هل يشهد المجتمع الدولي جريمة إبادة جماعية جديدة في ميانمار؟


١٢ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٠:١٣ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
ترجمة - شهاب ممدوح
المصدر - The Indian Express


تعرّضت ميانمار في الآونة الأخيرة لهجوم شديد من جانب المجتمع الدولي بسبب ما يمكن اعتباره "إبادة جماعية" بحق مسلمي الروهينجا. تعتبر الأمم المتحدة مسلمي الروهينجا "الأقلية الأكثر تعرّضا للاضطهاد في العالم", والروهينجا هم مجموعة من البشر بلا جنسية ويتركّزون في غرب ميانمار, ويتعرّضون لهجمات وحشية من جانب الدولة والجيش البورمي. لقد وردت تقارير عديدة منذ شهر أكتوبر تتحدث عن حرق الجيش البورمي قرى الروهينجا, وعن حدوث حالات اغتصاب وقتل ترقى "للتطهير العرقي".

وبسبب تلك الأعمال الوحشية, فرّ نحو 10 آلاف من مسلمي الروهينجا لبنجلاديش من أجل الحماية. هذه ليست المرة الأولى التي يطلب فيها مسلمو الروهينجا الحماية من الحكومة البنجلادشية بسبب الاضطهاد الوحشي الذي يتعرّضون له في بلدهم. إن آخر مرة حدث فيها هروب جماعي للروهينجا من بلادهم كان في عام 2012, عندما اندلعت صدامات أهلية بينهم وبين السكان البوذيين, الذين عاونهم الجيش البورمي في وقت لاحق, في إقليم "راخين". وبالرغم من أن بنجلاديش تظل الوجهة المفضلة للروهينجا منذ عقود, إلا أنهم لجئوا أيضا لبلدان أخرى مجاورة. وفقا لتقرير صادر من الأمم المتحدة, هناك نحو 5,500 لاجئ روهينجي مسجلون في الهند في الوقت الراهن, ويعيشون في معسكرات بدائية في ظل ظروف غير مستقرة.  

المثير للاهتمام أنه بينما تعتبر بنجلادش الروهينجا لاجئين غير مرغوب بهم من ميانمار, إلا أن الأخيرة تعتبرهم مهاجرين سابقين من بنجلاديش, وهو ما يجعل تلك الجماعة التي يبلغ عددها نحو مليون نسمة عالقة في الهواء, من دون جنسية في أي بلد.

لماذا الروهينجا مكروهون في ميانمار؟
بالرغم من أن البوذية هي الديانة التي يؤمن بها غالبية شعب ميانمار في الوقت الراهن, إلا أنه يُعتقد أن هذه المنطقة كانت موطنا لمجتمع مزدهر متعدد الأعراق خلال الألفي عام السابقة. يعود النفوذ الإسلامي في ميانمار إلى القرن الخامس عشر. ومع ذلك, فإن جذور الذين يسمون أنفسهم الروهينجا أكثر تعقيدا, وهو ما يجعل وجودهم داخل حدود ميانمار يمثل مشكلة بالنسبة للغالبية البوذية في ميانمار.

ترجع أصول الروهينجا إلى الأشخاص الذين جلبتهم الحكومة الاستعمارية البريطانية إلى منطقة غرب ميانمار (عُرفت في السابق باسم آراكان, ويُطلق عليها اليوم اسم راخين) عندما احتلت بريطانيا بورما في عام 1824. ومعظم هؤلاء كانوا ينتمون إلى منطقة "شيتاجونج" الواقعة في دولة بنجلاديش المعاصرة, وقد جلبهم البريطانيون إلى ميانمار للعمل في المزارع.

إن الزيادة الهائلة في أعداد هؤلاء المهاجرين الذين دخلوا منطقة آركان, أثارت حنق السكان المحليين الذين تحركت بداخلهم النزعة الوطنية بقوة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بوقت قصير, غادر البريطانيون بورما وتبعهم عدد كبير من السكان الهنود الذين جلبهم البريطانيون أيضا لبورما. مع ذلك, لم يمرّ وقت طويل حتى اندلعت اشتباكات بين السكان البوذيين المحليين و المسلمين البنجلادشيين الذين بقوا هناك. شكّل العديد من المسلمين جماعات تطالب بدولة مستقلة لهم, أو الانضمام لدولة باكستان الشرقية التي تشكّلت حديثا. وبمرور الوقت, اكتسب مسلمو الروهينجا صفة المقيمين الأجانب في دولة بورما المشكّلة حديثا والتي تقطنها غالبية بوذية.

كيف عملت الحكومة البورمية على ترسيخ التمييز ضد الروهينجا عبر مؤسساتها؟
صادقت الحكومة البورمية في عام 1982 على قانون المواطنة الذي يعتبره المجتمع الدولي تمييزيا وغير عادل. إن ذلك القانون الذي منح الجنسية الوطنية فقط للبورميين الذين يملكون دليلا على أن أسلافهم كانوا يقيمون في بورما قبل الحكم الاستعماري البريطاني, هو خير دليل على التمييز المؤسساتي ضد الروهينجا. لقد وجد المسلمون أنفسهم مصنفين كـ "مواطنين منتسبين".

لقد حرمت القوانين الخاصة بالمواطنين "المنتسبين" الروهينجا من تولي أي منصب حكومي, وسلبت منهم العديد من حقوق المواطنة. وكان هناك بعض المواد التمييزية التي قيّدت من حركتهم, وحتى من زواجهم, كما فرضت الحكومة البورمية رقابة مشددة على معدلات إنجابهم وعملت على الحدّ منها.  
ومع تغيير قوانين المواطنة, اندلعت أعمال مسلحة هدفها تدمير قرى المسلمين ومساجدهم, وتبع ذلك نزوح كثيف للروهينجا باتجاه الدول المجاورة, خاصة بنجلاديش والهند.

ما يزيد من حالة الالتباس بشأن وضع الروهينجا في ميانمار هو عدم اعتراف البوذيين في منطقة راخين بالهوية البورمية للروهينجا. فوفقا لمعظم البوذيين, فإن "الروهينجا" هي هوية دينية مزيّفة. يستشهد البوذيون بوثائق تاريخية وسجلات الأسلاف كدليل على انه لم يكن هناك مطلقا شعب باسم "الروهينجا" في التاريخ البورمي. وهي مزاعم لم يتحقق منها الباحثون والمؤرخون بعد. لكن المؤكد هو أنه منذ الخمسينيات حظي ذلك المجتمع ذو الثقافة واللغة المميزة في غرب ميانمار بالاعتراف, وبات يعتبر نفسه "الروهينجا".

وفي تصريح ل "الجزيرة" بشأن إنكار الحكومة البورمية لهوية الروهينجا, قال البروفيسور "ويليام شكاباس", الخبير في التطهير العرقي,"إن إنكار هوية هؤلاء الأشخاص, أملا في زوالهم من الوجود في نهاية المطاف, وإنكار تاريخهم, وحقهم في العيش في أرضهم, كلها تشير إلى أنه ليس من العبثي استخدام كلمة (إبادة جماعية) لوصف ما يحدث".

لماذا اندلعت مصادمات عرقية في أكتوبر عام 2016؟
في التاسع من شهر أكتوبر عام 2016, تعرّضت ثلاثة مواقع حدودية بين ميانمار وبنجلاديش لهجوم شنّه مسلحون إسلاميون, ما أدى لمقتل تسعة من رجال الشرطة. أفادت التقارير بأن الهجوم شنّته "منظمة التضامن مع الروهينجا". وفي أعقاب ذلك الهجوم بفترة وجيزة, شنّ الجيش البورمي عملية عسكرية لمكافحة الإرهاب.

خلال الأشهر التالية, قُتل نحو 100 روهينجي, وتم اعتقال آخرين, وتم إحراق نحو 1200 منزل يقطنها الروهينجا. أشارت التقارير إلى أن ضباطا من الجيش البورمي اغتصبوا ما يزيد على عشر نساء واعتدوا عليهن تحت تهديد السلاح. كما تم منع دخول المساعدات الإنسانية في المناطق التي تعرّضت للهجوم العسكري, فضلا عن فرار قرابة 30 ألف شخص خشية على حياتهم. معظم الذين تعرّضوا للاضطهاد هم من مزارعي الأرز, والتجار البسطاء الذين كانوا يعيشون في فقر مدقع.

لكن الحكومة البورمية نفت مزاعم قيامها بعمليات اغتصاب واعتداء, وأشارت إلى أن الروهينجا أنفسهم حرقوا منازلهم من أجل كسب التعاطف الدولي. ووفقا لما قالته مستشارة الدولة "أون سان سوكي", فإن المهاجمين كانوا جهاديين, وأن الحصار الذي فرضه الجيش هو وسيلة لضمان أمن الدولة ضد المنظمات المتطرفة في المنطقة.

كيف كان رد المجتمع الدولي على الأزمة؟
وصفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" القمع العسكري ضد الروهينجا بأنه حالة  من "التطهير العرقي", بينما أعلن مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بأن الأزمة في تلك الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا "قد ترقى إلى كونها جريمة ضد الإنسانية". وصل الأمين العام السابق للأمم المتحدة "كوفي عنان" في نوفمبر من عام 2016 إلى ميانمار مع فريقه للتحقق من الصراع المسلح, وقد كان في استقباله محتجون رافضون للتدخل الأجنبي في بلادهم.

كما عقد رئيس الوزراء الماليزي, نجيب رزاق, في مطلع شهر ديسمبر عام 2016 تجمّعا شعبيا احتجاجا على التعذيب الذي يتعرّض له الروهينجا. وقال رزاق:"لا يمكن للعالم أن يقف صامتا وهو يرى إبادة جماعية تحدث". وفي شهر نوفمبر, نُظمت احتجاجات في دكا في بنجلاديش, حيث تجمّع 5 آلاف مسلم أمام مسجد "بيتول مكرّم" لاستنكار الهجوم العسكري في ميانمار, وتقاعس "أونج سان سوكي". كما طالب المتظاهرون الحكومة البنجلادشية بتوفير ملاذ للروهينجا. كما عُقدت مظاهرات مماثلة في جاكرتا وبانكوك أيضا.

لقد استرعي الهجوم ضد الروهينجا سريعًا اهتمام الجهاديين حول العالم, ما يجعل الأرض ملائمة لنمو التطرف. لقد شعر الغرب بالقلق الشديد من إمكانية تحوّل الصراع إلى أرض خصبة للإرهاب الديني ردًا على وحشية ميانمار, كما حث الغرب الدول المجاورة ذات الغالبية المسلمة على إبداء مقاومة شديدة للقمع الذي يتعرّض له الروهينجا.  


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق