تعرف على مستقبل التواجد الصينى فى منطقة الشرق الأوسط


٢١ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٦:٠١ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - معهد الشرق الأسط

ترجمة - شهاب ممدوح
 


على مدى ستمائة عام, وخلال العهد الإمبراطوري لأسرتي مينج وكينج, كان "البربريون" الأجانب يشدّون الرحال إلى مدينة "بكين" من أجل تملّق إمبراطور الصين حتى يتثنى لهم التجارة مع إمبراطوريته. وفي مشهد يذكّرنا بتلك الأيام, يسعى الرئيس الصيني "تشي جي بينج" حاليا لإعادة صنع نسخة حديثة من ذلك النظام الإمبراطوري الصيني القديم, وهو ما قد يمثل تحديا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في شهر مايو, اجتمع ألف وخمسمائة مندوب يمثلون 130 دولة -من بينهم 29 رئيس دولة, وما يزيد على 200 وزير- في بكين, لحضور منتدى "الحزام والطريق للتعاون الدولي" الذي يُعقد مرة كل عامين. تهدف مبادرة الحزام والطريق, التي أُطلقت في عام  2013, لتوسيع الروابط بين آسيا, والشرق الأوسط, وإفريقيا, وأوربا, وذلك من خلال إعادة إحياء طرق التجارة الخاصة بطريق الحرير القديم, برًا (الحزام) وبحرًا (الطريق).

يتمثل الهدف المعلن للمشروع في "تعزيز التعاون والترابط الاقتصادي" في عموم هذه المناطق من خلال مشروع ضخم لتطوير البني التحتية. يُعتبر هذا المشروع الجهد الأبرز في مجال السياسة الخارجية للرئيس الصيني "تشي جي بينج", وهدفه إعادة توجيه النظام الاقتصادي العالمي من خلال بناء ما أُطلق عليه "مشروع القرن". ومنطقة الشرق الأوسط هي نقطة التقاء الطريقين المتجهين لأوربا وإفريقيا.

تكتسب تلك المنطقة أهمية كبيرة بالنسبة للصين. فبسبب النمو السريع للسكان, وصعود الطبقة الوسطى, وتراكم الثروات في عموم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا, تجد الشركات الصينية فرصة لعمل ما تجيد عمله: البناء.

إن وعود الصين بالقيام بمشاريع بنى تحتية وبرامج استثمارية ضخمة تغري, لأسباب مفهومة, العديد من دول الشرق الأوسط التي تشهد اقتصادياتها تباطؤا بسبب انخفاض أسعار النفط وعدم الاستقرار السياسي. قد تصل التعهدات الخاصة بمشروع الحزام والطريق إلى تريلون دولار, وسينضم للمشروع ما يزيد على 60 دولة. تعمل الصين أيضا على توسيع نطاق برامجها للتبادل الثقافي والتعليمي, لتعزيز الحوار المباشر بين الشعوب, كمأ أنها تعرض المساعدة لتدريب الخبراء الفنيين للدول العضوه في مشروع الحزام والطريق. لذلك, من غير المستغرب أن العديد من دول الشرق الأوسط ترحب برؤية الصين.

فعلى سبيل المثال, عدّلت مصر من خططها الاقتصادية المحلية حتى تكون متماشية مع مشروع الحزام والطريق الذي ترعاه الصين. كما تحذو دول مثل الأردن, والإمارات, والسعودية حذو مصر في هذا الشأن.

وفي حالة مصر, تعهدت الشركات الصينية بالفعل بضخّ نحو 20 مليار دولار في مشاريع البنى التحتية, كما فازت الشركات الصينية بعقود لبناء أجزاء ضخمة من العاصمة الجديدة التي ستُبنى في شرق القاهرة. لقد وضع الصينيون مصر ضمن الوجهات الخمس الأوائل لعمليات الاندماج والشراء, وذلك في إطار مبادرة الحزام والطريق. وأما فيما يخص العلاقة على مستوى الشعوب, ارتفعت أعداد السائحين الصينيين بنسبة 215 بالمائة خلال السنتين الماضيتين.

دولة الإمارات هي الأخرى رفعت من مستوى العلاقات الثنائية مع الصين, حيث أنشأت مراكز لها في الصين لدعم الشركات الإماراتية, وأرسلت بعثات تجارية كبيرة. كما ستكون الإمارات إحدى أهم مراكز النقل لمشروع الحزام والطريق. وتحضيرا لذلك, عقدت شركة "كوسكو", وهي أكبر شركة صينية للنقل, شراكة مع شركة موانئ أبو ظبي لبناء موانئ جديدة لاستيعاب الزيادة المتوقعة في تدفق السلع عبر طرق مشروع الحزام والطريق. دول الإمارات هي أيضا شريك مؤسس- بعكس الولايات المتحدة التي لم تنضم بعد- للبنك الإسيوي للاستثمار في البنى التحتية, وهو مصرف إنمائي متعدد الأطراف أطلقته الصين, ويهدف لدعم مشاريع البني التحتية في منطقة آسيا-المحيط الهادئ.

السياسة الخارجية هي الركيزة الأساسية للعلاقات الصينية-السعودية, لكن العلاقات الاقتصادية تشهد نموا هي الأخرى, وخاصة في ظل تباطؤ الاقتصاد السعودي. الطاقة هي المجال الرئيسي للتجارة بين البلدين, حيث تعتبر الصين أكبر مستورد للنفط, والسعود أكبر مصدر له. لقد ارتفع الاستهلاك الصيني للنفط خلال العشرين سنة الماضية بصورة كبيرة من 2,9 مليون برميل يوميا في عام 1993, ليصل إلى 11,9 مليون برميل يوميا في عام 2016.

 ترأس الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز, في وقت مبكر من هذا العام, بعثة تجارية للصين أسفرت عن عقد صفقات اقتصادية وتجارية بلغ حجمها أكثر من 65 مليار دولار. كما أن الصينيين مسؤولون عن بناء العديد من المرافق اللوجستية في مكة وتشغيلها خلال موسم الحج. من المتوقع أن تنمو هذه العلاقات, في وقت تسعى فيه السعودية لمواءمة أولوياتها الاقتصادية المحلية مع مشروع الحزام والطريق.

بالنسبة للرئيس الصيني "تشي",  يعتبر مشروع الحزام والطريق جزءا رئيسيا من إستراتيجية الصين لتوسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط. إن دافع الرئيس الصيني إلى حد بعيد اقتصادي, وليس سياسيا. يسعى الصينيون للسيطرة, أو على الأقل الوصول, على الموارد الطبيعية الضرورية للحفاظ على نمو بلدهم الاقتصادي. تشير التقديرات إلى أن اعتماد الصين على واردات النفط والغاز ستصل إلى 67 بالمائة في عام 2020, وأن دول الشرق الأوسط هي من ستوفر حاجاتها من الطاقة. توفر دول مجلس التعاون الخليجي, وإيران, والعراق الآن 60 بالمائة من ورادات الصين النفطية, وباتت الصين اليوم ثاني أكبر سوق للصادرات النفطية لهذه البلدان.

كما بات تعزيز العلاقات التجارية مع الدول العربية أولوية قصوى للصين. تهدف الصين لمضاعفة تجارتها مع دول المنطقة لتصل إلى 600 مليار دولار بحلول عام 2020. وهي الآن أكبر شريك تجاري لدول المنطقة. يتفاوض الصينيون لتأسيس منطقة تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي, بعد أن أسّسوا بالفعل منطقة حرة مع مصر. ولن يكون من المستغرب أن تسعى الصين للقيام بالأمر ذاته مع إيران.

وبالرغم من أن الصين تتجنب الانحياز لأي طرف في صراعات المنطقة, إلا أن سياستها الخارجية في المنطقة ازدادت نشاطا في ظل حكم الرئيس "تشي" نتيجة تنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية. وكما قال السفير الصيني في أمريكا:" إن السياسة الخارجية الصينية ستتبع حتما استثمارات الصين" وهذا بالضبط ما نراه يحدث اليوم.

لقد شارك وزير الخارجية الصينية "وانج يي" بفعالية في المحادثات الرامية لحل الأزمة السورية. وعقب التوصل للاتفاق النووي مع إيران, كان الرئيس "تشي" هو أول زعيم أجنبي بارز يزور إيران, للبحث عن فرص تجارية واستثمارية. أسفرت تلك الزيارة عن توقيع الشركة الصينية الوطنية للنفط المملوكة للدولة على مشروع لتطوير حقل إيراني للغاز بتكلفة 4,8 مليار دولار. وستمتلك الصين مع شريكين آخرين 30 بالمائة من هذا المشروع. زيارة الرئيس "تشي" كانت متوازنة, حيث توقف الرئيس في مصر والسعودية خلال جولته.

لقد أرسلت الصين خلال الصراع اليمني, في خطوة غير مسبوقة, فرقاتها البحرية لإنقاذ عمال صينيين عالقين في الحرب. كما أنشأت الصين أيضا قاعدة عسكرية في جيبوتي, ومن المتوقع أن تزداد وتيرة العلاقات العسكرية-والمبيعات العسكرية- بين الصين ودول المنطقة.

إذا ماذا يعني هذا بالنسبة للولايات المتحدة؟ لقد شعر المسؤولون في عهد الرئيس أوباما بالريبة من جهود بكين لاستخدام قوتها الاقتصادية بهدف بناء علاقات مع العديد من دول آسيا, وأفريقيا, والشرق الأوسط. لكن الإدارة لم تقف في وجه الصين, خاصة وأن الولايات المتحدة ليست ممولا كبيرا لمشاريع البنى التحتية.

وفي عهد إدارة ترامب, هناك إدراك جديد بأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تولي اهتماما لما يحدث تحت مظلة مبادرة الحزام والطريق. وفي تراجع عن السياسة السابقة عقب قمة "مار لاجو" بين الرئيسين ترامب وتشي, أرسلت الإدارة الأمريكية في اللحظة الأخيرة مدير قسم شرق آسيا في مجلس الأمن الوطني لحضور منتدى "الحزام والطريق" المنعقد في بكين, وهو ما يمثل إدراكا أمريكيا لقدرة مشروع الحزام والطريق على تغيير الديناميات في المنطقة. كما أن  تلك المشاركة الأمريكية ضرورية في حال رغبت الشركات الأمريكية في أن يكون لديها أي فرصة للحصول على عقود تجارية يوفرها ذلك المشروع. الحقيقة هي أن الصين تملك ما لا تستطيع الولايات المتحدة أن تقدمه لهذه البلدان: تمويل مشاريع البنى التحتية, فضلا عن سوق كبير للتصدير. وكل هذا مقترن بعدد قليل من الشروط.

حتى وإن لم تتحقق كل جوانب مشروع الحزام والطريق, فإن تلك المبادرة وضعت الصين في منافسة مباشرة مع الولايات المتحدة لتوسيع النفوذ الاقتصادي في بلدان مهمة حول العالم. وبينما تظل الولايات المتحدة صاحبة النفوذ الأقوى في منطقة الشرق الأوسط, على الأقل في الوقت الراهن, إلا أنه من المهم أن نراقب كيف ستؤثر مبادرة الحزام والطريق الصينية على مصالح الولايات المتحدة. لو كان الأمر يعود إلى الرئيس "تشي", فإن بناء الصين لطريق الحرير الجديد سيعيد صياغة التوازن في عموم منطقة آسيا, والشرق الأوسط, وشمال إفريقيا, وأوربا, مع بروز الصين بوصفها الرابح الأكبر.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق