هل تخلت إسرائيل عن يهود أمريكا؟


١٠ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٦:٠١ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - نيويورك تايمز

ترجمة - بسام عباس


بالنسبة للملاحظ العادي، فإن إسرائيل لم يسبق لها أن كانت أكثر أمنًا وازدهارًا مما هي عليه اليوم. ذلك أن جيرانها العرب في حالة تفكك، وبرنامج إيران النووي مجمَّد لبعض الوقت، ولم يكن فريق ترامب أكثر ودًّا، والفلسطينيون لن يكونوا أكثر ضعفًا من الآن. وكل شيء هادئ على جبهة تل أبيب.

لكن بإمعان النظر، نجد أن أسس أمن إسرائيل القومي على المدى الطويل آخذة في التصدع.

فتحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تفرط إسرائيل في إجهاد نفسها عبر أمرين تفعلهما بالتزامن، وهما: محوُ الخط الفاصل بينها وبين الفلسطينيين، وذلك باستيعابها مليونين ونصف المليون فلسطيني، ما قد يحوِّل إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية يهودية- عربية، بحكم الواقع، وفي نفس الوقت قامت برسم خط بينها وبين يهود الشتات، لاسيما الجالية اليهودية الأمريكية التي تُعد مهمة لأمن إسرائيل ومكانتها الدبلوماسية ونموها الاقتصادي البارز.

يضع نتنياهو نفسه على طريق ستجعله شخصيةً محوريةً في التاريخ اليهودي، فهو سيكون الزعيم الذي أحرق الجسور نحو "حل الدولتين"، ومع يهود الشتات في ذات الوقت.

ولن أضيع وقتًا كبيرًا في بيان محاولات نتنياهو مع الرئيس ترامب لتحميل كل مسئولية عرقلة تقدم عملية السلام لزعيم السلطة الفلسطينية محمود عباس. فقد قام نتنياهو بتشتيت انتباه ترامب ببراعة من خلال شيء لامع، وهو مقطع فيديو يتضمن تصريحات متطرفة لعباس ( من دون الإشارة إلى الممارسات المتطرفة التي يقوم بها المستوطنون).

وقد نجح الأمر في إلهاء الرئيس الأمريكي عن طرح الأسئلة المناسبة: إنك تربح جميع النقاشات يا بيبي؛ لكن احتمال انفصال إسرائيل عن الفلسطينيين يتقلص أكثر فأكثر، ما يضع إسرائيل على "منزلق جديد نحو العنصرية"، مثلما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك محذرًا. أين هي خريطتك؟ ما الذي ستقوم به مع المستوطنين اليهود الـ420 ألفًا في الضفة الغربية؟ وما تصورك لكيفية وقف هذا الاتجاه الذي سيؤدي إلى نهاية إسرائيل كدولة ديمقراطية يهودية لا محالة؟

والآن، هناك تهديد أكبر يلوح في الأفق. ففي الأسابيع الأخيرة، تعاون نتنياهو مع الأحزاب اليهودية الأرثوذكسية في ائتلافه الحكومي اليميني لتوجيه ضربة مزدوجة ليهود الشتات غير الأرثوذكسيين، لاسيما في الولايات المتحدة. فهناك ستة ملايين يهودي في إسرائيل، وستة ملايين آخرين في الولايات المتحدة، وأربعة ملايين موزَّعون في بقية أنحاء العالم. لكن نحو 75% من يهود الشتات البالغ عددهم عشرة ملايين هم من غير الأرثوذكس، ومعظمهم من أتباع التيارات الإصلاحية والمحافظة اليهودية.

أولاً: وحتى لا يجازف بفقدان قبضته على السلطة، رضخ نتنياهو لمطالب الأحزاب الأرثوذكسية وألغى اتفاق عام 2016 والذي يقضي بإقامة فضاء خاص ومتكافئ للصلاة بالقرب من الجدار الغربي للمعبد اليهودي القديم في القدس -وهو أقدس موقع في المعتقد اليهودي- حيث يستطيع الرجال والنساء من اليهود غير الأرثوذكس الصلاة معًا. غير أن الحاخامات الأرثوذكس المسيطرين على الجدار الغربي يشددون على أن يصلي الرجال في مكان والنساء في مكان آخر منفصل.

وفي نفس الوقت، استسلم نتنياهو ودعم مشروع قانون لأحد الأحزاب الأرثوذكسية في الكنيسيت يمنح اليهود الأرثوذكس المتشددين ما يرقى إلى احتكار لعمليات التحول إلى الديانة اليهودية في إسرائيل، "من خلال سحب اعتراف الحكومة بعمليات الاعتناق الخاصة". وخاصة تلك التي قام بها الحاخامات غير الأرثوذكس، وقد ذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، وأشارت وكالة التلغراف اليهودية إلى أن الأحزاب الأرثوذكسية الإسرائيلية والحاخامات النافذين تسيطر على "كل الزواج اليهودي في إسرائيل، ويجب على المهاجرين الراغبين في الزواج هناك أن يثبتوا أولا أنهم يهود وفقًا للقانون الأرثوذكسي. إن كراهية الحاخامات الأرثوذكس لحاخامات الإصلاح والمحافظين واضحة وضوح الشمس".

وكما جاء في مقال نشرته صحيفة "فوروارد" في نيويورك، فإن نتانياهو "أهان جزءًا كبيرًا من اليهود الأمريكيين، وبذلك، هدد بشكل خطير العلاقة غير المستقرة أصلاً بين الحكومة الإسرائيلية ويهود الشتات".

وعقب موجة من الاحتجاج بقيادة اللوبي الأمريكي المؤيد لإسرائيل إيباك، تفاوض بيبي على تجميد وضع قانون الاعتناق موضع التنفيذ لمدة ستة اشهر. ولكنه ما زال قنبلة موقوتة.

كيف حدث هذا؟ سألت جيدي جرينشتاين، مؤسس مجموعة رويت، وهي مؤسسة رائدة في مجال أبحاث السياسات العامة في إسرائيل، ومؤلف كتاب (Flexigidity) "مرونة اليهود"، وهو كتاب ذكي يدور حول مصادر بقاء اليهود والعلاقة بين إسرائيل و يهود العالم اليوم.

وقال جرينشتاين: "هذه لحظة الحقيقة للأمن القومي الاسرائيلي وروحه.. هل ترى إسرائيل نفسها دولة إسرائيلية أم دولة قومية للشعب اليهودي بأسره، يعيش نحو 60٪ منهم خارج إسرائيل؟ هل الغرض من إسرائيل هو خدمة الصمود والازدهار والوجود المستمر للشعب اليهودي، كما تصور مؤسسو الصهيونية، أو مجرد رفاهيتها فقط؟ هذه هي القضية المطروحة الآن".

لم يتلاعب السفير الإسرائيلي السابق في الولايات المتحدة مايكل أورين بالكلام حول هذه اللحظة، فقد قال لصحيفة جيروسالم بوست: "إن مكائد بيبي والأحزاب الأرثوذكسية تعد "تخليًّا عن الصهيونية. فالحائط الغربي يملكه جميع الشعب اليهودي".

وهكذا، أخذ الكثير من يهود الشتات اليوم يرون ازدواجية المعايير الحقيقية التي تنظر بها الدولةُ والمجتمع الإسرائيليان إليهم، كما يقول جرينشتاين، ومضيفًا: "لسنوات لم تكن الحكومة الإسرائيلية تعترَف بحاخامات الشتات، ولكن كانت ترغب في دعمهم السياسي وتطلب أموال رعيتهم الدينية. وكان الساسة الإسرائيليون الذين يصوِّتون ضد مصالح يهود الشتات في البرلمان الإسرائيلي يتوسلون فرصة الصعود إلى المنصة في مؤتمر "آيباك" في واشنطن، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من امتيازات. لكن تلك اللعبة ربما انتهت الآن، وقد يتضح أن قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير كان القشة التي قصمت ظهر البعير".

والواقع أن الإسرائيليين لطالما نظروا إلى دعم الولايات المتحدة القوي لإسرائيل في الأمم المتحدة، وغضها الطرف عن المستوطنات، وتأمينها لتفوق إسرائيل التكنولوجي على أعدائها من خلال أنظمة دفاعية مثل القبة الحديدية، ووعدها الأخير لإسرائيل بـ38 مليار دولار من المساعدات الأمنية على مدى عشر سنوات.. باعتباره من المسلَّمات. لكن معظم الإسرائيليين، يقول جرينشتاين "يجهلون حقيقة أن هذا الواقع المذهل إنما هو نتيجة عمل مضن وجهود جبارة لمئات الآلاف من اليهود، ومعظمهم ليسوا من الأرثوذكس الذين امتلأوا حبًّا وإيمانًا لتعزيز أمن إسرائيل وازدهارها بأموالهم ووقتهم ومواهبهم".

واليوم، أصبحت هوية إسرائيل أمام مفترق طرق: فالقومية اليهودية المنفلتة من عقالها تهدّد بخلط إسرائيل مع الفلسطينيين في الضفة، بينما تهدّد السياسة الأرثوذكسية المنفلتة بفصل إسرائيل عن أكثر أنصارها التزامًا ووفاءً.

إنها ضربة مزدوجة لمستقبل إسرائيل، تقوض أمنها القومي، تحدث على مرأى ومسمع من الجميع.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق