هل إسانيا على أعتاب حرب أهلية؟


٢٩ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٠:٣٩ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - فو رين بوليسي

ترجمة - آية سيد

 



 لخمسة أعوام، كانت الحكومة الإسبانية وإقليم كتالونيا يختبران شجاعة بعضهما البعض فيما يتعلق بسعي الإقليم للاستقلال. ويبدو أن كليهما لا ينويان التوقف قبل لحظة الاصطدام.

في 1 أكتوبر، تخطط الحكومة الكتالونية لإقامة استفتاء حاسم على الاستقلال. ينص قانون الاستفتاء الذي مرره البرلمان الكتالوني أن التصويت بـ"نعم" سيترتب عليه إعلان الاستقلال "في غضون يومين" – متجاهلين تمامًا حقيقة أن الأساس القانوني للاقتراع تم تعطيله من طرف المحكمة الدستورية الإسبانية.

بشكل ما، إعلان الحكومة الكتالونية الخاص بالاستفتاء يُظهر قطارًا يقترب من مفترق طرق على المسار.

منذ 2012، واجهت إسبانيا قيادة إقليم كتالونيا الموالية للاستقلال برفض أي حوار على السيادة. الآن، تبدو عازمة على استعراض قوتها. تعمل السلطات والشرطة الإسبانية على منع حدوث الاستفتاء تمامًا. لقد ميّزت الحملات على مقرات الحكومة الكتالونية، والتي أدت إلى القبض على 14 شخصًا، يوم 20 سبتمبر تصعيدًا مفاجئًا في جهود التحقيق، والتي كانت في السابق مقتصرة على مصادرة الملصقات وبطاقات الاقتراع والبحث عن صناديق الاقتراع التي تزعم الحكومة الكتالونية شراءها.

ما لم يتضح بعد هو إلى أي مدى الحكومة الوطنية ملتزمة بفرض نتيجتها المفضلة. إن قوة القانون الكاملة التي تقع تحت تصرف مدريد هائلة. يمكنها، على سبيل المثال، طرح مادة في الدستور تعطل الحكم الذاتي للإقليم المتمرد، وتستولي على حكومة كتالونيا. 

لكن فرض حصار على الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء الكتالوني كارلس بوتشدمون ربما يتطلب جنودًا على الأرض. وفي حين أن رجال السياسة الإسبان لم يخجلوا من إرسال أعداد أكبر من قوات الشرطة إلى كتالونيا في الفترة التي تسبق الاستفتاء، إلا إنهم تجنبوا استخدام الجيش في هذه الظروف. إن فعل هذا سيكون بمثابة تكرار لأفعال نظام فرانكو الديكتاتوري الذي حكم البلاد لمعظم القرن العشرين، وهو ما سيضعف الدعم الذي تحظى به الحكومة الوطنية – وليس في كتالونيا فقط.

يعتقد الكثير من المواطنين الإسبان أن عناد ماريانو راخوي، رئيس الوزراء المحافظ, هو المسؤول عن الانقسام السياسي المتزايد. إن الطريقة التي تجمع بها عشرات الآلاف من المتظاهرين حول مباني الحكومة الكتالونية بينما كان ضباط شرطة الحكومة المركزية يبحثون عن المركز اللوجيستي للاستفتاء يوم الأربعاء الماضي تُظهر أن مشاعر الغضب ترتفع على نحو خطير.

قال جوردي تورول المتحدث باسم الحكومة الكتالونية "إذا كان الحل النهائي للدولة الإسبانية هو الدبابة؛ فنحن ربحنا بالفعل."

يصر راخوي على أن الاستفتاء لن يحدث, مستشهدًا بعدم شرعيته. لكن عزوف مدريد عن استخدام القوات الأمنية لغلق مراكز الاقتراع يشير إلى أن الاقتراع سيحدث بطريقة ما. هناك سابقة في "العملية التشاركية" في كتالونيا عام 2014, والتي شهدت تصويت 2,3 مليون كتالوني في اقتراع حظره القضاء الإسباني.

إذا حاولت قوات الأمن إحباط الاستفتاء عن طريق حصار مراكز الاقتراع أو اتخاذ تدابير مشابهة أخرى، تعهد حزب "ترشيح الوحدة الشعبية" اليساري, وهو عنصر حيوي في الأغلبية الموالية للاستقلال في برلمان كتالونيا رغم صغر عدده، تعهد بتنظيم عصيان مدني واسع النطاق. هذا يرقى إلى تهديد حقيقي للنظام العام, نظرًا للإقبال الضخم على المظاهرات السلمية حتى الآن في شوارع برشلونة المؤيدة للانفصال على مدار النصف عقد الماضي.

آرتر ماس، رئيس الوزراء الكتالوني الذي أجرى الاقتراع غير الشرعي في 2014، مُنع من تولي مناصب عامة بسبب عصيانه لمحاكم إسبانيا. في أغلب الاحتمالات، سوف يحدث الشيء نفسه مع بوتشدمون وباقي الوزراء، الذين وقعوا بشكل رسمي على المرسوم الذي يتيح الاستفتاء الجديد. يقول المسئولون في برشلونة إنهم سيتجاهلون هذه الأحكام لأن تكليفهم ينبثق فقط من إرادة الشعب الكتالوني عبر برلمان الإقليم. 

إذن أين ستصبح إسبانيا يوم الإثنين 2 أكتوبر؟ يبدو من المرجح أن الحكومة الكتالونية ستمضي في الاستفتاء بطريقة ما وأن النتيجة ستكون في صالح الاستقلال, بالنظر إلى قرار أعضاء النقابات بمقاطعة الإجراءات. سوف يحتفل القوميون الكتالونيون على الأرجح, على الرغم من أن حماسهم قد يخمد إذا كان الإقبال أقل من 50 في المائة. إذا أخفق الاقتراع في تحقيق الحد الأدنى غير الرسمي من النجاح, ربما يختار بوتشدمون الدعوة لانتخابات إقليمية مبكرة, وهي الانتخابات القانونية الوحيدة المتاحة لإظهار قوة القضية الإنفصالية. 

إذا جاءت النتيجة في صالح الاستقلال الكتالوني على نحو أكثر حسمًا, سيكون على الحكومة الإقليمية تقرير إلى أى مدى تدفع القضية. نظريًا, الموافقة سيترتب عليها قانون ستصبح كتالونيا بموجبه "جمهورية شرعية وديموقراطية واجتماعية" تمتلك سلطة رفع الضرائب ومصادرة ما كان ممتلكات ومؤسسات إسبانية مع صياغة دستور كامل من أجل الاستفتاء القادم خلال عام. سوف تواصل محاكم إسبانيا إحباط هذه الإجراءات لكونها غير شرعية حسب التعريف الإسباني, لكن قادة كتالونيا الحاليين يطالبون بالحق, في حالة الانتصار في الاستفتاء, في وضع برلمانهم فوق قوانين دولة إسبانيا المركزية. 

ربما يختارون الرد بطريقة براجماتية أكثر. بدأت إدارة راخوي مؤخرًا في إحداث ضجة خلف الكواليس للتلميح بإنها مستعدة لمراجعة الطريقة التي تنقل بها الحكومة المركزية السلطة إلى الأقاليم المستقلة ذاتيًا. بعد الاستفتاء, ربما تختار الحكومة الكتالونية التعامل والتفاهم عن طريق المشاركة في عملية المراجعة, من موقف قوة متصورة.  

لكن هناك عقبات كثيرة أمام وجود حل بالتفاوض.

منذ خمسة أعوام, سافر ماس رئيس الوزراء حينها إلى مدريد لطلب عقد اتفاق مميز مشابه للذي يتمتع به إقليم الباسك والذي يحصل بموجبه على نفقات حكومية مساوية للعائدات الضريبية التي يقدمها. رفض راخوي الفكرة جملةً وتفصيلًا. إن الجيل الجديد من القوميين الكتالونيين ليسوا مهتمين بحكم ذاتي متزايد أو باقة مالية أفضل من الحكومة المركزية بقدر ما كان آباؤهم مهتمين؛ إنهم يريدون تقرير مستقبلهم. لقد انقضت اللحظة المثالية لاتفاق متفاوض عليه. تُظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن الأغلبية العظمى من الكتالونيين يريدون استفتاءً رسميًا على الاستقلال, على الرغم من أن الكثيرين قد يصوتوا ضده.

سيتوقف الكثير على سؤال ماذا بالضبط يريد بوتشدمون ومن في حكومته. مثل زميله ماس من قبله, أجج بوتشدمون نيران التوقع بأن الاستقلال إمكانية في متناول كتالونيا, وليس طموحًا افتراضيًا ينبغي العمل عليه بخطوات معقولة. يبدو أن كلا الرجلين في طريقهما للاستشهاد القانوني حيث أن القضاء الإسباني مزق ببطء إطار كتالونيا القانوني الزائف للاستقلال. 

لكن هذا الاستشهاد ربما يكون بيت القصيد. إن الطبيعة المتعنتة لما يُسمى الاضطهاد القانوني تُعد سببًا آخر لاستمرار حركة الاستقلال على أمل إقناع الجهات الفاعلة الدولية بالضغط على إسبانيا. في حين أن الشخصيات السياسية العالمية لم تكشف حقيقة موقفها بعد من الأزمة الكتالونية, المقالات الإفتتاحية الأخيرة في صحيفتي نيويورك تايمز ولوموند التي تدعو إسبانيا للسماح بإقامة الاستفتاء عززت تلك الآمال.

إن النتيجة الأكثر ترجيحًا للاستفتاء هي نتيجة مقلقة: إمتداد لحالة الواقع المزدوج الحالية, حيث تواصل القوى الموالية للاستقلال مطلبها الخيالي عن طريق إعادة تسمية المؤسسات القائمة, بينما يتقدم الطاغوت القضائي الإسباني, مستعيدًا الأمور على الورق, إن لم يكن في قلوب وعقول الكتالونيين. كانت الحكومة الكتالونية قد رسمت خارطة طريق للاستقلال والتي تسمح لسكان الإقليم بالاحتفاظ بصفتهم الإسبانية مع طلب الجنسية الكتالونية إذا أرادوا. إنه اعتراف خفي بإنه حتى في حالة الفوز, سيبقى الاستقلال منطقة رمادية في أفضل الأحوال في المستقبل القريب.

في مرحلة ما, هذه الحقائق المتشعبة ستتواجه. ليس في وسع إسبانيا سوى أن تأمل أن تكون هذه المواجهة على طاولة مفاوضات سياسية, وليس على جانبي متاريس.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق