لماذا سيؤول مصير الاتحاد الأوربي إلى الفشل؟


١٣ أكتوبر ٢٠١٧ - ١١:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر – زيرو هيدج
ترجمة – شهاب ممدوح


هل سبق أن سمعتم عن قرية "دويتش جاهرندورف"؟ إذا لم يسبق لكم السماع بهذا الاسم، فلا لوم عليكم. إن هذه القرية النمساوية الصغيرة، التي تقع على بعد أربعة أميال من نهر الدانوب، ليس بها ما يلفت الاهتمام، باستثناء حقيقة أنها تقع على حدود ثلاث دول. حيث تحدّها سلوفاكيا من الشرق، والمجر من الجنوب. وبالتالي، يعيش هناك ثلاثة شعوب على مسافة بسيطة من بعضهم البعض، ويتحدثون لغات غير مفهومة تماما. تنتمي النمسا لفئة اللغة الجيرمانية، بينما تنتمي المجر لفئة اللغة الفنلندية-الأوغرية، وسلوفاكيا لفئة اللغة السلافية.

لقد فكّرت في النسيج الغني والمدهش من اللغات، والثقافات، والعادات، والجنسيات في أوربا، وذلك عندما كنت أشاهد المشهد المحزن لقوات مكافحة الشغب الإسبانية والانفصاليين الكتالونيين وهم يواجهون بعضهم البعض في شوارع برشلونة. كيف يمكن للاتحاد الأوربي أن يوحّد كل هؤلاء الذين مزّقهم التاريخ؟

حماقة الاتحاد الأوربي
أعلن الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" مؤخرا في تصريح لاقى ترحيبا عاما في أوربا، أن الاتحاد الأوربي يحتاج للمزيد من الوحدة، بما في ذلك إنشاء "ميزانية خاصة بمنطقة اليورو يديرها برلمان لمنطقة اليورو، ووزير مالية لمنطقة اليورو".
إن الحاجة إلى تركيز السلطة في أيدي بروكسل، على ما يبدو، هي الدرس الذي تعلمته مؤسسة الاتحاد الأوربي من نتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. في غضون ذلك، وضع ملايين الناس في كتالونيا نصب أعينهم الاستقلال عن أسبانيا. ومن أبرز شكاوى الكتالونيين هو سيطرة مدريد على ميزانية إقليم كتالونيا.

يشعر الكتالونيون أن الاستقلال سيصحح ظلما كبيرا وقع عليهم عقب سيطرة الفرنسيين على برشلونة في عام 1714. حيث أصبح الغازي، دوق مقاطعة أنجو، أول ملك بربوني لإسبانيا، تحت اسم فيليب الخامس، الذي يتحدّر منه "فيليب السادس" ملك إسبانيا اليوم. إن الأنساب القديمة في أوربا لطالما اقترنت بالأحقاد القديمة.

وهنا تكمن المعضلة في توحيد أوربا

فمن جهة، يرغب الناس في جزء كبير من أوربا في تحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي. حيث تخشى مدريد من مشكلة مزمنة تتمثل في رغبة إقليمي الباسك وكتالونيا في الانفصال. أما في إيطاليا، تشعر "بادانيا" و "تيرول الجنوبية" في شمال إيطاليا بأن ليس لديهما قواسم مشتركة مع "ميزوجيورنو" في جنوب إيطاليا. في حين لا ترغب "كورسيكا" في أن تكون جزءا من فرنسا، كما أعادت بريطانيا في الآونة الاخيرة النظر في قانون الاتحاد الذي يعود تاريخه إلى عام 1707.

ومن الجهة الأخرى، تعلن كل حركة انفصالية في أوربا دعمها لمشروع توحيد اوربا. ولكن، ما مدى احتمال أن تقبل هذه الشعوب، التي تشعر بالانزعاج من مدريد، وروما، وباريس، ولندن، بأن تتحكم بروكسل في شؤونها؟ هل سيوافق الكتالونيون، المستاؤون من تقديم إعانات للمزارعين في أندلوسيا، دون اعتراض على دعم الفلاحين البولنديين في سيليسيا الجنوبية؟

كيف آلت الأمور إلى هذا الوضع السيئ جدا؟

بمناسبة الحديث عن بروكسل، فهي مقرّ الاتحاد الأوربي الذي يعاني من اختلال وظيفي متزايد، وهي أيضا عاصمة شعب الفلاندير، الذي يرغب في الانفصال عن بلجيكا. إن الأمر معقد.

بعد سنوات من الآن، عندما يخضع الاتحاد الأوربي لعملية إصلاح جذرية، أو أن يتفكك ويختفي نهائيا، سوف يناقش المؤرخون أسباب هذ الفشل، ومتى بدأ. إن معاهدة ماستريخت لعام 1992- والتي بثت الروح في الحركة البريطانية المتشككة في أوربا، ما أدى في نهاية المطاف إلى خروج بريطانيا من الاتحاد- ستكون أحد أبرز الجناة. لكني أعتقد أن مشكلة الاندماج الأوربي هي أقدم من ذلك. إن توقيع مارجريت تاتشر على اتفاقية القانون الأوربي الموحّد في عام 1986, ربما يجعل هذه الاتفاقية لا تنال الاهتمام الذي يجب أن تحظى به. حيث ألغت هذه الاتفاقية حق الفيتو الوطني فيما يتعلق بعدد من القضايا السياسية الحاسمة، واستبدلته بتصويت الأغلبية المشروطة. لقد وافقت تاتشر على هذه الاتفاقية، لأنه كان من المفترض ان تزيل الحواجز التجارية بين الأوربيين، وأن تحوّل "السوق المشتركة" الناشئة إلى "سوق موحّدة" أكثر تحررا. ولكن للأسف، فإن التصويت على أساس الغالبية المشروطة كان يعني أيضا، أحيانا، أن هناك دولا قد تخسر التصويت في قضايا ذات أهمية بالغة لها. كما تصاعدت في أوربا اتهامات من قبيل "بروكسل تتدخل في شؤوننا".

ومما زاد الطينة بلة، أن القانون الأوربي الموحّد ضخّم من سلطات المفوضية. وهو ما كان بمثابة سيف ذي حدين. فمن جهة، استهدفت المفوضية بحماس الممارسات المانعة للمنافسة للدول الأعضاء. ومن جهة أخرى، استخدمت المفوضية سلطاتها الجديدة في فرض قواعد تنظيمية مفرطة على النشاط الاقتصادي. ما يعني أن القوانين التنظيمية والحمائية لكل دول على حدة، استُبدلت بقوانين تنظيمية وحمائية على المستوى الأوربي، فأصبحت أوربا أقل تنافسية مقارنة مع بقية العالم. لقد زادت اتفاقيتا ماستريخت ولشبونة من وتيرة التركيز المفرط للسلطة في بروكسل والذي كان موجودا بالفعل، كما حوّلت الاتفاقيتان "المجموعة الاقتصادية الأوربية" إلى الاتحاد الأوربي الراهن الذي أصبح له علمه، ونشيده، وعملته الخاصة به.

تشير تلك الرموز السابقة إلى الدولة الأوربية الموحّدة، ويأمل الرئيس ماكرون الآن في أن يضيف إليها اتحادا للتحويل المالي، حيث يشعر ماكرون أن هذا الاتحاد ضروري لنجاح العملة الموحّدة. وفي قارة يسكنها طيف متنوع من الشعوب التي لا تجمعها هوية مشتركة، سيكون اقتراح ماكرون، في حال تطبيقه، سببا في انهيار الاتحاد الأوربي.               

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق