كيف تؤدي الأخبار المزيّفة إلى تفجير الأوضاع في الشرق الأوسط؟


١٤ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٨:٣٠ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر- الإندبندنت
ترجمة - شهاب ممدوح


نظرية المؤامرة ليست ظاهرة جديدة في منطقة الشرق الأوسط. حيث استعانت العديد من الحكومات والمنظمات المؤثرة في المنطقة -إن لم يكن كلها- لزمن طويل بقوة التضليل والدعاية, والتي لا تربك الأعداء فحسب, بل تُبقي المواطنين في حالة من عدم اليقين. 

إن أفاق الإنترنت الرحبة باتت تسهّل من عملية طمس الدوافع الخفية أكثر من أي وقت مضى. لقد نجحت القصص الروسية التي نشرتها كتائب من المتصيدين (trolls) وحسابات التغريد الآلي على تويتر بصورة مذهلة في حرف انتخابات 2016 الأمريكية عن مسارها, وأثبتت أننا نعيش في عصر ما بعد الحقيقة.

لا يُعرف حتى الآن مدى تأثير هذه البيئة الجديدة من الأخبار المزيفة على منطقة الشرق الأوسط. فهذه المنطقة لديها شهية لأنصاف الحقائق, وفي مقابل ذلك ازدادت وسائل نشر التضليل السياسي تطورًا, وهو ما قد يؤدي إلى نتائج مدمّرة.

يقول الدكتور "جان مارك ريكلي" الزميل الباحث في مركز جنيف لسياسات الأمن وفي كلية كينجز في لندن, إن هناك احتمال كبير باندلاع صراع جديد في تلك المنطقة التي تزداد فيها حدة الاستقطاب. ويضيف الباحث, قائلا:"تزداد أهمية القوة التفجيرية المحتملة للأخبار المزيفة في المجتمعات غير المستقرة, أو الضعيفة, أو التي يسودها انقسام على أساس طائفي في المقام الأول".

ويتابع بقوله "عندما تستهدف الأخبار المزيفة هذا الجانب من الهوية, فإنه يصبح لديها قدرة كبيرة جدا على حشد الجماهير". 
في لبنان, يشعر العديد من الأشخاص بالتوتر نتيجة للوضع المتزعزع في سوريا, والصخب الإعلامي بشأن حدوث حرب جديدة بين حزب الله وإسرائيل.

من الشائع أن يقوم اللبنانيون بمشاركة آخر الأخبار ورسائل أخرى عبر تطبيق "واتس آب" أو عبرالرسائل النصيّة, وذلك من خلال نسخ النصّ وإرساله لآخرين على قائمة الاتصال في هواتفهم. وفي هذا السياق, انتشرت مؤخرا قصة مزيفة أثارت الدهشة لدى البعض.

"عاجل, اختطف حزب الله ضباطا كبار يعملون في الاستخبارات الإسرائيلية الموساد" تقول الرسالة التي زُعم أنها من وكالة رويترز الإخبارية.

ونقلت الرسالة عن ضابط إسرائيلي في الاستخبارات الإسرائيلية لم يذكر اسمه قوله إن إسرائيل قررت مهاجمة حزب الله في لبنان ردًا على خطف ضباط الموساد.
"نحن لن نكون مسؤولين عن النتائج المترتبة, وذلك بسبب احتضان الشعب اللبناني لإرهابي حزب الله" حسبما يقول الاقتباس المزيف.

وبالرغم من أن اللغة المستخدمة في هذه الخبر العاجل المفترض -الذي افتقر للعديد من العناصر التي تميّز القصص الإخبارية الاعتيادية- كانت تبدو بوضوح أنها مزيّفة لأي شخص لديه خبرة إعلامية, إلا أن محتوى الرسالة كان مثيرا للقلق.

من غير الواضح كم هو عدد الأشخاص الذين وصلتهم تلك الرسالة, وما إذا كانت الرسالة تستهدف أشخاصا يعملون في وظائف معينة, أو ينتمون لطبقة اجتماعية أو منطقة جغرافية بعينها - ولعل أكثر ما يثير القلق هو ما هو مصدر تلك الرسالة؟

قد يكون ذلك من فعل شخص مخادع حصل على قائمة للمشتركين في شركات الاتصالات, أو ربما كان هناك تورط للاعبين كبار لديهم دوافع أكثر طموحا. من دون معرفة الجمهور المستهدف لهذه الرسالة, سيكون من المستحيل معرفة هوية المُرسِل.

إن الاستخبارات الإسرائيلية تتمتع بمستوى متطور جدا يجعلها لا تنخدع بأخبار مزيفة مثل تلك التي تحدثت عن خطف ضباط للموساد, حسبما يقول "بين نيمو" العضو في معمل البحوث الجنائية الرقمية في مؤسسة "المجلس الأطلنطي".

لكن جهاز الاستخبارات السرّي التابع لحزب الله لا يمتلك على الأرجح نفس المستوى المتطور من الموارد والعناصر البشرية مقارنة بالموساد, كما أن نصّ الرسالة يمتلك بعض أوجه التشابه مع "الدعاية الموجهة بدقة" في أوكرانيا, والتي يقول عنها السيد "نيمو" أنها تشبه "النسخة التكنولوجية المتطوّرة من المنشورات التي تلقيها الطائرات في أرض العدو".

في منطقة دومباس, يتم إرسال رسائل تهديد لهواتف جنود الجيش الأوكراني, على أمل إخافتهم ودفعهم لترك مواقعهم. وبالرغم من أنه ليس هناك من شك بأن مصدر تلك الرسائل هو روسيا, إلا أن تلك الرسائل تأتي من محاكيات أبراج إرسال خلوية لا يمكن تعقبها, تحاكي أبراج الهاتف الخليوي المحلية. 
إن طرفي الصراع, حزب الله وإسرائيل, ليس لديهما حافز للدخول في حرب- فالحزب اللبناني والدولة اليهودية مشغولان بصورة كبيرة بالحرب في سوريا المجاورة- لكن يكفي أن يستقبل المسؤول الخطأ أو وحدة عسكرية مرابطة على الحدود رسالة نصيّة مماثلة, أو أن يصدّقا محتواها, حتى تنفجر الأوضاع. 

 إن تلك الرسالة النصيّة, على أية حال, تستند إلى سياق واقعي يمكن تصديقه: الظروف اللازمة لحرب عام 2006 بين الطرفين كانت نتيجة للمحاولات الفاشلة التي نفذها حزب الله في عام 2005 بهدف اختطاف جنود إسرائيليين.

"إن أقوى التقارير الإخبارية المزيفة هي تلك التي تستند إلى أمر موجود, ثم تحيد بعد ذلك عن الحقيقة" كما يقول السيد ريكلي.

هناك عدد من الصراعات المستعرة بالفعل في منطقة الشرق الأوسط. لكن ما نراه اليوم, بالنظر إلى الأحداث الأخيرة, هو بروز أساليب جديدة لنشر الأخبار المزيفة, ليس بهدف خلق حالة من الارتباك وفقدان الثقة وسط المجتمع فحسب, بل للتأثير على الأحداث على مستوى الدول.

الأزمة الدبلوماسية الراهنة في الخليج هي خير دليل على ذلك: فالأزمة المستمرة منذ ثلاثة أشهر اندلعت, في جزء منها , بسبب نشر أخبار مزيفة زرعها مقرصنون في وكالة الأخبار القطرية. 
  قالت قطر حينها إن السرعة التي روّجت بها الدول المجاورة التصريحات المنسوبة  للأمير تميم بن حامد آل ثاني بشأن إيران وإسرائيل- وحقيقة استمرار العديد من وسائل الإعلام التابعة للدول الإقليمية في نشر تلك التصريحات المزيفة حتى بعد إصدار قطر بيانا تشرح فيه عملية القرصنة- تظهر أن هناك شيئا مريبا. 

الخلاف الخليجي مازال مستمرا, وتبعاته الجيوسياسية الهائلة لم تُفهم تماما بعد. "إن خلق ’حقائق بديلة‘ هو الهدف النهائي لسياسات ما بعد الحقيقة" حسبما يقول الدكتور ريكلي.

"هذه الأساليب المستوحاة من زمن الحرب الباردة, والتي تستخدم ’قوة السياسات‘ بدلا من ’سياسات القوة‘ يمكن استخدامها بفعالية كبيرة في المنطقة" يضيف الدكتور ريكلير.   


للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق