كيف يهدد صعود السلفية غزة؟


١٣ أكتوبر ٢٠١٧ - ١١:٢٩ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - آية سيد

المصدر - مؤسسة راند


ربما يقترب الفصيلان الفلسطينيان المتناحران حماس وفتح من المصالحة في غزة, لكن الجماعات الجهادية السلفية تشن هجمات شرسة والتي قد تُفسد أي تقارب, وربما تجر الفلسطينيين إلى صراع آخر في العملية. في شهر أغسطس فجر انتحاري حزامه الناسف في قطاع غزة بالقرب من الحدود مع مصر, مما تسبب في مقتل فرد من قوة الأمن التابعة لحماس وإصابة آخرين. بعيدًا عن كونها حادثة منفصلة, يمثل هذا الهجوم ظهور فصيل متشدد وعنيف آخر في غزة -وهي قطاع مزدحم بالسكان يقع بين إسرائيل وشبه جزيرة سيناء المصرية, ويكتظ بـ1,8 مليون شخص في مساحة أكثر بقليل من ضعف مساحة واشنطن العاصمة. هذه النقلة الكبيرة تجاه بيئة أكثر تطرفًا وعنفًا جاءت بشكل رئيسي نتيجة للحركة السلفية المتزايدة في غزة, وهي ظاهرة جديدة تهدد التوازن المؤقت في المنطقة المضطربة دومًا داخل الشرق الأوسط.

يُشتبه في أن الانتحاري كان عضوًا في جماعة سلفية فلسطينية تجمعها روابط بتنظيم الدولة الإسلامية (أو داعش). إن صعود السلفية المتشددة -وهي مذهب إسلامي يعتنق التفسير الحرفي للقرآن ويدافع عن إعادة ما يُسمى الخلافة العالمية- يُعد إتجاهًا مثيرًا للقلق في غزة. حماس, التي تتكون أيدولوجيتها من خليط من القومية الفلسطينية والسياسة الإسلاموية المتشددة, تطوقها تنظيمات إرهابية متطرفة عازمة على تدمير إسرائيل وشن حرب على الجماعات الفلسطينية التي اعتبرتها معتدلة جدًا.

أيدولوجية معززة

تأصلت السلفية تاريخيًا في غزة في السبعينيات, عندما عاد الطلاب الفلسطينيون من الدراسة بالخارج في المدارس الدينية في السعودية. يواصل عدد من الجماعات السلفية في غزة الحصول على الدعم والتمويل من الرياض, وفقًا للصحفي جاريد ماسلين. الأربع جماعات الرئيسية النشطة هم جند أنصار الله, وجيش الإسلام, وجيش الأمة, والتوحيد والجهاد.

على الرغم من أن هذه الجماعات لم تكن قوة رئيسية في السياسة الفلسطينية, إلا أن هذا تغير في العدة السنوات الماضية. كسب السلفيون أولًا شعبية في ظل فراغ السلطة الذي نتج عن الصراع الداخلي بين حماس وفتح في صيف 2007. في 2009, أعلن القائد السلفي عبد اللطيف موسى, قائد جند أنصار الله, إقامة "إمارة إسلامية" في مدينة رفح الجنوبية قبل أن تقتله حماس في غارة.

عزز نجاح داعش, وهي نفسها جماعة سلفية متشددة, سلفيي غزة أكثر. على سبيل المثال, تضمنت البيانات الإعلامية الصادرة عن الجماعات السلفية في غزة أناشيد وشعارات أصدرها في الأصل الجناح الدعائي لداعش. بوجه عام, إعلان داعش للخلافة, وهو إعلان رسمي عن نية الجماعة لحكم الدولة حسب الشريعة الإسلامية, ساعد في إحياء الأيدولوجية السلفية. إن جاذبية التنظيم العالمية كانت ومازالت واضحة في قدرته على تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب وجني عشرات الآلاف من الداعمين على الإنترنت والذين يروجون لدعايته وينشرون رسالته. لا يهم أن الخلافة قُضي عليها خلال الستة أشهر الماضية وأن داعش في حالة من الفوضى. كان نجاح الجماعة المؤقت إثباتًا لمؤيديه بأن إنشاء دولة خلافة تحكم حسب المبادئ الإسلامية الصارمة ليس ممكنًا فحسب, وإنما واجب ديني.


تطويق حماس
مع وضع مثال داعش في الاعتبار ونجاح تلك الجماعة في الاستيلاء على قطاعات كبيرة من الأراضي في سوريا والعراق, فإن الجماعات السلفية النشطة في غزة بذلت جهدًا مضنيًا لوضع نفسها كأكثر التنظيمات تطرفًا داخل الأراضي المحتلة. هذه الجماعات تعتبر أعضاء حماس كفارًا بسبب استعدادهم للمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 2006. الجماعات السلفية معارضة بطبيعتها للانتخابات, حيث إنها تؤمن بأن قانون الله فقط هو ما يهم وأن الشريعة هي نظام الحكم الوحيد المقبول. في محاولاتها للاستحواذ على مكانة حماس الأخلاقية, تمادت هذه الجماعات لتنشر أعضاء كي يحطموا متاجر الفيديو, ومقاهي الإنترنت, والمنشآت الأخرى التي تعتبرها "غير إسلامية."

انتقد سلفيو غزة حماس أيضًا بسبب موافقتها على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في عدة مناسبات, آخرها كانت في منتصف 2015, زاعمين أن الجماعة الإرهابية الفلسطينية التي كانت تُخشى ومعروفة باستخدامها للتفجيرات الانتحارية أصبحت الآن مذنبة بالتعاون مع العدو الصهيوني. أشارت جماعة معروفة باسم كتائب جنود التوحيد إلى حماس بكونها "ضالة" و"منحرفة" وأضافت إنها "لن تتوقف عن استهداف شخصيات" حماس و"كسر عظامهم وتطهير أرض قطاع غزة الطاهرة من هؤلاء البغضاء." من أجل تخريب وقف إطلاق النار, أطلق مؤيديو داعش في غزة صواريخ بصورة متفرقة عبر الحدود إلى إسرائيل في إظهار للتمرد. ردًا عليهم, شنت حماس حملة ضد السلفيين, واعتقلت العشرات منهم وسجنتهم بدون محاكمة أو إجراءات قانونية. تصاعدت التوترات إلى تبادل لإطلاق النار بين حماس والسلفيين, حيث هدد السلفيون تكرارًا بإطلاق صواريخ على إسرائيل على مدار السنوات العديدة الماضية في تحدي صريح لحماس.

في الحقيقة, هذه الجماعات السلفية تتحدى إدعاء حماس بإنها الجماعة الإسلامية الأكثر صدقُا من بين التنظيمات الفلسطينية المتعددة. بفعل ذلك, فإن هذه الجماعات تمتلك القدرة على دفع حماس بإتجاه موقف أكثر تشددًا. خسرت حماس بالفعل بعض من أعضائها الأكثر تطرفًا, ومن ضمنهم كثيرين من جناحها العسكري, لصالح هذه الجماعات, التي تناصر موقفًا عسكريًا أكثر تجاه إسرائيل.

المشهد من إسرائيل
إسرائيل قلقة أكثر من حماس بشأن صعود الجهاديين السلفيين في غزة. إن الدولة اليهودية معتادة على التواجد في منطقة حيث تتعرض بشكل دائم للحصار من جيرانها, لكن الخطر الذي يشكله الجهاديون متعددو الجنسيات شديد على نحو خاص. على الرغم من أن إسرائيل كانت محصنة نوعًا ما من هجمات القاعدة, إلا أن وجود فرع منظم ومرتفع القدرات لداعش في شبه جزيرة سيناء المصرية, على الجانب الآخر من حدود غزة, قدم لتل أبيب تحديًا أمنيًا آخر. هؤلاء المتمردون يشتبكون بصورة متكررة مع قوات الأمن المصرية وكانوا مسئولين عن الهجوم على طائرة متروجيت الرحلة 9268, التي أسقطتها قنبلة داعشية قبل عامين متسببة بقتل الـ224 شخصًا الذين كانوا على متنها. في نفس ذلك الشهر, حذر فيديو لداعش صادر باللغة العبرية من إنه "لن يبقى يهودي واحد في القدس." على الرغم من أن البعض ربما يهزأ بهذا التهديد على إنه مجرد تهديد, إلا أن إسرائيل تأخذ هذه التهديدات على محمل الجد.

من جانبها, لا تدرك إسرائيل الفرق بين الهجمات التي يشنها السلفيون والهجمات التي تشنها حماس. إسرائيل تعتبر حماس – حكومة غزة المعترف بها فعليًا – مسئولة عن أية هجمات تخرج من أراضي غزة. هذا يعني أن هجمات السلفيين ربما – وقد حدث بالفعل – تتسبب في أعمال انتقامية تستهدف البنية التحتية لحماس وممتلكاتها. إن معاقبة حماس على جرائم السلفيين تبدو أمر غير حكيم, حيث إنه كان من الممكن أن تفجر بسهولة فترة الهدوء النسبي خلال وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس, التي ظلت ثابتة لمعظم الوقت منذ نهاية عملية الجرف الصامد في أواخر أغسطس 2014.

إن تحجيم التهديد الذي يشكله سلفيو غزة سيستلزم بالضرورة الحد من عدد المجندين المحتملين. إن الجيل الحالي من شباب غزة نشأ خلال ثلاثة حروب متتالية مع إسرائيل؛ البطالة متفشية والأمل معدوم. هؤلاء الفلسطينيون الشباب تمت تسميتهم "جيل حماس." لكن إذا استمر الوضع الاقتصادي في غزة في التدهور – جزئيًا نتيجة للحصار الاقتصادي الذي تفرضه مصر – ربما يصبح الفلسطينيون الشباب معروفين باسم "جيل السلفيين." تمامًا مثلما بدأت حماس في التفوق على فتح في أواخر الثمانينيات لكونها التنظيم الفلسطيني الأكثر تطرفًا وعنفًا, سلفيو غزة قد يتفوقون على حماس كأخطر تهديد على الفلسطينيين الآخرين ودولة إسرائيل. هذه النتيجة ستكون كارثية, حيث إنها قد تدل على تخريب فرصة أخرى لتحقيق تقدم في واحد من أقدم الصراعات في العالم.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق