دروس ما قبل نهاية تنظيم داعش


٢٥ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٤:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - فورين بوليسي
ترجمة - بسام عباس


نطرح هنا خمسة أسئلة لتساعدنا في فهم ما تم تحقيقه، وما لم يتم في أحدث حرب أمريكية في الشرق الأوسط.

إن لم تكن شخصا يعتقد بأن قطع رؤوس الناس وسيلة مناسبة لتقديم قضية سياسية قمعية، فإنك سترحب بالأخبار حول النهاية الوشيكة لتنظيم داعش. ولكن يجب أن نحذر من لحظة "تمت المهمة" المبكرة، وأن نكون حكماء في استخلاص الدروس من النتيجة.

وتحقيقا لهذه الغاية، فهذا تقييم أولي لما تعنيه هزيمة داعش، في شكل خمسة أسئلة وبعض الإجابات المؤقتة.
 
1- هل كان تنظيم داعش "دولة ثورية" حقيقية؟
ما زلت أعتقد أنه كان كذلك. وبالعودة إلى عام 2015، كتبت مقالة تشير إلى أوجه الشبه بين داعش والحركات الثورية الأخرى (مثل اليعاقبة، البلاشفة، الخمير الحمر، إلخ)، واستشرفت بعض الدروس الواضحة من تلك الحلقات التاريخية السابقة. كل من هذه الحركات الراديكالية أعلنت رؤية متطرفة لتحويل المجتمع، معتقدة أن قوى التاريخ (أو العناية الإلهية) كانت في صفهم وتضمن نجاحهم، واعتمدت على العنف الشديد لتحقيق أهدافها، وتمتلك بعض القدرة على إلهام الناس في الأماكن البعيدة. ومع ذلك، قلتُ بأن داعش ليست خطيرة كما يعتقد الكثير من الناس، لأن معظم الحركات الثورية لم تتمكن من تصدير نموذجها أو حتى الاستمرار لفترة طويلة جدا، إلا إذا حدث وتمكنت من السيطرة على دولة قوية. ولحسن الحظ، فعلى الرغم من أن داعش كان أغنى من معظم المنظمات الإرهابية، إلا أنه لا يزال دولة شديدة الضعف.
 
 2- لماذا خسر تنظيم داعش؟
لأسباب عدة. كانت هزيمة التنظيم محددة وما كانت لتفاجئنا. وعلى الرغم من سلوكه المخيف وسيطرته على بعض عائدات النفط المتواضعة، إلا أنه كان أضعف بكثير من روسيا البلشفية أو فرنسا الثورية أو حتى معظم جيرانه المباشرين.

في الواقع، كان قادرا على الخروج والسيطرة على الكثير من المساحات الصحراوية الفارغة بسبب فراغ السلطة الناجم عن الغزو الأمريكي للعراق، والاضطرابات اللاحقة في سوريا. وبمجرد أن يؤسس التنظيم لنفسه في الرقة والأراضي المحيطة بها، فإن مثاله وأيديولوجيته ودعمه المادي يمكن أن يسبب نوعًا خفيفًا من المتاعب في بعض الأماكن الأخرى، ولكن ضعفه المتأصل يحد من قدرته على نشر رسالته ويضعها في وضع خطير بمجرد أن يدرك جيرانه المشكلة التي يمثلها.

تنجح الحركات الثورية في بعض الأحيان لأنها تتمتع بعنصر المفاجأة -كما فعل تنظيم داعش عندما ظهر أول مرة- ولكنها تجد صعوبة بالغة في التوسع أو الاستمرار حال إدراك الدول الأكثر قوة لخطرها واتخاذها إجراءات لاحتوائها. ولم يكن تنظيم داعش استثناءً.

وإضافة إلى ذلك، فإن الفكر المتطرف الذي يتبناه تنظيم داعش وممارساته البغيضة (بما في ذلك قطع الرأس والعبودية الجنسية وما شابه ذلك) صعقت الجميع تقريبا، وكذلك ميله إلى اعتبار المسلمين الذين لم يشاركوه وجهة نظره المتطرفة مرتدين. ولم يكن من السهل توحيد الولايات المتحدة وروسيا والعراق ونظام بشار الأسد في سوريا وإيران والسعودية والاتحاد الأوروبي والأردن والأكراد وغيرهم في جبهة واحدة مشتركة، إلا أن داعش تمكنت من القيام بذلك. وحين اتحد كل هؤلاء، كانت خلافاته داعش المزعومة هي نخب الوحدة.

وأخيرًا، نجحت الحملة المناهضة لتنظيم داعش جزئيا؛ لأن الولايات المتحدة سمحت بحكمة للجهات الفاعلة المحلية بأخذ زمام المبادرة ولم تحاول القضاء على داعش وحدها. لعبت القوات الجوية الأمريكية دورًا هاما، إضافة إلى المشورة والتدريب التي تقدمها وحدات أمريكية أخرى. لكن الجهات الفاعلة المحلية التي لها مصلحة مباشرة في هذه النتيجة هي التي خاضت المعارك الضارية. هذا الاستخدام الحكيم للقوة الأمريكية جعل من الصعب على تنظيم داعش تصوير الحملة على أنها هجوم أجنبي على "الإسلام"، وخاصة عندما كان معظم ضحاياها من المسلمين.
 
3- هل الحملة ضد داعش قصة نجاح نادرة للسياسة الخارجية الأمريكية؟
بالتأكيد، ولكن لا تفرح كثيرًا. فكما يعلم القراء هنا، تم انتقاد السياسة الخارجية الأمريكية الأخيرة بشدة، بما في ذلك اتجاه واشنطن المتكرر للدخول في الحروب التي لا تستطيع تحقيق النصر فيها. ويبدو أن الحملة ضد داعش تمثل نجاحا عسكريا واضحا، وينبغي لنا أن نقر بها على هذا النحو.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يفرح الأمريكيون ويسارعوا إلى تهنئة أنفسهم كثيرًا. علينا ألا ننسى أن تنظيم داعش لم يكن ليوجد لولا قيام إدارة جورج بوش بغزو العراق عام 2003، وإساءة إدارة الاحتلال فيها، لذلك فإن الولايات المتحدة من خلال المساعدة في هزيمة داعش، فإنها أسهمت فقط في حل مشكلة هي نفسها أوجدتها من غير قصد.

ولكن الأكثر أهمية، هو أن ظروف هزيمة تنظيم داعش كانت مواتية. وكما ذكر آنفا، كان تنظيم داعش خصم من الدرجة الخامسة ويفتقر إلى الموارد الوفيرة، والقوة العسكرية المتطورة، أو الحلفاء القادرين. وأصبحت أفعاله تشكل تحالفا متنوعا وحَّده الاعتقاد المشترك بأنه يتعين تدميره. وكان للائتلاف المناهض لتنظيم داعش هدف عسكري واضح ومباشر هو: سحب السيطرة الإقليمية من يد التنظيم، والقضاء على أكبر عدد ممكن من أنصاره، وإظهار كذب ادعاءاته بأنه يمثل "الإسلام الحقيقي" أو أن يكون نموذجًا لمستقبل المنطقة. 

ولذلك ينبغي أن نحذر من اعتبار هذا الانتصار نموذجًا لانتصارات في نزاعات أخرى في المستقبل، أو إثبات لجهود أمريكا في "بناء الأمة". كما أن ظروف الانتصار غير موجودة على سبيل المثال في أفغانستان أو اليمن أو ليبيا، حيث فشلت جميع الجهود الأمريكية أكثر من مرة.

علاوة على ذلك فإن هزيمة داعش في العراق وسوريا فتحت "علبة ديدان" جديدة تشمل مصير الأكراد ودور إيران وتركيا، ورغبة بشار الأسد في استعادة كامل سلطته في مختلف المناطق السورية، خاصة مناطق الأكراد، إضافة إلى بروز منظمات جهادية جديدة. إن هزيمة داعش نصر مؤزر، ولكن يجب علينا عدم تضخيم هذا الانتصار.
 
4- هل يستحق الرئيس ترامب أن ينسب إليه بعض الفضل هنا؟
نعم، ولكن أقل بكثير مما يحتمل أن يدعي. فقد انتقد دونالد ترامب سياسات إدارة باراك أوباما تجاه داعش بشكل متكرر خلال حملة عام 2016، ووعد بأن داعش ستنتهي "بسرعة كبيرة جدًا" إذا تم انتخابه. لكن سقوط الموصل والرقة والنهاية الوشيكة لتنظيم داعش لا يثبت له حقًا في ذلك، لأن الحملة التي هزمت تنظيم داعش قد صممتها إدارة أوباما ونفذتها ولم يخرج عنها ترامب قيد أنملة. لقد منح القادة العسكريين سلطة أكبر تصل إلى حد التصرف من تلقاء أنفسهم، لكنه لم يضف أي موارد إضافية أو يعدل في استراتيجية إدارة أوباما الأساسية. ولكنه يستحق بعض الفضل في التمسك بالنهج الذي ورثه، وربما في تسريع وتيرته قليلا، ولكن إذا كان نزيهًا (وهو ليس كذلك)، فعليه أن يشير إلى فضل سلفه كثيرًا( وهو ما لن يفعله).
 
5- هل يعد سقوط الرقة نقطة تحول رئيسة في الحملة ضد "التطرف العنيف"؟
من المبكر جدًا القول بذلك. فعندما ظهر داعش لأول مرة، كان الشاغل الرئيس هو قدرته على أن تشكل "قوة مضاعفة" قادرة تستخدم مواردها لنشر أيديولوجيتها المتطرفة والحث على تنفيذ هجمات منظمة و هجمات "الذئاب المنفردة" في دول أخرى. وإذا كانت استمرت في مثل هذه الأعمال، لخشي الكثيرون من أن تضفي نجاحاتها شرعية جديدة على مجموعة من المثل الخطيرة والعنيفة. فهذه الاحتمالية هي مصدر القلق الحقيقي، على الرغم من أن المرء لا يستطيع أن يستبعد احتمال أن يكون تنظيم داعش قد اتبع مسار الحركات الثورية السابقة وأن يحد تدريجيا من عنف آرائه وسلوكه على مر الزمن.

إن هزيمة تنظيم داعش ربما تؤدي إلى تشكيك المزيد من المتعاطفين المحتملين في التكتيكات العنيفة التي تنتهجها جماعات مثل تنظيم القاعدة وداعش. لنأمل ذلك. أما على المدى القصير، فعلى الأقل، ستؤدي هزيمة التنظيم من الصعب إلى الحد من قدرة الجهاديين المتشددين على تخطيط الهجمات في دول أخرى وتنفيذها. ولهذا السبب، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دونفورد: "سنستمر في تقليص سيطرته على الأراضي، ونحد من حرية حركته، وتقليل موارده، والتشكيك في مصداقيته".

وحتى لو ثبت ذلك، فلا يعتقد أحد أن هزيمة داعش تزيل الخطر تماما. وكما لاحظت صحيفة "نيويورك تايمز" قبل بضعة أيام، فإن "التنظيم أبعد ما يكون عن الهزيمة، ولا يزال أقوى بكثير مما كان عليه عندما انسحبت القوات الأمريكية من العراق".

في الواقع، أصبح بعض الخبراء -بسبب الانغماس في تضخم التهديد وهو أمر غريزي منتشر بين العديد من خبراء الأمن القومي- أكثر قلقًا الآن من أن الخطر آخذ في الازدياد في أعقاب هزائم داعش الأخيرة والانهيار الوشيك ككيان إقليمي. وحذر أندرو باركر، رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية "إم. آي 5" ، مؤخرًا من أن "التهديد متعدد الأوجه ويتطور بسرعة ويعمل على نطاق ووتيرة لم نرها من قبل".

وأخيرًا، فإن هزيمة داعش قد تكون نصرًا واضحًا، ولكنها لا تخبرنا عما إذا كنا نقيم التهديد بشكل صحيح أم أن النهج الأمريكي الأوسع نطاقا إزاء مشكلة الإرهاب العالمي هو النهج الصحيح. وعلى مدى أكثر من عقدين من الزمن، كانت الاستجابة الأمريكية الرئيسية للإرهاب هي دق ناقوس الخطر، والاستجابة بالقوة، على الرغم من أن الخطر الفعلي الذي يشكله الإرهابيون على الأمريكيين العاديين يتلاشى أمام المخاطر الأخرى. وهذا الأمر لم يقتصر على التزام الولايات المتحدة بالصراعات المفتوحة في العديد من الأماكن، بل ساعد أيضًا على تسميم سياستنا، وصرفنا عن التهديدات الأكثر خطورة (مثل ارتفاع معدلات العنف المسلح في الداخل) .

لا تسئ فهمي: فأنا سعيد برؤية داعش وهي تتجه لمزبلة التاريخ، ولكن من الضروري وضع خطط لكيفية قيام الولايات المتحدة والدول الأخرى بمعالجة مثل هذه القضايا في المستقبل.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق