ما يجب أن نعرفه عن مقاتلى داعش الأجانب


٢١ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٥:٤٨ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر- ذى أتلانتك

ترجمة - بسام عباس


قتل مهاجمو برشلونة 14 شخصًا – وهو رصيد متوسط ​​لهجوم داعش في أوروبا. حيث نرى أحد المهاجمين يجري في شوارع كامبريلس، إسبانيا، قبل أن ترديه الشرطة، ويمكن أن نرى أسباب عدم ارتفاع أعداد القتلى. لأن هؤلاء لم يكونوا كوماندوز مدربين يتحركون بهدوء وتكتيك مثل مهاجمين باتاكلان في نوفمبر 2015. إنهم هواة، ليس لديهم أي نوع من التدريبات على الإطلاق.

إن أكبر مصدر قلق للمسئولين في مجال مكافحة الإرهاب، بل أي شخص مهتم في عدم انفجاره في هجمات مثل مترو الأنفاق في بروكسيل أو يقتل بالرصاص في مسرح باريسي، هؤلاء هم المقاتلون الأجانب العائدون – أولئك الذين ذهبوا إلى سوريا، وتم تدريبهم على القتل، وعادوا إلى بلدانهم الأصلية. وبما أننا ما زلنا لا نعرف الكثير عن هذه الفئة من المقاتلين، إلا أن هناك معلومات ينبغي أن نعرفها عنهم بكل دقة.

أصدر مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب – في الشهر الماضي – تقريرًا عن المقاتلين الأجانب الذين غادروا إلى سوريا. وقال حامد السعيد وريتشارد باريت، في دراستهما: "تعزيز فهم ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب في سوريا"، إن هناك العديد من مقاتلي داعش الأجانب العائدين من سوريا، بالإضافة إلى عدد قليل من الذين تم القبض عليهم في محاولة للوصول إلى هناك، وأكدت دراستهما أن أكثر من 40 ألف شخص سافروا إلى سوريا للقتال، وبما أن العديد منهم سيعودون إلى بلدانهم الأصلية، فإن هذه الدراسات تستحق القراءة والتدقيق.

وتحاور الباحثان مع 26 شخصا حول موضوع الجهاد، بينما رفض 17 آخرون الإجابة على أسئلة حول الجهاد (إلا أنهم مستعدون للحديث عن جوانب أخرى من رحلتهم). إذا كانت هذه الأرقام تبدو صغيرة، ذلك لأنه من الصعب العثور على شخص يتحدث عن انضمامه لجماعة إرهابية. وكانت جميع الدراسات الاستقصائية السابقة تواجه نفس المشكلة المتعلقة بحجم العينة الصغير. وحتى مع دعم الأمم المتحدة، كان بوسع الباحثين إقناع سبعة دول فقط بإتاحة المقاتلين– جميعهم في السجون.

وقد أدى الميل إلى تصوير أنفسهم بأنهم أبرياء إلى ادعاءات كثيرة من العائدين. وقال هاري سارفو، وهو عائد ألماني من سوريا، إنه لم يعرف ما هي حقيقة داعش، ونفى أنه قتل أي شخص خلال فترة عمله القصيرة مع الجماعة. وسرعان ما ظهر شريط فيديو يعرض فيه مسيرات داعش ويظهر فيه أنه يشارك في إعدام السجناء. وتدعي النساء البالغات أنهن "أجبرن" على السفر إلى سوريا. ويقول مقاتل سابق أنه تم حقنه بمخدر جعله يعتقد أن جماعة الأيزيديين هم كفاريجب إبادتهم. وغني عن القول، أنه لا يوجد في علم الصيدلة أي دواء له هذه الخصائص. ولا يمكن الاعتماد على ادعاء الجهل بطبيعة داعش الحقيقية، لأن التغطية الصحفية لفظائع داعش لم تتوقف خلال السنوات الثلاث الماضية، وداعش نفسها تفتخر بجرائمها في دعايتها.

إن المستجيبين في هذا التقرير لا يدعون الجهل، ولكنهم يشاركون في نشاط آخر يبشر بالتنبؤ. وهم يدعون الدوافع التي تجعلهم متعاطفين وقابلين للتجنيد. يقولون إنهم يريدون رواتب – كثير منهم عاطلون عن العمل في أوطانهم، وكان داعش يضللهم بشدة حول طبيعة العمل الذي يقدمه (مقابل 50 $ إلى 500 دولار شهريا وفقا للتقرير). وهم يشددون على الدوافع الإنسانية، وعلى رأسها الرغبة في حماية زملائهم السنة ضد جيوش بشار الأسد. عندما تجعل جهادك سعيًّا لإنقاذ الأطفال من جهنم الحديثة، فهذا لا يبدو سيئا للغاية.

هذه الدوافع المزعومة ليست كلها بالضرورة أكاذيب. فقد وثق شيراز ماهر وآخرون أن معارضة الأسد كانت وراء الهجرة المبكرة للمقاتلين الأجانب، خاصة قبل إعلان خلافة داعش في منتصف عام 2014. ولكن هذا الدافع يمثل أحد الدوافع التي تجعل السجانين يصلون إلى استنتاج بأن هؤلاء المسجونين لا يشكلون أي تهديد لأوطانهم، ويمكن الافراج عنهم بأمان. أما إذا كنت قد انطلقت بدافع أيديولوجي – "ذهبت إلى سوريا لأن الإسلام يأمرني أن أجاهد دفاعًا عن الخلافة وتمددها" – فربما تكون مشروع عنيف مرة أخرى، وستظل في السجن لفترة طويلة جدا.

وحصل فصل التقرير لدور الدين على أكبر قدر من الاهتمام العام، ويرجع ذلك أساسا إلى قصة غير مشجعة في صحيفة ذا انديبندنت . وأفاد باحثا الأمم المتحدة أن 11 شخصا فقط من أصل 26 شخصا يشعرون بالراحة في الإجابة على الأسئلة التي يطرحانها حول الأيديولوجية، فقالوا إنها "بالغة الأهمية" أو "شديدة الأهمية". وقال 16 من أصل 25 إن الجهاد "بالغ الأهمية" أو "شديد الأهمية". ويبدو أن هذه الأرقام كبيرة، نظرًا لمعدل عدم الاستجابة، والحافز على الكذب. غير أن التقرير يقلل من قيمة الجهاد والإيديولوجيا، مشيرًا إلى أن "الاعتقاد الديني لعب دورًا ضئيلاً في الدافع".

ويحتمل أن يجعل معدل عدم الاستجابة وحده التقرير بمثابة تحليل كمي فقط. ولكن القراءة الوثيقة تكشف عن العديد من مزايا الباحثين الأخرى، عند مناقشة المعتقد الديني، حيث وضعوا افتراضات حول المعتقدات الدينية التي تناقض الحس السليم. فقد خلطوا التقوى بالورع، والدين بالتدين وكان الأكثر وضوحًا خلط التشدد بالاعتقاد. ويبدو أن المقاتل الديني، من وجهة نظرهما، ينبغي أن يتعلم ويتفقه التفسير المنتشر للإسلام، وكان ينبغي أن يعتنق هذا التفسير لفترة طويلة، بينما يمارس التقوى التي يدعو إليها.

ولكن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها الدين، وبالتأكيد ليست الطريقة التي يعمل بها تنظيم داعش. ففي كثير من الأحيان، يكون المقاتل الأجنبي داعش حديث عهد بالالتزام والتقوى. وربما يكون غير متسق في ممارسته. (هذه الإخفاقات بعينها، وكراهية الذات، غالبا ما تدفعه إلى اعتناق منهج داعش الاستبدادي). ولم يكن متعلمًا – ومعظم مقاتلي داعش كذلك، بما في ذلك معظم المتدينين بينهم – لذلك يرفض تيار الإسلام الرئيسي. رفض ذلك ليس خطأ. وهذا هو بيت القصيد.

وأوضح أندرو ليبوفيتش في ورقة لمؤسسة بروكينغز في العام الماضي: "إن معرفة الشريعة ليست أمرًا شائعًا بين المسلمين الملتزمين، ، لكن ذلك المعتقد يبدو شائعاً لدى الدخلاء على المجتمعات الإسلامية"، وكتب "إن انتقاد عمق الشعور الديني لشخص ما أو حتى معرفته على أساس افتقاره إلى المعرفة بالشريعة سيكون أشبه بانتقاد مواطن لا يعرف ماهية المؤسسة المدنية في الدستور لمجرد أنه لم يدرس القانون، على الرغم من أنه يمارسها ويشعر بها.

ولا يعني هذا بالطبع أن الأشخاص في هذا المسح كانوا ملتزمين دينيًّا. وكونهم تركوا منازلهم للانضمام إلى تنظيم وعدهم بالاستشهاد ونيل الدرجات العلى في الجنة، معلنًا عن نفسه كأحد عوامل نهاية العالم، وادعى أنه الانتقام الصالح من الله مما يشير بقوة إلى أن مصالحهم الدينية ليست عارضة. كما أن غرائزهم الإنسانية التي تمتد فقط للمسلمين السنة، قد تعتبر أيضًا دليلا على أنهم رأوا العالم من خلال رؤية دينية، وجعلوا التقسيم الوحيد المناسب بين البشر هو الفرق بين المؤمن والكافر. (ويسمى التقرير هذا الاتجاه بأنه "الشعور بالهوية مع الأخوة في الدين"، ويميزه عن الدين في حد ذاته، وهذا التمييز ليس واضحا، إلا إذا كنت تعتقد أن الإسلام نشاط أكاديمي وعلمي وقانوني.

وأخيرا، هناك أمر يتعلق بما أطلق عليه سيمون كوتي مؤخرا "الغرور المعرفي" للتقرير. حيث قال الباحثان إن "عددا قليلا جدا من المقاتلين الأجانب بدا على معرفة بشروط الجهاد في الإسلام". (هناك توقعات بوجود مستويات عالية من الخبرة بالشريعة). فيما "يبدو أن عددًا كبيرًا منهم، أكثر من 50 %، غير مثقفين دينيًّا، ويفتقرون إلى أي فهم أساسي للمعنى الحقيقي للجهاد أو حتى العقيدة الإسلامية".

سيكون تقريرًا أمميًّا رائعًا في الواقع ذلك الذي يُعرِّف "العقيدة الحقيقية للجهاد أو حتى العقيدة الإسلامية" ". وكان من الأفضل أن يفسر الباحثان المعنى الحقيقي لعيد الميلاد (الكريسماس)، ربما ليبهجني التفكير على أقل في الطفل يسوع أكثر من مشاهدتي سانتا الشرير في منامتي. فالإسلام متنوع، والجهاد كيان متنازع عليه بقوة داخله. ويعتبر تفسير داعش له وجهة نظر أقلية، حتى أن داعش يعترف بذلك، ولكن كونه ضمن تفسير الأقلية لا يجعله مساويًا في كونه تفسيرًا خطأ، كما ستذكركم بذلك العديد من الأقليات المسلمة الأخرى (مثل: الشيعة والأحمدية والديوباندية والإباضية).

قد يبدو أمرًا تافهًا لاستدعاء التقرير من أجل مسار لا مبرر له. إلا أنه يتطرق إلى افتراضات متعلقة بالدين يتم حشرها في تقارير مثل هذه – وهي افتراضات ينبغي أن يستطيع أي شخص اكتشافها. إنها لا تأخذ الكثير للكشف عن حافز أعمق، بما في ذلك الحافز الديني. في تقريري الخاص (الذي أجريت فيه محادثات مباشرة مع نفس العدد تقريبا من مؤيدي داعش أكثر ممن تحدثوا إلى مؤلفي هذا التقرير، ولكن أقل بكثير ممن قابلوهم في سوريا)، حيث اضطررت إلى الانخراط في حياتهم عندما لم يكنوا تحت إشراف السجانين، ولكنهم ترددوا في الحديث معي رغم أنهم كانوا سعداء. كنت أتمنى لو كان لدي عينة أكبر لتشمل أولئك الذين امتحنوا عقيدتهم في بوتقة أرض الخلافة نفسها.

ولكن استجواب أقل انخراطًا لن يحصد سوى المزيد من الأكاذيب، ومعظمهم، لا يحاول الوصول إلى حقائق الخبرة الدينية ومفارقاتها. إن نهج المسح الكمي، عندما يقتصر على قاعدة من 26 من المستجيبين المسجونين، لا يفيدنا كثيرًا. ولذلك فهذا العمل لم يكتمل.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق