هل سيصبح العالم أكثر سلمية إذا حظينا بمزيد من القادة النساء؟


٣١ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٤:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - aeon

ترجمة - آية سيد

 
خلال الأشهر الأولى من الحرب العالمية الأولى, وفي خضم الغلو المتشدد في الوطنية الذي اجتاح بريطانيا, اقترحت الشاعرة دوروثيا هولينز من عصبة العمل النسائية تشكيل "قوة سلمية من النساء" مكونة من 100 امرأة قوية غير مسلحة لعبور أوروبا "وسط المدافع" واعتراض الجيوش المتناحرة في الخنادق. لم يتحقق مخطط هولينز الكبير, لكنه لم ينشأ من فراغ؛ لقد تغذى على النشاط المتأصل بشكل كبير في حب الأمومة. أو -مثلما كتبت زميلتها هيلينا سوانويك- الخوف المشترك من إنه في الحرب "تموت النساء, وترى أطفالها يموتون, لكن لا تحظين بالمجد, لا تحظين بأي شيء سوى الذعر والخزي الذي لا يوصف".

ساعدت سوانويك في تأسيس الإتحاد النسائي الدولي للسلام والحرية, وهي منظمة مكرسة للقضاء على أسباب الحرب. لقد أملت في "عالم مستقبلي بدون جندي واحد". اعتقد الكثير من النشطاء أنه إذا حظيت المرأة بالقوة السياسية, فإنها لن تواصل الحرب. لكن إلى أي مدى يُعد هذا صحيحًا؟ هل تتغير حوادث الصراع العنيف عندما تصبح النساء قادة, أو عندما تزيد حصتهن من التمثيل البرلماني؟ كيف ترعى النساء الحروب؟

إذا طرحت هذا السؤال بصوت عالٍ, ستجد من يجيبك على الفور "مارجريت تاتشر"، رئيسة وزراء بريطانيا التي شنت حربًا شعبية في جزر فوكلاند والتي أدت إلى فوزها بانتخابات 1983. تاتشر هي القائدة الوحيدة التي يُحتفى بها لخوضها الحرب. فكر في بوديكا, ملكة قبيلة إيكيني في شرق إنجلترا, التي قادت ثورة شعبية ضد الغزاة الرومانيين؛ أو لاكشمي باي, ملكة جانسي وقائدة ثورة الهند 1857- 1858 ضد البريطانيين؛ أو حتى إميلين بانكيرست, التي قادت حركة سوفرجت للحصول على حق التصويت, ثم في 1914, أصبحت مؤيدة صاخبة لدخول بريطانيا في الحرب العالمية الأولى.

لكن هذه الأمثلة سردية؛ لأنه على مدار التاريخ كانت القائدات من النساء حالات نادرة بشدة. في الفترة بين 1950 و2004, وفقًا للبيانات التي جمعتها كاثرين فيليبس, أستاذ القيادة والأخلاقيات في كلية كولومبيا للأعمال, فإن 48 قائدا وطنيا في 188 دولة -أي أقل من 4 في المائة من كل القادة- كانوا من النساء. لقد شملن 19 رئيسة و30 رئيسة وزراء. الإكوادور ومدغشقر حظيا برئيسة, كل منهما خدمت ليومين فقط قبل أن يتم استبدالها برجل.

نظرًا لحجم العينة الضئيل, هل من المنطقي أن نسأل إذا كانت النساء, بعد منحهن السلطة, أكثر أو أقل ترجيحًا من الرجال لشن الحروب؟ عالمة الأنثروبولوجي كاثرين بانتر بريك -التي تدير برنامج الصراع والصمود والصحة في مركز ماكميلان في جامعة يال- تعتقد أنه ليس كذلك. قالت: "هذا يعطي صورة نمطية لنوع الجنس, ويفترض أن القيادة يسيرة". ربما تحمل وجهة نظرها آراء مفكرين مثل ستيفن بينكر. كتب بينكر في الدراسة التي أجراها عن العنف على مدار التاريخ, بعنوان "الزوايا الأفضل لطبيعتنا" (2011): "كانت النساء, وستظل, القوة المهدئة". هذا الافتراض ليس دائمًا مرسخ في الواقع, كما تقول ماري كابريولي, أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا دولوث. إلى جانب مارك بوير في جامعة كونيكتيكت, عدّت 10 أزمات عسكرية في القرن العشرين تشمل أربع قائدات نساء (سبع أزمات منها عالجتها جولدا مائير, رئيسة وزراء إسرائيل من 1969 إلى 1974). يقولون إنه لتقييم سلوك النساء أثناء الأزمات, يحتاج المرء لعينة كبيرة – "والتي لا يستطيع التاريخ توفيرها".

أويندريلا دوبي, أستاذ دراسات الصراعات الدولية في جامعة شيكاغو, وإس بي هاريش من جامعة نيويورك، درسا أربعة قرون من الملوك والملكات الأوروبيين. في ورقتهم البحثية التي لم تُنشر بعد, درسا عهود 193 ملكًا في 18 كيانا سياسيا أوروبيا, في الفترة من 1480 إلى 1913. على الرغم من أن 18 في المائة فقط من الملوك كانوا ملكات -مما يجعل تحليلهم أقل موثوقية من الناحية الإحصائية- وجدوا أن الكيانات السياسية التي تحكمها ملكات كانت مرجحة أكثر بنسبة 27 في المائة من الملوك للمشاركة في الصراعات بين الدول. كانت الملكات غير المتزوجات أكثر ترجيحًا للدخول في الحروب التي تُهاجم فيها دولهن, ربما لأن الناس كانوا ينظرون لهن على إنهن ضعيفات. 

إن الخوف من الظهور كضعيفات يؤثر على القائدات المعاصرات أيضًا, وفقًا لكابريولي, وربما يجعلهن يفرطن في التعويض في قضايا الأمن والدفاع. إنها تقول أن النساء اللاتي يضاهين الرجال, مثل تاتشر ومائير ورئيسة وزراء الهند إنديرا غاندي (1980-1984), مرجحات أكثر للنجاح كقائدات سياسيات. يجب عليهن أيضًا أن يحاولن التغلب على الصور النمطية السلبية التي يحملها المنافسين الذكور: على سبيل المثال, يحيى خان, رئيس باكستان السابق (1969-1971), قال إنه كان سيرد بطريقة أقل عنفًا على إنديرا غاندي أثناء الحرب الهندية-الباكستانية عام 1971 إذا كانت الهند يحكمها قائد ذكر. قال: "إذا كانت تلك المرأة [غاندي] تظن أنها تستطيع إخافتي, فأنا أرفض قبول هذا الأمر".

وجد دوبي وهاريش أن النساء كن أكثر عرضة للعدوان إذا كانت تشارك السلطة مع زوج, مثلما حدث في حالة إيزابيلا الأولى وفرديناد الخامس, اللذين تشاركا في حكم مملكتي ليون وقشتالة في الفترة بين 1474 و1504. إحدى الحالات الاستثنائية البارزة هي كاثرين العظيمة, التي أصبحت إمبراطورة روسيا في 1762 عقب اغتيال زوجها بيتر الثالث, والتي تجاوزت حملاتها العسكرية حدود روسيا بـ520 ألف كيلومتر مربع, وضمت القرم ومعظم بولندا.

لكي تقود النساء, يجب أن تبدأ بالمشاركة السياسية ، الترشح للانتخابات البرلمانية, وقيادة الحملات, وتنظيم النساء للترشح للمنصب. في 2017, متوسط عدد النساء في البرلمان على مستوى العالم هو 23,3 في المائة فقط – بزيادة 6,5 في المائة على مدار العقد الماضي. هذا المكسب هائل: توضح بيانات كابريولي إنه, مع زيادة عدد النساء في البرلمان بنسبة 5 في المائة, تصبح الدولة أقل ترجيحًا بخمس مرات لاستخدام العنف عند مواجهة أزمة دولية (ربما لأن النساء مرجحين أكثر لاستخدام "نهج جماعي أو توافقي" لحل الصراعات).

الدول أيضًا مرجحة أكثر لتحقيق السلام الدائم ما بعد الصراعات عندما تتم دعوة النساء لطاولة المفاوضات. على الرغم من أن عدد النساء المشتركات في محادثات السلام صغير (وجدت دراسة للأمم المتحدة أن 2,4 في المائة فقط من الوسطاء و9 في المائة من المفاوضين كانوا من النساء, و4 في المائة فقط من الموقعين على 31 عملية سلام), إلا أن إدراج النساء قد يصنع فرقًا هائلًا. من المرجح أن يدوم السلام أكثر: في تحليل أجرته مؤسسة Inclusive Security الأمريكية لـ182 اتفاقية سلام موقعة في الفترة بين 1989 و2011 وجدت أن الاتفاقية تكون مرجحة أكثر بنسبة 35 في المائة للاستمرار لمدة 15 عامًا على الأقل إذا كانت النساء ضمن المفاوضين, والوسطاء والموقعين.

تنجح النساء كوسطاء ومفاوضات بسبب صفات الأنوثة والأمومة التقليدية. في أيرلندا الشمالية, والصومال وجنوب أفريقيا, اكتسبت النساء المشاركات في عمليات السلام سُمعة بسبب رعاية الحوار وإشراك جميع الجهات. ويُنظر لهن في كثير من الأحيان على إنهن وسطاء صادقات, وأكثر جدارة بالثقة وأقل تهديدًا, لإنهن يعملن خارج هياكل السلطة الرسمية. مع هذا بالرغم من تصور الرقة والليونة, تكون أفعالهن عكس ذلك. في 2003, قادت ناشطة السلام الليبيرية ليما غبوي ائتلافًا من آلاف السيدات المسلمات والمسيحيات في الإضراب والصلاة والصوم والذي ساعد في إنهاء الحرب الأهلية الوحشية التي استمرت لـ14 عامًا. تشاركت غبوي جائزة نوبل للسلام 2011 تحت اسم "محارب من أجل السلام."

إن مصطلحات مثل محارب, أسلحة وثورة تُستخدم في أكثر الأحيان للجماعات التي تطالب بالسلام, والتي تُمثل بها النساء على نحو غير متكافئ, وفقًا للأمم المتحدة. في إسرائيل, تنظم حركة نساء يعملن السلام إحتجاجات للضغط على الحكومة من أجل العمل تجاه اتفاقية سلام قابلة للتطبيق. في الأرجنتين, حققت منظمة أمهات ميدان مايو "ثورة" في الأمومة عندما إحتجت على اختفاء أبنائهن أثناء "الحرب القذرة" في الأرجنتين من 1977 إلى 1983, وهو ما حول الأمومة من دور سلبي إلى دور يتمتع بالقوة الشعبية.

كان تحويل مفاهيم الأنوثة التقليدية إلى "أسلحة" مكونًا قويًا لمعسكر جرينهام كومن النسائي للسلام في المملكة المتحدة. بداية من الإحتجاج عام 1981 على وصول 96 صاروخ توماهوك للقاعدة الجوية الأمريكية في باركشاير, أحاطت النساء بالقاعدة الجوية وقطعت أسوارها, وتسلقت الحواجز برداء الدمى, وعلقت ملابس أطفال وزجاجات وحفاضات وصور عائلية على الأسلاك. لم تقل معركتهن عن حرب تاتشر في جزر فوكلاند, مع هذا هزأت بالنساء على إنهن "حالة غريبة."

يبدو إنه لا يهم إذا كانت النساء تحارب من أجل السلام أو الحرب, يجب عليهن أيضًا محاربة الافتراض بإنهن سلبيات أو ضعيفات أو غريبات. يُظهر لنا التاريخ أن هذا ليس صحيحًا, وإنه, في حالة إيزابيلا الأولى وفرديناند الخامس, يمكن أن يصبحن قاسيات: لم يقد الزوجان الملكيان الاستيلاء على مملكة غرناطة الإسلامية في 1492 وحسب, طاردين كلا من اليهود والمسلمين, وإنما عذبا من بقوا وحولوهم إلى المسيحية – وفي بعض الحالات أحرقاهم حتى الموت.

وهن لسن سلميات دائمًا مثلما يشير تاريخهن الشخصي: أون سان سو تشي, القائدة الفعلية لميانمار والحاصلة على جائزة نوبل للسلام في 1991 "لكفاحها السلمي من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان," تلقت إدانات واسعة بسبب التخاذل في إدانة جيش الدولة لحملة التطهير العرقي التي يشنها ضد شعب الروهينجا, وهم أقلية مسلمة في ولاية راخين شمال ميانمار. وفقًا لهيومان رايتس ووتش, من 25 أغسطس 2017, أكثر من 40 ألف مسلم من الروهينجا هربوا عبر الحدود إلى بنجلاديش للهروب من إحراق المباني, والأعمال الوحشية والاغتصاب الذي يرتكبه الجيش.

تذكر كابريولي: "يمكن أن تصبح القائدات قويات بحق عند مواجهة مواقف دولية عنيفة وخطيرة". لكنهن قد يصبحن عدوانيات أيضًا في حالة السلام. إنها, في الواقع, صورة نمطية لاستبعاد النساء على أنهن سلميات بطبيعتهن. مثلما كتبت سوانويك في مستقبل الحركة النسائية (1913): "أود أن أنفي ذلك الافتراض... في الحديث النسائي في الوقت الحاضر". أي "الافتراض بأن الرجال هم البربريون الذين أحبوا القوة الجسدية, وأن النساء وحدهن هن المتحضرات. لا توجد أية إشارات على هذا في الأدب أو التاريخ".
 

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية aeon النساء النساء العاملات

اضف تعليق