الإستراتيجية البريطانية لمكافحة التطرف: ناجحة أم فاشلة؟


١٦ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٨:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - ديفينس أى كيو
ترجمة - شهاب ممدوح



تطبق المملكة المتحدة برنامج Prevent لمكافحة التطرف- وهو جزء من إستراتيجية المملكة لمكافحة التطرف العنيف- منذ أكثر من عقد من الزمن, ويواجه هذا البرنامج تحديين رئيسيين: إثبات مدى فعاليته, وكسب الرأي العام.

وبالرغم من أن البرنامج جرى تصميمه أساسا كوسيلة لمنع الناس من أن يصبحوا إرهابيين, إلا أن تقارير وسائل الإعلام غالبا ما تركّز على الجدل الدائر حول هذا البرنامج. منتقدو البرنامج يقولون إنه يستهدف المجتمعات المسلمة, وانه بذلك يؤدي إلى تنفير تلك المجتمعات, وخلق "مناخ من الخوف", وتأجيج مشاعر اليمين المتطرف. بينما يزعم آخرون أن البرنامج هدفه "التجسس" على المواطنين بدلا من الحفاظ على أمنهم.

وردًا على تلك الاتهامات, صرّح ضابط كبير في اسكوتلاند يارد مؤخرا لمحطة "بي بي سي آسيا" بأن الانتقادات الموجهة للبرنامج قائمة على "الجهل".

كما قال "دين هايدن" رئيس قيادة مكافحة الإرهاب في شرطة لندن, إن برنامج Prevent حقق نتائج "رائعة".

بغض النظر عما إذا كان برنامج Prevent يعمل على النحو المنشود, إلا أن البرنامج يعاني من مشكلة علاقات عامة. يعتقد "هايدون" والعديد من الضباط الآخرين المنخرطين في البرنامج أن النتائج الإيجابية التي يحققها البرنامج نادرا ما يلحظها الجمهور العادي, أو تغطيها وسائل الإعلام.

قال "ويليام بلديت", منسق برنامج Prevent في مدينة لستر, لموقع "ديفنس آي كيو" إن الانتقادات الرئيسية ضد البرنامج غير محقة.

" يُتهم برنامج Prevent بأنه يتجاهل إشراك المجتمعات المعرّضة للخطر, ولكن حتى قبل تأسيسه, كان البرنامج يرتكز عند نشأته على استشارة المجتمع وجماعات العمل. بعبارة أخرى, كانت المجتمعات هي عماد هذا البرنامج" حسبما يقول ويليام بيلدت.

من ناحية أخرى, فإن الفكرة القائلة بأن البرنامج يركّز فقط على التطرف الإسلامي تعتبر بالية.

عندما تم تدشين البرنامج في مطلع الألفية الجديدة, كان تنظيم القاعدة (والجماعات العديدة المنشقة عنه) هى الجماعة المتطرفة الوحيدة المستهدفة من البرنامج, إذ اعتُبرت القاعدة الجماعة التي من المرجح أنها ستتورط في هجمات عنيفة. ثم ظهر تنظيم داعش بعد ذلك بوصفه التهديد الأخطر, حيث بدأ التنظيم في تجنيد الأتباع بوتيرة غير مسبوقة. واتسع نطاق دعاية التنظيم لدرجة أنها كانت تصل إلى أي فرد لديه جهاز رقمي, بداية من مرتادي المقاهي, وصولا إلى الأطفال في غرف نومهم.

أضاف بيلدت "ولكن كان هناك جماعات أخرى تتابع تلك التطورات وتتعلم منها".

"أدى هذا الأمر إلى تصاعد تطرف العنصريين البيض والنازيين الجدد, مستغلين جريمة قتل الشرطي (لي ريجبي). بدأت هذه الجماعات في استخدام أساليب المتطرفين الإسلاميين ذاتها لخدمة إيديولوجيتهم. تحاول تلك الجماعات العنصرية أن تخلق خطابا عاما حول الإسلام هدفه نزع صفة الإنسانية عن المسلمين, وهو ما يصعّب من مهمتنا في مكافحة التطرف الإسلامي.

"لذلك يجب أن تتضمن أي سياسة نقرّها فقرات حول كيفية التصدّي للعنصريين البيض بقدر تصدّيها للإسلاميين الأصوليين."

إن هجوم حديقة "فينسبيري" في عام 2017 وقبله بعام جريمة قتل نائبة البرلمان "جو كوكس", هما مثالان واضحان على أن العنف المتطرف لا يقتصر فقط على تنظيم داعش. كشفت الإحصاءات الأخيرة التي أصدرتها وزارة الداخلية أن حالات الإبلاغ عن التطرف الإسلامي المشتبه به تمثل70 بالمائة من الأربعة آلاف حالة التي يتم تلقيها كل عام, لكن 15 بالمائة من عمليات التدخل باتت مرتبطة الآن بالمتعاطفين مع جماعات اليمين المتطرف.  

يعود جزء من تلك المشكلة, حسبما يقول بيلدت, إلى الروايات التي تقدمها بعض الجهات في الصحافة الرئيسية. حيث عملت وكالات الأخبار بنشاط على تعزيز المشاعر المؤججة للانقسام على صفحاتها الرئيسية وفي أعمدة الرأي, بداية من إهانة مجتمعات بعينها, وصولا إلى شيطنة مبادرات الحكومة لمكافحة الإرهاب.

يقرّ بيلدت بأن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى زيادة الاستقطاب في المجتمع "لدرجة أنه تمر علي لحظات قاتمة أتساءل فيها عما إذا كان يمكن للمجتمع أن يعود إلى سابق عهده".


الأسلوب المتبع
برنامج Prevent لمكافحة التطرف يمكن اعتباره هرما للأولويات.
 في قاعدة ذلك الهرم توجد "الوقاية" حيث يتم العمل على تعزيز التلاحم المجتمعي, والاندماج الاجتماعي, فضلا عن التفاعل مع المجتمع المدني والنظام السياسي.  

وفي منتصف الهرم يوجد "التدخل المستهدف" حيث يعمل الضباط على تقييم المناطق المعرّضة للخطر, مثل المدارس والكليات أو مناطق محددة في المملكة. بعدها ينخرط الضباط في تلك المناطق من أجل تقديم التوجيه, والاتصالات, والدعم.

أما المرحلة الأخيرة والموجودة في رأس الهرم فهي "التوجيه". فعندما يعتنق شخص ما قضية إيديولوجية, يسعى الموجهون لإقامة علاقة شخصية مباشرة معه من أجل إعطائه رؤية مختلفة للطريقة التي ينظر بها إلى العالم. يتوقف نجاح هذه المرحلة على ما إذا كان هؤلاء الأفراد مستعدين للتخلي عن أنشطتهم أو معتقداتهم المتطرفة, أو ما إذا كان من الممكن تشجيعهم على إعادة الانخراط في مجتمعاتهم.  

تهدف الميزانيات المخصصة لتلك الإستراتيجية للمساعدة في تطبيق عناصر الهرم الثلاثة, حيث تذهب معظم الأموال باتجاه مرحلة "الوقاية", أي بناء القدرة على الصمود, وتعزيز التفكير النقدي لمواجهة الأسباب الأساسية للتطرف قبل أن تتحول إلى مشكلة.

تأثير البرنامج
من الصعب تقييم نتائج ذلك البرنامج. فمن الناحية الظاهرية, يتصاعد التطرف, حيث تضاعفت أعداد البلاغات السنوية التي وصلت البرنامج خلال السنوات الخمس الماضية. ولكن هذه الأرقام لا تقول الشيء الكثير, لأنها تشير فقط إلى ما وصل البرنامج من بلاغات عن حالات الاشتباه  في التطرف.

وبالمثل, ارتفع عدد الإدانات بحق جرائم التطرف, لكن هذه الحقيقة لا تثبت أو تنفي فعالية إستراتيجية المملكة المتحدة لمكافحة التطرف, لأن تلك الاعتقالات تطال المجرمين المعروفين فقط, وليس كل الأفراد الذين يخططون أو يدعمون العمليات الإرهابية.  

لكن التقارير الأخيرة التي صدرت, تقدم لنا أرقاما ملموسة بدرجة أكبر. فقد قيل أن برنامج Prevent ساعد على إحباط أكثر من 150 محاولة للسفر إلى مناطق الصراعات في سوريا والعراق.

وبينما قد يكون من السهل أن نقيس مدى فعالية مرحلة "التوجيه" في هرم برنامج Prevent لكل حالة على حدة, إلا أنه من الصعب جدا قياس مدى فعالية العمل الوقائي الموجود في وسط وقاعدة ذلك الهرم. 

في الوقت الراهن, يتم إنفاق ميزانيات هائلة حول العالم على إستراتيجية مكافحة التطرف العنيف, كما يسعى عدد كبير من الأكاديميين لتحديد أفضل السبل لقياس مدى فاعلية هذه الإستراتيجية, التي تعتبر نتائجها غير مضمونة.

وعلى الرغم من كل تلك الشكوك, فإن العمل الأساسي الذي يجري تنفيذه في مرحلة "الوقاية" يشبه كثيرا ما جرى تنفيذه في الفصول الدراسية في المملكة المتحدة لسنوات عديدة: إزالة الحواجز, وتعزيز روح التسامح, ومناصرة التنوع. وكل ذلك يمكن أن يمثل فرصة حقيقية.

وفي ضوء تركيز برنامج Prevent لمكافحة التطرف على معالجة القضايا بين الشباب, يأمل منسقو البرنامج في إنجاز المزيد من العمل من خلال المدارس, ومن خلال تنسيق الجهود مع المناهج الدراسية الوطنية. حيث يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تكون منصّة اختبار مناسبة لهذا العمل, وذلك من خلال تمكين المدرسين من جمع ردود أفعال الطلاب, ورصد ما إذا كان هؤلاء الشباب, بشكل عام, قد أصبحوا أكثر انخراطا في العمليات الديمقراطية والمدنية.

وعلى أي حال, سيستمر العمل ببرنامج Prevent لمكافحة التطرف. حيث دافعت وزيرة الداخلية "أمبير رود" بشدة عن ذلك البرنامج وعن مدى فعاليته. كما تجرى أيضا نقاشات لتحديد ما إذا كان من الممكن تحويل هذا البرنامج التطوعي إلى إجباري في بعض مناطق البلاد.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق