كيف ضل اليسار الطريق؟


٠٢ نوفمبر ٢٠١٧ - ١١:٤٠ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - capx
ترجمة - بسام عباس




قبل مائة عام، استولى البلاشفة على السلطة في روسيا، وأقاموا أول حكومة ماركسية طويلة الأمد، كان تأثير الثورة الروسية واسع النطاق. وكان أحد تأثيراتها المهمة – والمهملة – تغيير فكرة مصطلح "اليسار" ضمن المصطلحات السياسية؛ ففي أعقاب استيلاء البلاشفة على السلطة، أصبح مصطلح اليسار أكثر ارتباطًا بالجماعية والملكية العامة.

ولكن في الأصل مصطلح اليسار يعني شيئا مختلفا تماما، وفي الواقع، لم تكن الجماعية أو الملكية العامة حصرية على اليسار، فكلمة الفاشية مشتقة من رمز (fasces) في روما القديمة، وهو عبارة عن مجموعة من القضبان تضم فأسًا، في دلالة على القوة الجماعية.

وكان من الآثار الأخرى لعام 1917 تقويض المزيد من أوراق الديمقراطية لدى اليسار، وقد دمرها بالفعل الاشتراكيون الأوائل أمثال روبرت أوين، الذي كان يعارض الديمقراطية، وبعد روسيا السوفيتية والصين الماوية، ارتبط جزء من اليسار بالنظم الشمولية المعروفة بانتهاك حقوق الإنسان والإعدامات من دون محاكمة وانعدام حرية التعبير والمصادرة التعسفية للممتلكات.

أصول اليسار واليمين
نشأت المصطلحات السياسية اليسار واليمين أثناء الثورة الفرنسية، ففي عام 1789، وفي الجمعية الوطنية التأسيسية، بدأ نواب منتقدين لنظام الملكية في التجمع على المقاعد إلى يسار مقعد الرئيس؛ فيما تجمع المحافظون المؤيدون للأرستقراطية والنظام الملكي على الجانب الأيمن.

أولئك الذين على اليمين يرغبون في الحفاظ على سلطة التاج عن طريق حق النقض الملكي، للحفاظ على بعض حقوق الأرستقراطية، وأن يكون لها مجلس الشيوخ غير المنتخب، والحفاظ على الممتلكات الكبرى والمؤهلات الضريبية للتصويت.

أما أولئك الذين على اليسار فيرغبون في الحد من صلاحيات النظام الملكي وإقامة جمهورية ديمقراطية. وطالبوا بإنهاء الامتيازات الأرستقراطية وفرض قيود على سلطات الكنيسة والدولة.

 ومن ثم فقد كان اليسار يعني في الأصل الحرية وحقوق الإنسان والمساواة بموجب القانون. وهو يعني معارضة الملكية والأرستقراطية والثيوقراطية واحتكارات الدولة، وغيرها من الامتيازات المؤسسية. أما اليسار فقد عارض مبررات السلطة المستمدة من الدين أو من نبالة المولد، وفي المقابل يدعم الديمقراطية والمؤسسات الخاصة.

ظاهريا، يدافع اليسار دائمًا عن المساواة. ولكن ماذا يعني هذا؟ هل يعني المساواة بموجب القانون؟ لقد نفى كارل ماركس وأتباعه هذه المساواة صراحة، حيث قالوا إن الطبقة البرجوازية يجب أن تحرم من الحقوق القانونية بعد الثورة. وقد تم تطبيق هذه الفكرة بعد الثورة البلشفية في روسيا عام 1917.

إن السعي لتحقيق المساواة لا يقتصر على الاشتراكيين. فقد دعا الليبراليون أمثال توماس باين وجون ستيوارت ميل إلى توزيع الدخل والثروة بالمساواة بين الجميع، فضلا عن المساواة بموجب القانون. ويؤيد الليبراليون الأسواق والممتلكات الخاصة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها تساعد على حماية الاستقلال الذاتي للأفراد. فهل يمكن هاهنا وصف الليبراليين باليسار؟ لقد أصبح اليسار اليوم مرتبطًا بشكل واسع النطاق بالملكية العامة والتي لن تشمل الليبراليين الراديكاليين في حركتها الواسعة.

وقد تحول مصطلح "اليمين" أيضًا من معنى الميول القومية والتقليدية للامتيازات الأرستقراطية، إلى زيادة الدعوة إلى الأسواق الحرة والملكية الخاصة، ومن المفارقات أن هذا كان من دعوات اليسار الأصلي لعام 1789.

منعطفات خاطئة؟
سرعان ما تطورت الحكومة الماركسية في روسيا لتصبح دولة الحزب الواحد. وتبع ذلك نظام تطهير وإرهاب. وقد ناقشت في كتابي "منعطفات خاطئة: كيف ضل اليسار" أن الاتجاه نحو الشمولية كان أمر لا مفر منه داخل الماركسية. ويرجع ذلك إلى أن المفهوم الماركسي للصراع الطبقي واقتراحه لحكومة بروليتارية يقوض مفهوم حقوق الإنسان العالمية، الذي تطور في عصر التنوير وتم الإعلان عنه في الثورة الفرنسية.

وبحلول السبعينات ذهب بعض اليساريين إلى أبعد من ذلك، حيث عارضوا أي أفكار غربية، ورفض أي فكرة مفادها أن الدول الأكثر فقرا تستحق التمتع بنفس حقوق الإنسان التي تم الترويج لها في أوروبا وأمريكا الشمالية. واعتبرت أن أي مقترحات للترويج لهذه الحقوق أو القيم تراجعات أمام "الإمبريالية الغربية". وفي إطار حماسهم "للنضالات المناهضة للإمبريالية"، دعم العديد من اليساريين إرهابيين ومتطرفين دينيين، مثل الجيش الجمهوري الايرلندي وحماس وحزب الله والنظام الإيراني. وهذا بعيد كل البعد عن رؤى اليسار الأصلي.

وبطبيعة الحال، لم يكن من يعتبرون أنفسهم يساريين مجبرين على اتباع أفكار اليسار الأصلي. ولكن من المهم أن نفهم كيف تبدلت الأفكار اليسارية وتحولت عن مصدرها الأصلي. والاعتراف بأن البدائل ممكنة – خاصة عندما تكون لغة السياسة اليوم منحطة. كتب جورج أورويل في عام 1946 :
 ((يجب أن ندرك أن الفوضى السياسية الحالية مرتبطة بتدهور اللغة، وربما يمكننا أن معالجة الأمر ابتداءً من الجانب اللغوي))

لقد مر مصطلح "اليسار" عبر تغييرات كبيرة في المعنى خلال القرنين الماضيين. ومع هذا التدهور كانت هناك درجة كبيرة من الفوضى. وفي الوقت نفسه، فإن أحزاب اليسار في جميع أنحاء العالم تمر بأزمة نتيجة التشرذم الأيديولوجي. وإذا أردنا أن نحقق تغييرًا تدريجيًّا في المجتمع، فإننا بحاجة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية أولاً، وألا نلتزم بما جاء في تعريف اليسار واليمين.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية capx اليسار فرنسا

اضف تعليق