الموجة القادمة من التطرف ستكون خضراء!


٠٩ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٠:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر – فورين بوليسي
ترجمة - آية سيد


إذا كان الخبراء العسكريون يخوضون دائمًا حربهم الأخيرة, فالأمر نفسه صحيح بالنسبة لأولئك الذين يعملون على مكافحة التطرف. في العام 2001, تفاجأت أجهزة المخابرات الغربية, التي ركزت غالبًا على جماعات إرهابية محلية مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي وحركة إيتا, بتنظيم القاعدة. ومع قدوم عام 2011, صُدمت بأندرس بهرنغ بريفيك ونمو التطرف اليميني. في منتصف العقد الحالي, تطور التهديد الإسلامي ليصبح تنظيم الدولة الإسلامية – وكانت بطيئة في ملاحظة ذلك, أيضًا.

اليوم, نحن على وشك ارتكاب الخطأ ذاته. نحن لن نسامح أنفسنا بسهولة إذا كان اهتمامنا منصب بشكل حصري على تنظيم الدولة الإسلامية أو اليمين المتطرف عندما تضرب الموجة القادمة من التطرف البيئي.

ليس هناك شيء جديد حول حركة حماية البيئة المتطرفة. في 2001, وصفت إف بي آي جبهة تحرير الأرض – وهي جماعة عنيفة ومتشددة مناصرة لحماية البيئة– على أنها واحدة من أبرز التهديدات الإرهابية الداخلية. قدّر الأكاديميون أن الخلايا التابعة لجماعة حماة البيئة وحقوق الحيوان يمكن إيجادها في 25 دولة على الأقل وإنها كانت مسئولة عن أكثر من ألف عمل إجرامي في الفترة بين 1970 و2007 في الولايات المتحدة وحدها – في أغلبها أعمال تخريب وهجمات على منشآت إجراء التجارب على الحيوانات. على مدار الثلاثين سنة الماضية, كانت هناكمخاوف دورية من حدوث موجات جديدة من "الإرهاب البيئي," والتي لم تتجسد بصورة تامة أبدًا.

لكن, حتى وقت حديث, كانت حركة حماية البيئة المتطرفة ضحية لنجاحها. أصبحت الأفكار المتعلقة بالبيئة هي الإتجاه السائد منذ أعوام. معظم الأحزاب السياسية الكبرى في الديموقراطيات الغربية (بخلاف دونالد ترامب والحزب الجمهوري) تقبل الآن الحقائق المتعلقة بتغير المناخ وتعهدت بالاستجابة. أصبحت حركة حماية البيئة أيضًا جزءًا من الحركة الأوسع المناهضة للرأسمالية, والتي – في الأغلب – تتميز بإلتزامها باللاعنف والتغيير التصاعدي. نتيجة لهذا, نشاط حماية المناخ الذي يتخطى الإحتجاجات السلمية, مثل السير في الشوارع, ويصل إلى العصيان المدني – مثل غلق المناجم أو تعطيل الآلات – يبقى ضئيلًا. لا توجد أرقام دقيقة, لكن أشخاص من الداخل أخبروني إنه, في المملكة المتحدة على الأقل, يوجد بضعة مئات من النشطاء المتشددين, وبضعة آلاف في الولايات المتحدة.

مع هذا, توجد أدلة على أن هذا قد يتغير. إن الظروف المواتية لتحول نشاط حماية المناخ إلى التطرف جميعها موجودة. تُظهر بعض الجماعات علامات على هذا التحول. وعندما ينفذونه, ربما نكون غير مجهزين للتعامل مع هؤلاء المتشددين البيئيين الجدد.

يتشارك المتشددون من كل الأنواع سمات معينة. وفقًا لبيتر نيومان. مدير المركز الدولي لدراسات التطرف والعنف السياسي ومؤلف كتاب "الإرهاب متواجد بيننا," فإن الأشخاص الذين يتحولون للتطرف يكون لديهم في العادة "إحساس بالظلم" – أحيانًا يكون حقيقيًا, وأحيانًا متصورًا – واعتقاد بأن القنوات الشرعية للإنصاف مغلقة, أو لا يمكن الوصول إليها, أو غير فعالة. يكون هناك عادة عنصر اجتماعي, في صورة واعظ له شعبية أو أيدولوجية, والذي يحفز الناس للبحث عن الإشباع العاطفي من خلال طرق محظورة.

إن نشطاء حماية المناخ لديهم بالتأكيد مظلمة رئيسية – مظلمة وجودية كارثية مدعومة بالأبحاث العلمية. بناءً على التوقعات الحالية, بنهاية هذا القرن, سوف تصبح قطاعات كبيرة من العالم غير صالحة للسكن, والطقس القاسي سيصبح عاديًا, وكذلك نقص الغذاء والجفاف. بحلول 2050, ما يصل إلى 250 مليون شخص قد يصبحوا لاجئين بسبب تغير المناخ. هذه أكبر مظلمة, وهي تزداد سوءًا بشكل ملموس.

والنشاط السياسي السلمي الرسمي – السُبل المهمة للإنصاف – لا ينجح. صحيح إنه كانت هناك بعض النجاحات. صناعة الطاقة المتجددة تشهد طفرة. والحركات السياسية المناهضة للرأسمالية والموالية للبيئة في صعود. لكن من وجهة نظر أنصار حماية البيئة, توجد أسباب متزايدة للشك في الآفاق السياسية لإنقاذ الكوكب. بحلول عام 2040, ستكون كمية الطاقة اللازمة لتشغيل العالم أعلى بحوالي 50 في المائة مما كانت عليه في 2012. من المتوقع أن ينمو الطلب على الفحم بنسبة 0,6 في المائة كل عام من الآن حتى حينئذ. كانت السنة الماضية سيئة على نحو خاص: ارتفع ثاني أكسيد الكربون في الجو فوق 400 جزء في المليون (وهي المرة الأولى منذ ملايين السنين)؛ في الوقت ذاته, توقع مؤشر الكوكب الحي أن الأرض قد تخسر ثلثي الحيوانات البرية بحلول عام 2020. لا يعتقد أي ناشط حقيقي أن اتفاقية باريس للمناخ, التي احتفت بها الحكومات, كافية – وكان هذا قبل أن ينسحب ترامب منها.

إن علامات التطرف المتزايد في الدوائر البيئية موجودة بالفعل. أثناء بحثي من أجل كتابي الأخير, أمضيت وقتًا مع "الأرض أولًا!", وهي جماعة متشددة مناصرة لحماية البيئة تأسست في جنوب غرب الولايات المتحدة ولها خلايا في جميع أنحاء العالم. إنها تتمتع بإنتعاش تحديدًا بسبب وعودها "بعدم التهاون في الدفاع عن كوكب الأرض."أخبرني الأعضاء القدامى إنهم لم يروا هذا المستوى من الإهتمام أو الإحباط؛ كان واضحًا من الوقت الذي أمضيته معهم أن حركة الأرض أولًا! جذبت الكثير من الشباب الذين يشتركون في الأمر للمرة الأولى, وجميعهم لديهم إحساس بإنه يجب فعل شيء وبسرعة.

إذا زرت أيا من مواقع مناصري حماية البيئة أو مدوناتهم, سوف تجد عروضًا لا نهائية للاحتجاجات, والمسيرات, والعصيان المدني المخطط له. هناك شيء يتحرك. وفقًا لمتحدث من جماعة أصدقاء الأرض والذي تحدثت إليه مؤخرًا, فإن جماعات مكافحة التصديع المائي المحلية نمت بصورة أسرع من أي شيء شهده في الحركة الخضراء. لولا وقوع الهجمات الإرهابية الإسلامية في باريس قبل أسابيع من اجتماعات اتفاقية المناخ في نوفمبر 2015, وحالة الطوارئ اللاحقة, كانت المظاهرات هناك ستكون على الأرجح أكبر إحتجاجات بيئية على الإطلاق. لقد أجريت حوارات مع العديد من الأشخاص المعنيين حينها: كانت هناك أشهر من التخطيط, ومئات المنظمين المنتشرين في أنحاء المدينة, وإحساس حقيقي بالزخم. في نفس ذلك العام, أسس نشطاء تغير المناخ الألمان حركة "إند جيلاند", وهو تحالف مكرس لأعمال العصيان المدني ضد الوقود الأحفوري. في 2015, قام حوالي 1,500 من هؤلاء المحتجين المنظمين بإغلاق واحدًا من أكبر مناجم الفحم في أوروبا بشكل مؤقت. في العام الماضي, فعل ضعف هذا العدد الشيء نفسه. ونظمت الحركة هذا الشهر ما يُقدر بـ 6 آلاف محتج من أجل جهد يستمر لـ 11 يومًا لوقف الإنتاج في قلب بلاد الفحم الألمانية.

كان نفس الإصرار العنيد واضحًا على محتجي "ستاندينج روك," الذين حاولوا منع بناء خط أنابيب داكوتا في شمال الولايات المتحدة. في الفترة بين أغسطس 2016 وفبراير من هذا العام, وقعت 761 حالة اعتقال هناك. بالطبع هذا يعكس جزئيًا عنف الشرطة وصرامتها الشديدة, لكنه يشير أيضًا إلى عناد المحتجين المستحدث ورفضهم للمغادرة. أعربت السلطات عن قلقها: حذر تقرير حديث صادر من وزارة الأمن الداخلي من هجمات الإرهابيين البيئيين الذين "يعتقدون أن العنف مُبرر" على خط أنابيب داياموند المزعم, الذي سيعبر من أوكلاهوما إلى تينيسي, وخطر وقوع "خسائر جماعية"

إن التطرف البيئي لا يسيطر فقط في الاقتصادات الغربية المتقدمة. أحد التطورات الملحوظة في السنوات القليلة الماضية هو نمو نشطاء في العالم النامي يتولون دورًا قياديًا أكثر أهمية. بدلًا من كون حركة حماية البيئةتسلية للغربيين الأثرياء, تنتقل المسئولية إلى المجتمعات والشعوب في البلاد حيث الضرر الذي أحدثه تغير المناخ واضحًا اليوم, وليس سيناريو نظري يحدث بعد 50 عامًا. سوف يكونوا أكثر رغبةً – أو يأسًا – لاستخدام تدابير أكثر تطرفًا. في البرازيل, على سبيل المثال, فجّر تنظيم سوسيداد سيكريتا سلفستر طنجرة ضغط معبأة بالمعدن خارج مركز تسوق في برازيليا وهدد بشن هجمات على الأوليمبياد في 2016.

الأمر ليس في الشوراع فقط. يمكنك أن تراه في نمو المؤلفات الخاصة بالمقاومة.الكاتبة ناعومي كلين في أحدث كتبها, لا ليست كافية, تقدم تحليلًا تفاؤليًا حول كيف أن السياسة قد تحل مشاكل العالم – على الرغم من أنها تشدد على أن الوقت ينفد. وعندما ينفد الوقت, وأنا أخشى إنه سيفعل, الكتب مثل المقاومة الخضراء العميقة– وهي نوع من الدليل لأنصار حماية البيئة المتطرفين – تحث على التخلي عن السُبل السلمية غير الفعالة وتلمح بشكل كئيب إلى أن التخريب الصناعي هو السبيل الوحيد المتاح. (هذا كله بدون ذكر الحركة الأوسع المناهضة للرأسمالية, والتي تُعد حركة حماية البيئة جزءًا منها. وفي قمة العشرين الأخيرة في هامبورج, ألمانيا, أُصيب 76 ضابط شرطة في مواجهات عنيفة مع محتجين).

روجر هالام, المتخصص في نظرية العمل الجماعي – وناشط في مجال تغير المناخ- أخبرني مؤخرًا إنه متفاجئ من عدم وجود حركة حماية بيئة أكثر تشددًا. ويقول أن هذا جزئيًا بسبب أن الناس لا يتحركون بالنظريات أو العلم فقط. أثبتت عقود من دراسات الحركة الاجتماعية أن البشر أكثر عرضة للتحرك بالأفعال وليس الأفكار المجردة أو البيانات. أخبرني هالام, "في مرحلة ما في الخمس سنوات القادمة, سيكون هناك حدث مناخي كارثي. وفجأة ستنطلق الحركة بأسرها."ويظن إنه حتى ذلك الحين, ربما يمر نشاط حماية المناخ بمراحل من التشعب, وهو شيء نراه في الجماعات المتطرفة الأخرى: جماعة صغيرة تقرر إتباع نهج أكثر تشددًا وتنفصل عن الحركة الأوسع. هذه الجماعة الصغيرة توفر الإشباع العاطفي والغرض الاجتماعي الذين قد يعملون كمحرك للعمل. هذا, في المقابل, يوسع الفجوة بين الأفرع المتشددة والسلمية, مما يجعل الفرع أكثر تطرفًا, وتماسكًا, وإصرارًا.

ليس من الواضح كيف يجب على المجتمع أن يرد على الموجة الجديدة من التطرف البيئي. حتى الآن, الموجات السابقة من التطرف شجعتنا على الاعتقاد بأن المتطرفين يكونوا دائمًا مُضللين, أو مشوشين, أو غير عقلانيين, أو مخدوعين, أو أشرار – ليسوا مفكرين عقلانيين والذين بنوا قراراتهم على مزيج من البيانات العلمية والفلسفة النفعية. إن الأدوات التي طورناها لمواجهة التطرف قائمة على هذه الافتراضات. منذ 9/11, استثمرت الحكومات في محاولات لمنع الأفكار العنيفة, والمتطرفة, والمتعصبة من الانتشار عن طريق مراقبة الأشخاص المعرضين لخطر أن يصبحوا متطرفين والتدخل مبكرًا. النظرية هي أن التفسير الخطير للقرآن يمكن تصحيحه بمساعدة عالم أو "رسائل مضادة" إيجابية؛ أو الإحساس بالإحباط من الهجرة يمكن تقويمه بفصول في التعددية الثقافية أو حتى المساعدة في الحصول على وظيفة.

لقد زرت مؤخرًا مجموعة من المتخصصين الذين يعملون على مقاومة التطرف الإسلامي واليميني وسألتهم كيف ستتعاملون مع منع التطرف البيئي. ربما ستطلبون من مدراء منظمة السلام الأخضر تقويم المخربين المتشددين؟ أو اختراق منظمة أصدقاء الأرض لإيجاد المجندين؟ أو ربما بناء نموذج جديد للكشف عن علامات التطرف المتنامي والذي قد يساعد الشرطة في اكتشاف علامات الإنذار المبكرة؟ لم يكن أحد متأكدًا, لكن لم تكن أي من هذه الفرضيات مناسبة.

حتى الآن, يبدو مستبعدًا أن صعود التشدد البيئي سيعني قتل المدنيين الأبرياء. وفقًا لإحدى الدراسات الأكاديمية, أقل من 10 في المائة من الحالات الإجرامية الأخيرة لجماعة حماة البيئة وحقوق الحيوان كانت ذات طبيعة "إرهابية" (يعني, استهداف الأفراد بعنف, وهو عنصر رئيسي للإرهاب). إنه في الغالب تخريب للممتلكات, أو عصيان مدني في الوقت الحالي, على الرغم من إنه من الصعب جدًا معرفة كيف يمكن أن تتكشف الأمور إذا واصل مناصرو حماية البيئة في مواجهة الفشل.

إن التنبؤ بالمستقبل دائمًا صعب, وتفاصيل هذا التحليل قد تكون خاطئة. لكن يجدر بنا التفكير في حركة حماية البيئة المتطرفة وكيفية التعامل معها مهما يكن. بخلاف ذلك, هناك خطر أن الشرطة, والحكومة, والإعلام, وصناعة مكافحة الإرهاب, التي مازالت تخوض حربها الأخيرة, سوف تعامل نشطاء حركة حماية البيئة المتطرفين كإرهابيين محليين. وسيكون هناك مراقبة مكثفة, وجهود حثيثة لـ"مقاومة التطرف." لقد شهدنا تلميحات على هذا في قمة العشرين في هامبورج, عندما تعهد وزير العدل الألماني, في أعقاب إحتجاج عنيف, بضخ المزيد من الأموال لمنع التطرف اليساري وكانت هناك دعوات لإنشاء "قاعدة بيانات خاصة بالتطرف." أنفقت الشرطة في المملكة المتحدة ثروة صغيرة لاختراق نشطاء حماية البيئة والتجسس عليهم. والنتيجة؟ عندما كُشفت محاولاتهم للمراقبة, أدى ذلك إلى تشدد آراء من تتم مراقبتهم. كان المتخصصون في مكافحة الإرهاب في إف بي آي متورطين في التحقيقات الخاصة بمحتجي ستاندينج روك.
إن تعريف الإرهاب – المختلف عليه بشدة والذي يختلف من بلد لآخر – مهم, ويكون عادة مسألة سياسية. سألت نيومان إذا كان ارتكاب الناشط البيئي لتخريب صناعي بدون خسائر بشرية من أجل تغيير سياسة الحكومة لتحسين استمرارية الكوكب يُعد "إرهابًا" حقيقيًا. أجاب, "هذا سؤال مخادع." وهو كذلك فعلًا. لكنه أيضًا سؤال ربما نُجبر قريبًا على مواجهته.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية التطرف الأخضر حماية البيئة

اضف تعليق