كيف سيؤثر تغير المناخ على النساء العاملات في الريف المصري؟


٢٩ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٤:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - مركز الشرق الأوسط
ترجمة - بسام عباس


من المرجح أن تكون آثار تغيّر المناخ في الزراعة في مصر قوية، وسوف تؤثر في ملايين النساء المصريات اللواتي يعتمدن على هذا النشاط الاقتصادي من أجل كسب قوتهن.

ويستخدم القطاع الزراعي نسبة كبيرة من النساء العاملات في مصر، وهو قطاع معروف بأرباحه المُنخفضة وغير المستقرة. وتعاني ملايين النساء المصريات الريفيات العاملات في الزراعة من الفقر، وسيزيد تغيّر المناخ الأمر سوءًا.

ومن أجل تحييد هذا الخطر الذي يلوح في الأفق، يجب أن تتضمن أجندة التنمية الجنسية (الجندر) المُستدامة في مصر وبرامج التكيّف مع تغيّر المناخ بوضوح عناصر مُصمَّمة لتلبية احتياجات بناء قدرات هؤلاء النساء الريفيات، وتعزيز خيارات عيشهن.

وينبع أغلب المشكلة من الوضع الراهن للمرأة في المجتمع المصري. ويتفق خبراء الشؤون المصرية على أن وضع المرأة في مصر القديمة كان أفضل ليس من وضع معاصراتها الأجانب فحسب، بل أيضاً من تجارب العديد من نساء اليوم.

ففي التاريخ الحديث، بدأ تعليم الفتيات العربيات في مصر في عام (1880). ولكن الوضع مختلف اليوم، فثلث الإناث البالغات في مصر أمّيات، في حين أن 85٪ من الذكور البالغين متعلمون. ويُضاف هذا إلى عشرة ملايين فتاة وامرأة مصرية تبلغ أعمارهن 15 عامًا أو أكثر لا يستطعن القراءة أو الكتابة.

ولا يزال عدم وجود هذه القاعدة الأساسية الأهم للازدهار والاستقلال يضر بالاحتمالات الاقتصادية للكثير من النساء في مصر. وعلى الرغم من أن الصورة ليست شديدة القتامة إذا ما ركّزنا على مجموعة الشباب (14-25 سنة)، حيث إن 90% من الإناث والذكور متعلمون على حد سواء، فهذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام.

إن البداية المُبكرة الجيدة في التعليم لا تضمن استمرار التعلّم الكافي في السنوات اللاحقة؛ حيث يمكن أن تضع المعايير الثقافية  في مصر حواجز أمام إحراز تقدم كبير في التعلم بين الإناث. والنتائج، التي قد تبدو اليوم وكأنها مسارٌ إيجابي لاستمرار تنمية رأس المال البشري، لن تبدأ -حتى في ظل أفضل الظروف-  في أن تترجم إلى تمكينٍ اقتصادي لسنوات عدة مقبلة.

في الوقت نفسه، فإن أغلب النساء المصريات البالغات لم يتمكنّ بعد من الحصول على تعليم ثانوي. وبالتالي فإن النساء المصريات يشكلن أقلية في القوى العاملة المهنية. وتتركز سُبل معيشة النساء العاملات بشكل كبير في القطاعات الاقتصادية الأكثر دينامية واستقرارًا، حيث  تعمل أكثر من 40% منهن في القطاع الزراعي، الذي من المتوقع أن تتراكم عليه آثار سلبية مختلفة بسبب تغيّر المناخ.

والتركيز الكبير على القوى العاملة النسائية في الزراعة أمرٌ مثير للسخرية؛ لأن المرأة تشكّل أقلية صغيرة من حيث ملكية الأراضي الزراعية. ووفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية ( فاو) ، فإنهن يشكلن 5% فقط من أصحاب الأراضي الزراعية بينما يشكل الرجال 95%. وكثيرًا ما تُحرَم المرأة من الحصول على ميراثها في مصر، ولا سيما إذا كان أرضًا أو ممتلكات أخرى. وهذه الممارسة مُقلقة لأن ملكية الأصول المالية ضرورية للمرأة لممارسة نشاطها، واتخاذ قرارات بشأن حياتها، أو متابعة الفرص التعليمية، أو تمويل الأعمال الحرة، أو ببساطة الحصول على بعض الأمن المالي. ويبدو أن البرلمان المصري يحاول -ولكن بحياء وخجل، وربما فقط بشكل سطحي- مكافحة هذه الممارسة الثقافية المُدمّرة التي تعد فسادًا ماليًّا في صميمها.

وهذا الوضع العام للمرأة المصرية في الزراعة يثير القلق لسبب مهم آخر. ستظل أسعار المواد الغذائية مرتفعة ويمكن أن ترتفع إلى أكثر  من ذلك في المستقبل المنظور في مصر. حيث بلغت معدلات التضخم  الآن أكثر من 30% -أي أكثر من ضعف ما كانت عليه في أكتوبر 2016- وهي تمثّل الذروة منذ ثلاثة عقود. إن استمرار الاعتماد الشديد على استيراد الأغذية بالإضافة إلى ضعف الجنيه المصري سيسمحان باستمرار التضخم المرتفع. وتتعرض النساء الريفيات في الزراعة، اللواتي عادة ما يكنّ عاملات موسميات بأرباح غير مستقرة، لانعدام الأمن الغذائي، مما يُقوّض جميع مناحي الحياة.

إن ملكيات الأراضي الصغيرة، وعمليات الإنتاج والعمل الموسميين، والأرباح غير المستقرة هي التي تُميّز معظم الزراعة في مصر، الأمر الذي يترك ملايين النساء، اللواتي يعتمدن على هذا القطاع من أجل كسب قوتهن، في حالة فقر. ورغم عدم وجود أرقام دقيقة، يمكننا أن نُقدر بثقة أن نحو 27 مليون أنثى تعيش في المناطق الريفية، اعتمادًا على الإحصاء القومي للإناث للذكور، وعلى نسبة سكان الريف في البلاد.

ومن معدل الفقر في المناطق الريفية -الذي يبلغ 32%- يمكننا أن نُقدّر أن حوالي 8 ملايين امرأة ريفية (والكثيرات منهن يعملن في سن تقل عن 15 سنة) فقيرات -بمن فيهن العاملات في الزراعة- ويتراوح متوسط الأجر اليومي للعامل الزراعي الموسمي في مصر بين 5 و8 دولارات؛ وعادة ما يكون أقل بالنسبة للنساء مقارنة بالرجال.

ويشكل تغيّر المناخ مخاطر كبيرة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي الهش أصلاً بالنسبة إلى كثير من النساء المصريات في المناطق الريفية. إن الزراعة في مصر مُعرّضة بشكل خاص لموجات الحرارة المُتصاعدة، وانخفاض هطول الأمطار، والأحداث المناخية الجافة والرطبة الأكثر كثافة، وانخفاض الأراضي الزراعية الرئيسية في دلتا النيل عن ارتفاع مستوى سطح البحر.

وستعاني النساء الريفيات اللواتي يعانين من أمية عالية، ولا يملكن إلا القليل من المال، وضعف القدرة على التنقل الاقتصادي والتكيّف، أكثر من غيرهن نتيجة هذه الآثار.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لسياسات التنمية المستدامة وتغيّر المناخ في مصر؟ إن الجدية في بناء القدرات على التكيّف مع تغيّر المناخ وفي التنمية ذات القاعدة العريضة الحاسمة تتطلب إعطاء الأولوية للتحسينات ليس فقط في الزراعة عمومًا، بل أيضًا في حياة النساء الريفيات على وجه الخصوص. ولا يزال الاهتمام المُتعَمَّد، على نطاق واسع، بالنسبة إلى احتياجات العاملات الريفيات في مجال التكيّف وبناء القدرات، غائبًا عن جدول أعمال السياسات الجنسية (الجندر) والتنمية في مصر. ومع ذلك، فإن الإنصاف بين الجنسين شرط ضروري، وليس ترفًا يُمكن أن تسير مصر من دونه، لكي يكون أي إطار إنمائي مستدامًا. ولا سبيل غير ذلك إذا كان الهدف هو الحدّ بشكل كبير من الفقر مع استمرار حدوث آثار تغيّر المناخ.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية الريف المصري الموانئ المصرية

اضف تعليق