ما هى الدوافع الحقيقية وراء سلوك رئيس كوريا الشمالية؟


٠٥ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٦:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - بروكنجز

ترجمة - شهاب ممدوح


ما تزال كوريا الشمالية تتصدّر العناوين الرئيسية, وسط تصاعد المخاوف بشأن التقدم المثير للقلق الذي أحرزته في مجال تصنيع الأسلحة النووية.

إن الخطاب التحريضي الصادر من واشنطن وبيونج يانج, وإجراء كوريا الشمالية تجربتين لصاروخين باليستيين عابرين للقارات, وتجربتها النووية السادسة والأكبر من نوعها, كل هذا دفع الولايات المتحدة لاستعراض قوتها, عبر إرسال طائرات قاذفة من طراز B-1B والتي حلّقت فوق أبعد نقطة على الإطلاق تبلغها أي مقاتلة أو قاذفة أمريكية في القرن الـ21 في شمال المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين.

بالرغم من الكلام القاسي بشأن "الخيارات العسكرية" الذي صدر عن الرئيس ترامب ومسئوليه خلال الأشهر العديدة الماضية , إلا أن الزعيم الكوري الشمالي "كيم جونج أون" يواصل تحديه للمجتمع الدولي. وفي خضمّ هذا التوتر المتصاعد, أصدر الرئيس الكوري الشمالي بيانا نادرا, إن لم يكن غير مسبوق, موجّه بشكل خاص للرئيس الأمريكي, حيث وصف فيه ترامب بــ"المختل عقليا". إن سلوك الزعيم الكوري -فضلا عن التوتر المستمر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية- يثير المخاوف بشأن إمكانية اندلاع حرب نووية أو صراع عسكري دموي.

كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وما الذي يدفع كيم يونج اون للتصرف على هذا النحو؟ وكيف نفسّر استفزازات كوريا الشمالية في هذا الصيف؟

سجلّ عدواني
في الواقع, لقد كان "كيم يونج" يسعى حثيثا للحصول على تلك الأسلحة النووية المتقدمة منذ مجيئه للسلطة في ديسمبر عام 2011. وفي الآونة الأخيرة, أصبح هذا الزعيم الكوري أكثر تضخّما, وشرّا, وجرأةً.

لقد أجرى كيم يونج أون, على مدى السنوات الست الماضية, أربع تجارب نووية, واختبر 90 صاروخا باليستيا, وهو ما يزيد على مجموع كل التجارب التي أجراها والده وجده. لكنه لم يلتق, خلال تلك السنوات الست, بأي زعيم دولة أجنبية, حيث اقتصرت أبرز لقاءاته مع الأجانب على طاه ياباني يصنع السوشي, ولاعب كرة السلة الأمريكي "دينيس رودمان". كما أنه رفض أيضا محاولات صينية لإعادة بناء العلاقات, ورفض الانخراط مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

لكن والده, كيم جونج إيل, على الجانب الآخر, ساوم وتفاوض مع الولايات المتحدة, وكوريا الجنوبية, واليابان, وتشدّق,على أقل تقدير, بكلام معسول بشأن نزع السلاح النووي, واحتفظ بعلاقات طيبة مع الصين, الراعي الرئيسي لبلده.

الصفات الشخصية تهمّ. فمن غير المرجّح أن يتراجع "كيم يونج أون", وأن يأتي إلى طاولة المفاوضات في ضوء تصريحات ترامب المفعمة بالتحدي. فهو يرغب في أن يبدو قويا داخل كوريا وخارجها, ويريد أن يُظهر مَن هو الذي يقود الأحداث في شبه الجزيرة الكورية. في الواقع, يتمتع الزعيم الكوري الشمالي بخبرة في مجال القيادة السياسية المحلية والدولية أكثر من تلك التي يمتلكها ترامب, الذي يشغل منصب الرئيس منذ أقل من عام, ومن الرئيس الكوري الجنوبي "مون جاي إن", الذي شغل منصبه في شهر مايو.

إن بيان "كيم يونج أون" الذي يصف فيه ترامب بأنه "مختل عقليا" ويتوعّد فيه باتخاذ" أعلى مستويات الإجراءات المضادة القوية في التاريخ" يُظهر أن "كيم" أمسك بزمام هذه المواجهة, وأنه سيدافع بمفرده-باعتباره زعيم كوريا الشمالية- عن نجاة بلده وكرامتها. يميل "كيم" أيضا نحو المواجهة, وهو يرغب في الفوز, كما يقول طبّاخ السوشي السابق لدي عائلة "كيم", وكما يُظهر سلوك "كيم" الأخير. إن كيم يونج أون لم يترعرع داخل شرنقة من الرغد والامتيازات فحسب, لكنه ورث أيضا أسلحة نووية متطوّرة ربما عزّزت من ميوله نحو توبيخ حتى الرئيس الأمريكي ومشاكسته.

دعونا لا ننسى أن النظام الكوري أظهر حساسية مفرطة تجاه أي نقد موجّه ضد كيم يونج اون ذاته. على سبيل المثال, في عام 2014, قال النظام إن عرض فيلم "المقابلة"-فيلم كوميدي يصور محاولة اغتيال كيم- سيكون "إعلانا للحرب". كما هدد قراصنة كوريين شماليين أيضا بشنّ هجمات تشبه هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضد دور السينما التي عرضت الفيلم.

إن حسابات "كيم" قادته على الأرجح للاعتقاد بأنه يستطيع تجاوز هذه العتبات الكبرى من دون التعرض لعواقب خطيرة, وذلك لأنه, أولا, رأي الرئيس الأمريكي وهو يتعرّض لانتقادات محلية ودولية, وثانيا, لأنه رأي أن التحالف بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة يبدو مهتزّا.

في غضون ذلك, صرّحت الصين وروسيا علنا بأنهما لن تسمحا بزعزعة الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية, وذلك للتخفيف من أثر بعض جوانب العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية, كما حذرت الدولتان من مغبة أي عمل عسكري أمريكي ضد بيونج يانج. هذه التصريحات أرسلت إشارة إلى "كيم" مفادها أن الصين وروسيا قد تمثلان حماية ضد أي عقوبات تزعزع الاستقرار, وضد أي هجوم أمريكي أو كوري جنوبي محتمل.

من المهم ملاحظة أن "كيم" زادت جرأته بشكل عام. فقد أفلت من العقاب  كثيرا منذ ديسمبر عام 2011:عشرات التجارب لإطلاق الصواريخ, وتجارب نووية, والهجوم المحتمل بغاز الأعصاب ضد أخيه غير الشقيق في ماليزيا, وحادث انفجار لغم أرضي في عام 2015 في المنطقة المنزوعة السلاح, والقرصنة الإلكترونية ضد شركة سوني في عام 2014, والمعاملة السيئة التي أدت لوفاة المواطن الأمريكي "أوتو ورمبير". كما أنه أجرى عمليات تطهير ضد قادة كوريين شماليين كبار, بما في ذلك إعدام عمّه, جانج سونج ثايك في عام 2013, لردع أي معارضة محتملة ضد حكمه.

وأخيرا, بالرغم من عدوانية كيم, إلا أن ذلك لا يعني أنه متهوّر أو "رجل مجنون". في الواقع, هو يعرف كيف ومتى يضبط مواقفه. لاحظوا أن بيانه الشخصي هدد "بأعلى مستوى" من الإجراءات المضادة ردًا على تهديدات ترامب, لكنه لم يقل متى أو كيف, وهو ما يتسق مع أسلوب بيونج يانج السابق في الحفاظ على الغموض وعلى خياراتها, بما في ذلك أنشطتها الدبلوماسية, والعملية, أو السريّة.

إذاً, بالرغم من أننا لن نتجه على الأرجح نحو حرب نووية أو نزاع عسكري في المستقبل القريب, إلا أنه يتعين علينا أن نقلق من الدروس التي يتعلّمها كيم من آخر حلقات مسلسل "ترامب  في مواجهة كيم" وكيف أن هذه الدروس قد تزيد من إمكانية حدوث مواجهة مميتة, أو ارتكاب خطأ في الحسابات قد يخرج بسرعة عن السيطرة.

أولا: تهديدات الرئيس ترامب تعزز من رواية كوريا الشمالية عن وجود عالم خارجي "معاد" لها, وبأن الولايات المتحدة مصممة على تدمير كوريا الشمالية. من غير المرجح أن يتخلى كيم عن سلاحه النووي الرادع, حيث تشكّل تهديدات ترامب تذكيرا جديدا بما يمكن أن يحدث للدول التي تتخلى عن أسلحتها النووية. ومع بلوغ أجيال جديدة من الكوريين الشماليين مرحلة النضوج في كوريا الشمالية النووية, أخشى أن محاولة نزع سلاح كوريا النووي ستكون حلما ساذجا.

ثانيا: حتى لو توصلت كوريا الشمالية والولايات المتحدة لاتفاق, فإن كيم ليس لديه سبب للاعتقاد بأن هذا الاتفاق قد يصمد رغم تعاقب الإدارات الأمريكية, نظرًا إلى انتقاد ترامب الحاد وحديثه عن "مراجعة" الاتفاق النووي مع إيران. الرسالة مدوّية وواضحة:لا يمكن الثقة في الولايات المتحدة.

ثالثا: التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ليس عصيّا على الاختراق. حيث نشر الرئيس تغريدة على موقع تويتر ينتقد فيها اتفاق التجارة الحرة بين بلده وكوريا الجنوبية في فترة قريبة من التفجير النووي الرابع لكوريا الشمالية, واتهم ترامب الحكومة الكورية الجنوبية "بمهادنة كوريا الشمالية".

أخيرا: تعتقد كوريا الشمالية بأن الصين لا يمكن الثقة بها, لكن القادة الصينيين لن يتخلوا عن بيونج يانج لأنه من مصلحة بكين الاستمرار في دعم نظام كيم.

كيف يمكن تغيير حسابات كيم؟ كيف تتفاوض مع شخص يعتقد أنه ينتصر, ولا يرغب في الحديث مطلقًا؟
كحدّ أدنى, يتعين تخفيف حدّة تصريحات الرئيس ترامب التحريضية التي لا ضرورة لها, والغير منسّقة على ما يبدو. ليس هناك حاجة لتغذية آلة الدعاية الكورية الشمالية بتعليقات تستغلها لتصوير الولايات المتحدة باعتبارها دولة "عدائية", كما أنه لا حاجة لإثارة قلق حليفتنا كوريا الجنوبية بشأن استعدادنا للمخاطرة بأمنهم.

يتعين على الولايات المتحدة أن تتبنّى موقفا منهجيا وثابتا بشأن تعزيز تحالفات واشنطن مع كوريا الجنوبية واليابان, وطمأنة شركاءنا الإقليميين بأن الولايات المتحدة جادة بشأن حفظ أمنهم. يتعيّن أيضا الاهتمام بالمظاهر. فكوريا الشمالية تراقب لاستغلال أي انشقاق في التحالف, وينبغي على إدارة ترامب أن تبذل قصارى جهدها لمنع حدوث أي خلاف بين واشنطن وسيول.

يتعين إعطاء فرصة للأمر التنفيذي الأخير, الذي يفرض عقوبات ثانوية واسعة, لكي ينجح. يمكن لهذه العقوبات أن تحدّ من قدرة كوريا الشمالية على كسب عملة صعبة لصالح النظام. إن تقويض هذه العقوبات لقدرة "كيم" على مكافأة النخب الموالية له, وتقويضها لقدرة هذه النخب على كسب الأموال ومن ثم دفعها للنظام لشراء ولائه, يمكن أن يجعل كيم أكثر استعداد للنظر في الدخول في مفاوضات من أجل تخفيف الضغط الذي يتعرّض له.

يتعين على الولايات المتحدة أن تتشاور عن كثب مع الصين وروسيا من أجل كسب تأييدهما لنظام العقوبات الذي يشتدّ خناقه, لأن مشاركتهم حاسمة.

هذه الإجراءات ليست حلا سحريا, ولكنها إذا ما أخذت معا, وتم الحفاظ على ديمومتها على مرّ الزمن, فقد يكون بإمكاننا تغيير سلوك "كيم" ونهجه, وخلق وضع أقل اضطرابا في شبه الجزيرة الكورية.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق