ما استراتيجية ميركل السحرية للفوز بانتخابات ألمانيا المقبلة؟


١١ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٢:٢٠ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر- الجارديان
ترجمة - شهاب ممدوح


كان لفرقة (Gerry and the Pacemakers) الغنائية -والتي عاصرت فرقة البيتلز في الستينيات- أغنية شهيرة اسمها: كيف تفعلها؟ (How Do You Do It). بينما يقترب موعد الانتخابات الألمانية, وفي الوقت الذي تتجه فيه أنجيلا ميركل على ما يبدو للاحتفاظ بمنصب المستشارية لفترة رابعة, يطرح السياسيون حول العالم هذا السؤال: كيف تفعل ميركل ذلك؟ فهي لا تتمتع بالكاريزما, ولا تجيد الخطابة, ووقعت في أخطاء سياسية كان يمكن أن تقضي على معظم السياسيين. ومع ذلك يبدو أنها لا تُهزم.

قبل عام ونصف -خلال ذروة أزمة اللاجئين- عقب حادثة التحرش الجماعي المرعبة بسيدة في محطة كولونيا للقطارات, لم يكن أحد يتوقع نجاة ميركل من تلك الأزمة. كان بعض الأعضاء في حزب ميركل "المسيحي الديمقراطي" يعقدون باستمرار أحاديث جانبية مع الصحفيين, يخبرونهم فيها بأن هناك انقلابا قريبا سيقع داخل الحزب يتم بموجبه تنصيب "وولفجانج شويبل"- وزير المالية ذي الشخصية القاسية- مستشارا مؤقتا لحين صعود نجم شخصية محافظة تقود الحزب والبلاد مرة أخرى إلى مبادئ المستشارين السابقين كونراد أدينور, وهيلمت كول.  

في وقت مبكر من هذا العام, صعد نجم الزعيم الجديد للحزب الديمقراطي الاجتماعي, مارتن شولتز, وهو ما جعله يعتقد لبضعة أسابيع أنه باراك أوباما الألماني. لكن منذ ذلك الوقت, بات شولتز شخصية مثيرة للشفقة, وأصبح يكافح للتغلب على العقبات التي تواجهه, ومازال يزعم:" أريد أن أكون مستشارا". لكن السؤال الوحيد الذي بات يشغل اهتمام المراقبين هو: هل سيكسب حزب الديمقراطيين الأحرار, والخضر ما يكفي من المقاعد لتمكين ميركل من تشكيل تحالف معهما بدلا من "التحالف الكبير" مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي تقوده- مع انقطاع قصير- منذ عام 2005؟

يمثل هذا التحالف الكبير أحد أسباب نجاح ميركل. فما الذي يدفع الناخبين للتصويت لشولتز بعد أن رأوا حزبه يلعب دورا ثانويا مواليا لميركل خلال كل هذه السنوات؟ السبب الآخر لنجاح ميركل هو وسطيّتها. فطبقا لنظام التمثيل النسبي في ألمانيا, ليس هناك مفرّ من تشكيل حكومات ائتلافية. وبما أن اليسار المتطرف -ممثلا في الحزب الشيوعي السابق "لينك" الذي لديه مقاعد في البرلمان-  واليمين المتطرف- الذي يمثله حزب البديل من أجل ألمانيا, الذي لا يمتلك أي مقاعد داخل البرلمان, لكنه يأمل في الحصول على نسبة 10 بالمائة من مقاعده- غير راغبين أو غير مؤهلين لتولي الحكم, فإن هذا يجعل أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط متشابهة ولا يمكن التمييز بينها. إن ميركل- المعروفة في ألمانيا باسم "موتي" أو الأم- ليس فيها ما يستحق الاعتراض, ولهذا لا تجد الأحزاب الأخرى غضاضة في تشكيل تحالف حكومي معها. فلقد شارك حزبي الديمقراطي الاجتماعي والديمقراطيين الأحرار بالفعل في تحالف معها, كما أن حزب الخضر يتلهّف للحصول على تلك الفرصة.  

ولكن ليس هذا السبب الوحيد لأن ميركل لديها وصفة سحرية للفوز: تبنّي أفكار الأحزاب المعارضة, ما يجعل ناخبي المعارضة يفقدون الرغبة في الذهاب لصناديق الاقتراع بسبب تشابه الشعارات ورتابة السباق الانتخابي. إذ أن ميركل فعلت ذلك عندما تخلّت عن الطاقة النووية عقب كارثة فوكشيما في اليابان, ما جعل حزب الخضر بلا قضية, وكذلك عندما وافقت على تطبيق حد أدنى للأجور, وهي القضية التي لطالما تبنّاها الحزب الديمقراطي الاجتماعي. لقد قدمت ميركل في الآونة الأخيرة أداءً مبدعا في هذا الشأن, وذلك عندما تخلّت عن مقاومتها لقضية زواج المثليين.

لقد كانت معارضة فكرة "الزواج للجميع" سمة مميزة للحزب المسيحي الديمقراطي وشريكه البافاري الحزب المسيحي الاجتماعي. وفي محاولة منه للحفاظ على التحالف الحكومي مع حزب ميركل, قمع الحزب الاجتماعي الديمقراطي كل محاولات حزب الخضر لطرح قضية زواج المثليين للتصويت في البرلمان. لكن عندما أعلن زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار أنه لن يدخل في أي ائتلاف حكومي لا يدعم زواج المثليين, في محاولة منه الحصول على أصوات المثليين, أعلنت ميركل- خلال حديث أدلت به لإحدى مجلات المرأة, وبدون استشارة حزبها- أنها تفضل طرح تلك القضية للتصويت في البرلمان, بحيث يصوّت أعضاء البرلمان وفقا لما تمليه عليهم ضمائرهم دون النظر إلى أراء أحزابهم.

بعد مرور أسبوع, أصبح زواج المثليين قانونيا في ألمانيا. لقد صوّتت ميركل نفسها ضد القانون, وهو ما يمثل رسالة إلى الجناح المحافظ في الحزب المسيحي الديمقراطي بأنها تقف إلى جانبهم, ومع ذلك, قالت ميركل خلال مقابلة موجهة للناخبين الذين سيصوّتون لأول مرة, بأنها فخورة بموافقتها على طرح القضية للتصويت في البرلمان, "بعد أن رأيت تحولا في أراء الأغلبية". إن شخصية ميركل ينطبق عليها ما كتبه الروائي النمساوي "ستيفان زويج" عن "جوزيف فوشيه", السياسي الفرنسي الذي كان ملكيّا, ثم أصبح مناصرا للثورة, ثم مؤيدا لـ نابيلون بونابرت, ثم عاد ليصبح ملكيّا مرة أخرى. حيث قال عنه "زويج" بأن " ولائه كان لحزب واحد فقط: الحزب الأقوى, وللأغلبية".  

إن حملة ميركل تدرك ذلك, بل أنها تحتفل به. فشعار حملة ميركل الانتخابية هو: من أجل عيشة طيبة وشعور بالرضا في ألمانيا. أخذت الحملة الانتخابية لميركل هذا الشعار الانتخابي الخالي من المعني وحوّلت الحروف الأولى من كلماته إلى هاشتاج على موقع تويتر باسم  #fedidwgugl . كما يوجد هناك منزل في برلين يتجوّل فيه الناس للتعرّف على برامج الحزب من خلال ألعاب الفيديو. هذا الهاشتاج هو فكرة عبقرية وساخرة, حيث تم تحويل السياسة إلى مجرد كلمة على الإنترنت, كما لو كانت ألمانيا والغرب لا يواجهان أخطارا وجودية, بداية من بوتين وصولا إلى الإرهاب الإسلامي, وكما لو أن فضيحة "ديزل جيت" لم تكشف عن أكاذيب شعار "التقدم عبر التكنولوجيا" وهشاشة القاعدة الصناعية الألمانية, وكما لو أن تدفق اللاجئين من جهة وصعود الشعبويين من جهة أخرى لم يهدد الشعور بالرضا الذي تمثله ميركل.

من الواضح أن ألمانيا باتت بحاجة إلى التغيير, وبقاء ميركل في السلطة كل هذا الوقت لا يؤهلها لقيادة ذلك التغيير. من المأمول أن تملك ميركل الحسّ السليم لتترك السلطة في منتصف فتره ولايتها المقبلة. ولكن مَن سيحلّ محلها؟ أن الشيء المفزع حقا بشأن ميركل هو عدم وجود خليفة لها.

أبرز مراحل ميركل السياسية
عام 1991
تعيينها وزيرة لشؤون المرأة في حكومة هيلميت كول, وهو أول منصب وزاري تشغله.

عام 2000
انتخابها لرئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي عقب الفضيحة المالية التي طالت هيلمت كول, وانتخاب وولفجانج وشيبل زعيما للحزب. وميركل تكتب مقالة تدعو فيها الحزب لفصل نفسه عن النظام القديم.

عام 2005
انتخاب ميركل كأول سيدة تشغل منصب المستشارية. وفوز الحزب المسيحي الديمقراطي وشريكة البافاري الحزب المسيحي الاجتماعي بنسبة 35,2 بالمائة من الأصوات, بزيادة تبلغ 1 بالمائة عما حصل عليه الحزب الديمقراطي الاجتماعي.

عام 2009
ميركل تعود للسلطة بعد حصول الحزبين المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي على 40 بالمائة من الأصوات. ميركل تشكّل تحالفا ضمّ حزب الديمقراطيين الأحرار.

عام 2013
ميركل تفوز بولاية ثالثة بعد حصول حزبها على 45,3 بالمائة من الأصوات, وتشكّل تحالفا حكوميا مع الحزب الاجتماعي الديمقراطي.

عام 2017
ميركل في طريقها لأن تعود لمنصب المستشارة للمرة الرابعة في هذا الشهر, وهو ما يعد حدثًا تاريخيًا.


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق