبين في وطنه بولندا, أبرز مدى خوف الألمان من أن تؤدي موسيقاه إلى تأجيج الروح الوطنية للبولنديين.

وإدراكًا منها لقوة تأثير الموسيقى, استخدمت الحكومات الموسيقى بكثافة كأداة دعائية ولشنّ الحروب النفسية. تجسّد الترانيم الوطنية الوسيلة الدعائية الأبسط والأكثر فعالية في تعزيز الروح الوطنية. إن تحديد محتوى واتجاه الموسيقى يمكنه أيضا أن يساعد في الترويج لسردية بعينها حول ثورة ما. نابليون الثالث مثلا طلب من  "هيكتور بيرليوز" أن يلحّن سيمفونية " Funèbre et Triomphale" للاحتفال بثورة 1830. وقد أثمر ذلك عن أحد أكثر القطع الموسيقية ملحمية في تاريخ التلحين.  

على الجانب الآخر, قد ترمز قطعة موسيقية شهيرة لثورة ما. في أحد المشاهد الشهيرة من فيلم كازبلانكا, أخذت الفرقة الموسيقية في عزف موسيقى النشيد الوطني الفرنسي La Marseillaise حيث غطت موسيقى النشيد على صوت غناء الضباط الألمان في الحانة. في تلك اللحظة, أصبحت الترنيمة الفرنسية رمزا موحدا للمقاومة.

كل ذلك يوضح لنا الوظيفة المهمة للموسيقى في الحروب, سواء كانت موسيقى كلاسيكية أو الموسيقى الشعبية في يومنا الحالي. فلنأخذ مثلا: التأثير الذي أحدثته موسيقى الحرب أثناء حرب فيتنام. شكّلت تلك الأغاني أساسا للحركة السياسية, وكانت تمثل قوة موحِّدة للمساعدة على الحفاظ على المشاعر المعادية للحرب. إذا فالأغاني لديها قدرة على تشكيل حركات وإشعال ثورات, وهذا ما يفسر رغبة الأنظمة المتسلطة الحالية لفرض رقابة على الموسيقى.

إن الأمل هو روح الثورات, والموسيقى هي وقود ذلك الأمل. قد لا يكون بوسع الموسيقى كسر حصار, أو الإطاحة بحكومة, أو تغيير سياسة أمنية, لكنها ستقوّي عزيمة الناس وتبث فيهم الأمل لفعل ذلك. إن قدرة الموسيقى على تحفيز الناس هو ما يجعلها رمزا قويًا للحرب والمقاومة.  

 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق