أمريكا والمستنقع الأفغانى .. إستراتيجية غامضة وإفلاس فى الأفكار


٢٣ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٥:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - بوليتيكو

ترجمة - شهاب ممدوح



أثبت الرئيس دونالد ترمب, خلال خطابه الخاص بإستراتيجية الحرب في أفغانستان, الذي ألقاه في مساء يوم الأثنين, شيئا واحدا بشكل قاطع: بعد مرور نحو 16 عاما على القتال في أطول حرب تخوضها الولايات المتحدة, هناك غياب للأفكار الجديدة.  

وصف ترامب خطته بأنها "مختلفة بشكل جذري". لكنها ليست كذلك. إن الشيء الوحيد الذي يبدو مختلفا في نهج ترامب مقارنة مع النهج الذي سلكه أسلافه من الرؤساء السابقين حيال حرب أفغانستان التي أُطلقت عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001, هو أن خطاب ترامب كان تصعيديا. لقد تعهّد الرئيس مرارا وتكرار بتحقيق"الانتصار" في حرب وصفها وزير دفاعه "جيم ماتيس" في إفادته للكونجرس مؤخرا "بأننا لا ننتصر فيها", كما انتقد ترامب بصورة حادة باكستان, الدولة الحليفة المجاورة لأفغانستان, والتي هاجمها ترامب بسبب توفيرها "ملاذا آمنا" للإرهابيين.

لقد كان الجزء الخاص بالانتقادات القاسية الموجهة لباكستان في خطاب ترامب, كما قيل لي, من بين المسائل الأكثر إثارة للجدل خلال النقاشات المحتدمة التي سبقت اجتماع مجلس الأمن القومي الذي عُقد يوم الجمعة في كامب ديفيد.

ومن بين المسؤولين الذين كانوا يميلون نحو فكرة اتخاذ موقف صارم تجاه باكستان, الجنرال "جون نيكلسون", القائد الحالي للقوات الأمريكية في أفغانستان, ومستشار الامن القومي, الجنرال "ماك ماستر", فضلا عن مدير وكالة الاستخبارات المركزية سي آي أيه "مايك بومبيو", وكان ترامب يشاركهم هذا الرأي, وقد اتضح ذلك من خلال النبرة الحادة لخطابه. يقول مسؤول أمريكي سابق أطلع على النقاشات التي جرت, إن "الرئيس كان يميل نحو تبنّي موقف أكثر صرامة حيال باكستان, لأنه يعتقد أن باكستان تخدعنا".

لكن بعيدا عن اللهجة الحادة والتعهّد المفتوح ب "القتال حتى النصر" فإن ترامب لم يقدّم إلا القليل من التفاصيل بشأن تلك الخطة التي تقول مصادر في إدارته إنها تتضمّن إرسال بضعة آلاف من الجنود لإفغانستان. يرى البنتاغون  أن هذا التحرك ضروري لمنع انهيار الحكومة المدعومة أمريكيا في كابول, لكن حجم القوات المرسلة لن يكون كافيا لتغيير الحقائق على الأرض بصورة كبيرة, خاصة بعد مرور سنوات قليلة على قرار أوباما في بداية رئاسته بإرسال مائة ألف جندي, وهو القرار الذي فشل في إحداث تغيير على الأرض.

لم يوضح ترامب كيفية تحقيق النصر هناك, لكنه أصدر إنذارا نهائيا لباكستان بوقف دعمها للمسلحين "فورا", وأشار إلى رفضه وضع "جدول زمني عشوائي" لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان, وتعهّد بعدم تدخل واشنطون في تفاصيل معارك القوات في أفغانستان, كما تعهّد بعدم إنفاق المزيد من الاموال على جهود بناء الدولة الأفغانية.

لقد التقيت منذ وقت ليس ببعيد "لوريل ميلر", التي شغلت منصب الممثل الخاص لشؤون أفغانستان وباكستان حتى نهاية شهر يونيو, وذلك قبل مغادرتها لوزارة الخارجية وإغلاق إدارة ترامب لمكتبها. تتحدث "ميلر" عن مسألة تحقيق الانتصار في أفغانستان, قائلة:

"ليس هناك محلل جاد للوضع في أفغانستان يرى أن هذه الحرب يمكن الانتصار فيها. من الممكن الحيلولة دون هزيمة الحكومة الأفغانية, ومنع انتصار حركة طالبان, لكن هذه الحرب لا يمكن الفوز بها, بغض النظر عن القرارات السياسية المتخذة في واشنطون"

اشتكى ترامب, كعادته دوما, من " الترِكة السيئة والمعقدة جدا" التي ورثها, وأوضح جليّا بأنه غير مستعد لوراثة صراع لم ينجح في إنهائه أوباما بقراره القاضي بزيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان, ولا جورج بوش بغاراته الجوية المكثفة ردًا على هجمات سبتمبر. وخلال خطابه, خرج ترامب عن النص المكتوب ولم يلتزم باللغة الرسمية التي استخدمها الرؤساء السابقين, حيث تهكّم على أرهابيي القاعدة وداعش, وتعهّد بالقضاء عليهم, واصفا إياهم ب "المجرمين" و "الفاشلين".

لكن المستهدف من خطاب ترامب لم يكن تنظيم القاعدة أو حركة طالبان, بل كان باراك أوباما. حيث لم يدّخر ترامب جهدا في انتقاد سلفه بسبب قراره "المتسرع والخاطئ" بالانسحاب من العراق في عام 2011, من دون أن يذكر أنه-أي ترامب- دعم تلك الخطوة في حينها. وخلال خطابه, زعم ترامب أنه يعتبر دعمه لقرار الانسحاب من العراق خطأ, وان ذلك الخطأ ساهم في تشكيل عزيمته الراهنة لمواصلة القتال في أفغانستان.

ولعل الجزء الأكثر لفتا للنظر- وبالتأكيد الأكثر صدقا- في خطاب ترامب كان في بدايته, عندما اعترف ترامب بخطأ مواقفة المتناقضة من حرب أفغانستان, وتشككه بشأن الخطط العسكرية التي قدمها له قادته العسكريون, معترفا بذلك بالتسريبات التي رشحت لأشهر من البيت الأبيض.
 
خلال الفترة التي سبقت خطاب ترامب, تلذذ المعلقون بإعادة نشر تغريدات قديمة لترامب بشأن أفغانستان, كان قد نشرها قبل أن يشغل منصب الرئيس, وقبل أن يواجه حقائق الحكم. يقول ترامب في إحدى تغريداته تلك:" يتعرض جنودنا للقتل على يد الأفغان الذين ندرّبهم, نحن ننفق المليارات هناك. هذا عبث! فلنعيد بناء الولايات المتحدة"
 
 قال ترامب خلال خطابه في مساء يوم الأثنين:"حدسي الأصلي كان يدفعني للانسحاب" وأضاف " وأنا تاريخيا أحب أن أتبع حدسي"

لكن رفض ترامب أن يتبع حدسه فيما يتعلق بأفغانستان يمثل انتصارا لمستشاره للامن القومي "ماك ماستر" الذي خاض لأشهر عديدة صراعا مريرا في البيت الأبيض لإقناع ترامب بإستراتيجيته الخاصة بإفغانستان, التي تتطابق بشكل كامل تقريبا مع الإستراتيجية التي أعلنها ترامب في خطابه.

وصف ترامب نهجه الجديد بشأن الصراع الذي طال أمده في أفغانستان بأنه مثال على "الواقعية المبدأية" وقال إن الهدف هو "استخدام القوة بطريقة إستراتيجية" لخلق ظروف على الأرض لمساعدة عملية السلام. وهذا بالضبط ما قاله "ماك ماستر" في الغرف المغلقة للمسؤولين الأمريكيين, حيث أخبرهم بأن إرسال المزيد من القوات, وتبنّي نهج عسكري  أكثر صرامة على الأرض سيكون ضروريا خلال السنوات القادمة من أجل تهيئة الظروف لإحضار كل الأطراف على مائدة المفاوضات. لقد كانت الغلبة في نهاية المطاف لمنطق "ماك ماستر" ولكن ليس من المؤكد بعد ما هو ثمن ذلك.

لقد خاض "ماك ماستر"-مستشار ترامب للأمن القومي- لشهور طويلة معركة داخل فريق ترامب للامن القومي, وقد أخبرني بعض المشاركين في تلك النقاشات أنها شهدت خلافا بين ماك ماستر من جهة والرئيس ترامب ومسؤولين آخرين, من بينهم "ستيف بانون" الذي تزعّم الفصيل القومي داخل فريق ترامب, حيث تبنّى "بانون" وفصيله موقفا حذرا من دعوات الجنرالات لإرسال المزيد من القوات لحرب لم تستطع أمريكا الفوز بها خلال 16 عاما. ذكرت مصادر متعددة أن النقاشات تطورت إلى "مشهد عبثي" ساد فيه الصراخ المتبادل بين ماك ماستر وبانون.  

لقد أجريت قبل ساعات من بدء خطاب ترامب, حديثا مع مسؤول رفيع سابق لديه خبرة واسعة في شؤون المنطقة, وكان توقعه بشأن ما سيقوله ترامب في الخطاب دقيقا. يقول ذلك المسؤول:

"كل الخيارات محفوفة بالمخاطر. إذا لم تفعل شيئا واستمر الوضع الأمني في التدهور, فإنك بذلك تضيّق من خياراتك للسنوات الأربع القادمة...وإذا سحبت القوات بصورة متعجلة, فستواجه أزمة بالتأكيد. لذا, فإن الخيار المتاح هو زيادة متواضعة في عدد القوات, للحفاظ على استقرار الوضع هناك, ومنع هزيمة الحكومة الأفغانية. هذا الخيار ليس مرضيا, لكنه يحافظ على الأقل على خياراتك."

إذاً, فقد أمضى ترامب شهورا وهو يتعلّم الدرس الذي علّمته حرب أفغانستان للرؤساء السابقين خلال عقد ونصف من الزمن منذ اندفاع الولايات المتحدة نحو كابول, ناهيك عن ما تعلّمته أجيال من الجنرالات البريطانيين والروس من قبله: من السهل الدخول في حرب في أفغانستان, ولكن من الصعب الخروج منها.  
 
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق