على العالم أن يستعد لمواجهة النسخة الثالثة من التطرف.. تعرف عليها


٠٥ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - معهد هدسن

ترجمة - شهاب ممدوح


يعتبر هجوم، يوم الثلاثاء، الإرهابي في مدينة نيويورك, والذي ارتكبه مهاجر من أوزبكستان, تذكيرًا بأن الإسلام السياسي المتشدد لن ينتهي بهزيمة تنظيم الدولة مؤخرا في الرقة.

ومثلما لم يؤد سقوط حركة طالبان في أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بفترة قصيرة إلى نهاية القاعدة، فإن القوى المتطرفة في العالم الإسلامي ستواصل إحياء نفسها بأشكال أخرى، وفي أماكن أخرى. لو كانت القاعدة هي النسخة الأولى من الجهاد في عصرنا، وكان تنظيم داعش هو النسخة الثانية منه، فإنه ينبغي علينا أن نعدّ أنفسنا منذ الآن للنسخة الثالثة من الجهاد. إن الإسلام السياسي سيظل يشكل خطرًا على الامن القومي الأمريكي لسنوات قادمة.

إن مهاجم نيويورك, سيف الله سايبوف, لا تنطبق عليه الصورة النمطية للإرهابي الجهادي. فهو على الأرجح اعتنق التطرف من تلقاء نفسه, ولم ينتم بشكل صريح لجماعة إرهابية بارزة, ولم يكن ليُمنع من دخول الولايات المتحدة طبقا لقرار "حظر السفر" الذي اتخذه ترامب, حيث أن موطنه الأصلي لم يكن مشمولا بقرار الحظر.

وفي محاولة منهم لإعادة تأسيس الدولة الإسلامية, يستمدّ الإسلاميون المتطرفون الإلهام من التاريخ الإسلامي الممتد لأربعة عشر قرنًا. من المهم فِهم الحركات الإسلامية "التجديدية" المختلفة, والتي اتسمت بدرجات مختلفة من العنف والتحدي للنظام العالمي في ذلك الوقت. إن المتطرفين في وقتنا الحالي عادة ما يلجأون للماضي, بحثًا عن نماذج يستفيدون منها في مسألة التنظيم والحشد.

ليس من قبيل المصادفة، أن القاعدة حاولت أن تؤسس نفسها في بادئ الأمر في السودان, وذلك قبل أن تجد موطئ قدم لها في أفغانستان. لقد شهد السودان والمنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان جهادًا ضد القوى الأوربية, ما أدى إلى تأسيس دول إسلامية قصيرة العمر, في العصور الحديثة نسبياً.

لقد كان اختيار داعش لسوريا والعراق لإعلان الخلافة أيضا دليلاً عمليًّا على اعتزاز الإسلاميين بالسوابق التاريخية. فقد كانت دمشق عاصمة الخلافة الأموية (661- 750), وكانت بغداد مقرّا للخلافة العباسية (750- 1250).

في السودان, أعلن "محمد أحمد" نفسه "المهدي", وأقام دولة غير معترف بها بين عامي 1885- 1899, قبل أن يقضي عليها البريطانيون. أرهب أتباع المهدي السكان المحليين, واضطهدوا الأقليات الدينية (لا سيما المسيحيين), وأعاد تجارة العبيد, وتحدّوا مصر ودولتها الحامية, بريطانيا. إن وفاة مؤسس الحركة في عام 1885, لم يشكّل نهاية للجهاد.

تمكّن البريطانيون في نهاية المطاف من هزيمة أتباع المهدي عسكريًّا, مستخدمين قوة عسكرية إنجليزية-مصرية. كما استخدم البريطانيون أيضا الهياكل والمؤسسات الدينية والقبلية التقليدية لمواجهة العقيدة المهدية. واليوم, يتواجد أتباع المهدي بوصفهم حركة صوفية وليس جماعة متطرفة.

وبالمثل, أصبحت منطقة الحدود الأفغانية-الباكستانية قاعدة للحركة الجهادية بقيادة "سيد أحمد باريلفي" في عام 1826. ومثلما انتقل أسامة بن لادن من السعودية, متخليا عن حياة الرغد, جاء "سيد" من طبقة النبلاء في شمال شرق الهند. حيث جمع الأموال في عموم شبه القارة الهندية, ونقلها عبر نظام الحوالة, كما أشترى أسلحة لاستخدامها ضد الإمبراطورية السيخية المتحالفة مع بريطانيا, والواقعة على طول حدود ما تعرف اليوم بأفغانستان.

وبالرغم من أنه قُتل في عام 1831, ما أدّى لنهاية دولته الإسلامية قصيرة العمر, إلا أن أتباع سيد أحمد واصلوا حملة طعنهم العشوائية ضد البريطانيين لمدة 70 عامًا أخرى. إن قيادة السيارات أو الشاحنات لصدم الحشود, هي المقابل الحديث لتلك الحملة الإرهابية لأتباع سيد أحمد.

نشر البريطانيون في نهاية المطاف قوات عسكرية واستخباراتية لهزيمة الجهاديين. كما نزعوا المصداقية عن معتقدات الإرهابيين عبر دعم قادة مسلمين معارضين للأفكار المتطرفة.

أما في الشرق الأوسط, فلم تحقق الامبراطورية العثمانية نجاحا كبيرا في التعامل مع الوهابيين, الذين قاتلوا الامبراطورية للسيطرة على الجزيرة العربية خلال معظم القرن التاسع عشر. عقب تأسيس الدولة السعودية الحديثة في عام 1932, عدّل الوهابيون من نهجهم تجاه العلاقات الدولية, لكنهم لم يعدّلوا من عقيدتهم. إن تنظيم داعش والقاعدة يجسدان المعتقدات الأكثر تطرفًا للوهابيين كما أنهما يعتبران, بالرغم من معارضة الدولة السعودية الحديثة لهما, امتدادًا لتلك العقيدة الوهابية.

إن الولايات المتحدة ليست قادرة على إحداث تغييرات شاملة في العقيدة الإسلامية, كما أن هذا الأمر لا يدخل في نطاق اختصاصها. وتصوير الصراع الحديث باعتباره معركة ضد الإسلام ينطوي على خطر تحويل العالم الإسلامي-1,8 مليار نسمة- إلى مركز تجنيد لصالح الدولة الإسلامية.

إن الإسلام يعني أشياءً مختلفة لأناس مختلفين, وهو يُمارس بطرق مختلفة وسط مذاهب مختلفة في العالم على مرّ العصور. تخضع عقيدة الجهاد للتفسير, تماما مثل الفكرة المسيحية المتمثلة في "الحرب العادلة". والمسلمون الذين يعتبرون الإسلام ديانة, وليس عقيدة سياسية, والذين يسعون للتقوى, وليس للغزو, يظلون شركاءً مهمين للولايات المتحدة.

يجب على الولايات المتحدة أن تعيد تقييم تحالفاتها في العالم الإسلامي بناءً على ما إذا كان شركاؤها يشجعون التطرف أم لا. إن تعهُّد السعودية الأخير بتدريس الاعتدال في الدين, اقتداءً بحملة دولة الإمارات المناهضة للإسلام المتشدد, تستحق الدعم الأمريكي, وكذلك قرار المغرب بالتعاون مع متحف ذكرى الهولوكوست لتوعية شعبها بشأن الهولوكوست, ولتعليمهم التسامح.  
 
 من جهة أخرى, يشير دعم قطر للإخوان المسلمين, وقرار تركيا بإدراج تعاليم الجهاد ضمن المناهج الدراسية, إلى دعم البلدين للتطرف. يتعين على الولايات المتحدة, قبل كل شيء, أن تركّز على هزيمة العقيدة الإسلامية المتطرفة, وليس فقط على مظاهرها الدورية المتمثلة في الهجمات الإرهابية.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق