معاهدة وستفاليا وارتباك النظام الدولي


٠٧ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٥:١٥ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - warontherocks
ترجمة - بسام عباس


تجاوبًا مع صعود تنظيم داعش، ركز العديد من المراقبين على أكثر الأسباب التي تستدعي القلق، وهي: العنف السادي، والهجمات الإرهابية البارزة، وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن بعض المراقبين حذروا من تهديد أكثر عمقًا: فداعش، كغيره من الحركات الإسلاموية، يسعى إلى قلب نظام ويستفاليا.

قبل ما يزيد قليلا عن ثلاثة قرون ونصف قرن، وافق ممثلو الإمبراطورية الرومانية المقدسة رسميًّا على السماح للأمراء الألمان بإجبار مواطنيهم على أن يكونوا بروتستانت - وبذلك جعل مبدأ سيادة الدولة حجر الأساس للنظام الدولي. والآن، ومع محاولة إنشاء خلافة عالمية، يعرض تنظيم داعش هذا المبدأ الحيوي للخطر.

وإن لم تكن هذه الحالة أسوأ بما يكفي، فإن لحملة داعش ضد نظام ويستفاليا حليف غير متوقع: إنهم الصينيون. حيث قال أحد خبراء العلاقات الدولية: "إن الصين الكونفوشيوسية تعتبر نفسها النظام العالمي الوحيد والمركزي"، مما أدى إلى أن تصبح الصين الحديثة "خصمًا مريرًا للنظام الدولي في القرن العشرين". "ونتيجة لذلك، فإن المعلقين قلقون من أن تصوغ بكين "هيمنة جديدة " تحل محل "مبادئ معاهدات وستفاليا" مع نظام عتيق تقوده الصين.

لكن الخبر السار هو أن الصين هي أيضًا -على ما يبدو- أحد المدافعين الآخرين المتبقين عن النظام الغربي. ففي الواقع، تحب الصين نظام سيادة الدولة الذي وضعته معاهدة ويستفاليا لدرجة أن المشكلة الحقيقية ربما تكون جهود بكين "لاستعادة نظام ويستفالي جديد" يتمتع فيه الجميع بقدر كبير من السيادة.

هل أنتم مرتبكون؟ الفكرة هي أن أيًّا ما كانت تلك الـ"ويستفاليا الحكيمة" التي تنشدها الصين بالضبط، فهذه دلالة سيئة.

ولجعل الأمور أكثر إرباكًا، يبدو أن الجميع يوافقون على أن الاتحاد الأوروبي، الذي يقوم على فكرة قيام البلدان بتجميع سيادتها لتصبح شيئًا آخر، يتعارض بشكل أساسي مع النظام الغربي. ولكن لا أحد يبدو قلقًا حيال هذا.

ففي خضم كل هذه الاستخدامات المتضاربة للمصطلح، يبدو أحيانا أن حماس النقاد لوصف النظام العالمي بأنه ويستفالي ربما يكون تنظيرًا لا إرادي ، مثل قولك "ما" بدلا من "من"، أو ربما كنطقك لأسماء الأماكن الأجنبية بلهجة غير لهجتك. وربما يشير منظرو العلاقات الدولية إلى أن الفكرة تبقى قيمة عند استخدامها بطريقة نظرية أكثر دقة. ولكن لأي شخص مهتم بمناقشة النظام الدولي أو تحدياته أو مستقبله، فهناك مغزى ما في سوء استخدام ويستفاليا أيضًا.

عندما يتم استدعاء النظام الويستفالي، بشكل عرضي، فإنه يسيء تفسير كل من الماضي والحاضر، ويشوه التاريخ لتفادي أسئلة صعبة حول الدور الأمريكي الحالي في العالم. وفي أسوأ الأحوال، فإن النسخة التقليدية من ويستفاليا تنص على وجود نظام قائم منذ قرون على أساس السيادة والعلمانية، وتشير إلى أن الولايات المتحدة تحاول التمسك بهذه المبادئ التي أثبتت فعاليتها بمرور الزمن، ثم تعنِّف الدول الأخرى التي لا تريد ذلك.

إنها سردية أنيقة، ولكن من الصعب التوفيق بينها وبين حقيقة أن الدول الغربية استمرت خلال السنوات القليلة الماضية في انتهاك ممنهج لسيادة الأنظمة غير الغربية. والأكثر من ذلك، فأعضاء النظام الدولي العلماني، كانوا أسرع في التراجع عن المبررات الدينية للقيام بذلك. ومن خلال تجاهل هذا التاريخ، فإن فكرة النظام الويستفالي تقدم الهيمنة الغربية على أنها نظام محايد قائم على الحكم.

والنتيجة هي أنه عندما تعترض الدول الأخرى، يجب أن تكون قضيتهم وفق القواعد، فعلى الفور يستعديها الغرب.

ومن المسلّم به أن الارتباك المثار في السنوات الأخيرة حول معاهدة وستفاليا يبدأ بالتاريخ المحير للمعاهدة نفسها. ففي ظل تعرضها لخطر التبسيط المبالغ فيه، حوّلت معاهدة وستفاليا نظامًا سياسيَّا أوروبيًّا بالغ التعقيد إلى نظامٍ مختلفٍ، ولكنه بالغ التعقيد أيضًا. والواقع أن نظرة بسيطة على خريطة أوروبا الوسطى بعد المعاهدة تكشف عن مدى هذا التعقيد. والبحث في وسط هذا الخضم المتشابك من الأبرشيات والأسقفيات والدوقيات والأرشيدوقيات والمدن الحرة والمقاطعات واللوردات والممالك والأراضي الكنسية، فمن الصعوبة بمكان العثور على أدلة على سيادة الدولة أو العلمانية - خاصة أن كل هذه الكيانات تظل تحت سلطة ما يسمى الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

وإذا لم يكن هناك نظام حديث معترف به مباشرة بعد وستفاليا، إلا أنه بحلول القرن التاسع عشر بدأ نظام أشبه إلى حد كبير بنظام الدولة لدينا في الوقت الحاضر في البزوغ في أوروبا. وفي ظل هذا النظام، رسمت معظم الدول حدودًا واضحة، وتبادلت علاقات دبلوماسية رسمية، مظهرة الاحترام لسيادة كل منها. وفي الوقت نفسه، أنكرت هذه الدول نفسها سيادة الكثير من دول العالم من خلال الإمبراطوريات الاستعمارية. وباختصار، بعد بضعة قرون من السلام في النسخة الأولى "لنظام ويستفاليا" والذي تطور داخل أوروبا، انتشر نظام مختلف جدًا على نطاق عالمي.

ولم يختفِ هذا التباين في الدول غير الأوروبية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، اعتمدت الحكومة العثمانية زخارف نظام الدولة الأوروبي في محاولة يائسة لإضفاء الشرعية على سيادتها. وقد بدا للحظة، عندما قبلت الإمبراطورية العثمانية لفترة وجيزة في المحفل الأوروبي، أنها قد نجحت. ولكن سرعان ما أصبح واضحا أنه بالنسبة لمعظم الأوروبيين، لا يزال العثمانيون غير مؤهلين لبسط السيادة على أسس دينية أو حضارية. غير أن العديد من رجال الدولة الأوروبيين توقعوا أن تتفكك الإمبراطورية العثمانية، ويتم التخلص من المسلمين في القارة، وهو هدف كانوا قد اقتربوا من تحقيقه في نهاية الحرب العالمية الأولى.

أما مسألة أنه مؤهل للسيادة، ومقدار هذا التأهيل، فلم تأخذ أي جهد لإضفاء الطابع المؤسسي على النظام الدولي طوال القرن العشرين. فعلى سبيل المثال، أوضح مؤتمر فرساي أن البعض يحق له الاستفادة من مبادئ الرئيس وودرو ويلسون لتقرير المصير، وبعضها لم يكن كذلك. تأهلت أوروبا الشرقية، وخرج البولنديون، والمجريين، وغيرهم جميعا من المؤتمر بدولهم. غير أن الدول غير الأوروبية الخاضعة للقوى المنتصرة فلم تكن مؤهلة، فلم ينظر المنتصرون إلى المصريين والفيتناميين الذين حضروا في فرساي لتلبية مطالبهم ورجعوا بخفي حنين. والواقع أن نظام ولاية عصبة الأمم قنن العلاقة بين الوضع الحضاري والسيادة، حيث عُهِد إلى "الدول المتقدمة" رسميا بأن تحكم تلك الدول التي اعتبرت غير قادرة على "إدارة شئونها في ظل الظروف الشاقة في العالم الحديث".

واليوم، عندما تتهم دول مثل الصين بتحدي النظام الدولي، فإن هذا يعني دائما أن منافسي الولايات المتحدة يرفضون الالتزام باللعب بالقواعد الأمريكية. ولكن العديد من القادة الأجانب سوف يصرون على أنهم لا يقفون ضد النظام الدولي -سواء كان الويستفالي أم غيره- بل يقفون ضد القوة الأمريكية غير المتناسبة في هذا النظام وقدرتها على التصرف بشكل يخالف القواعد.

وللتعبير الأنيق عن سبب ظهور هذه الآراء المتنافسة، ضع في عين الاعتبار وصف تشارلز هيل للتجربة الأولى للصين في ذلك. ويقول إن انتصار بريطانيا في حروب الأفيون، والاستيلاء بعد ذلك على العديد من الموانئ الصينية في إطار المعاهدات المبرمة، لم يكن انتهاكا للسيادة الصينية بل كان انتصارًا حاسمًا لقيم ويستفاليا. وعندما استمر القادة الصينيون في التمسك بأفكارهم غير الغربية بعد ثورة تايبينج، ومرة أخرى كان على بريطانيا أن تبين لهم كيفية احترام السيادة. وهكذا، سارت القوات البريطانية، في عام 1860، "شمال غرب [بكين] لنهب وحرق القصر الصيفي. وبهذا استدرجت بريطانيا، نيابة عن النظام الدولي العالمي ، الصين للدخول فيه...".

وإذا كان خبراء السياسة الخارجية الأمريكيون يفضلون النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة عن ذلك الذي تهيمن عليه الصين على سبيل المثال، وهذا أمر مفهوم بالتأكيد. وإذا أرادوا إقناع العالم بأن هذا سيكون أفضل للجميع، فلديهم قضية محترمة ينبغي أن تجعل صادقة وصريحة. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد أن تستثمر في نظام دولي تلعب فيه نفس القواعد مثلها مثل الصين، سواء كان قائمًا على قواعد ليبرالية مشتركة أم احترام مشترك لسيادة كل منهما، فإن ذلك يمكن أن ينجح أيضًا. ولكن الخيار الأفضل والأكثر احتمالا ربما يكون عسيرًا، ولكنه سيكون أرضية وسط قابلة للتطبيق بين هذه الأساليب. ولكن إيجاد حل وسط يبدأ بالاعتراف بالحاجة له. ولن يخدع الأمريكيون أحدًا سوى أنفسهم، إذا ما أصروا على امتداح النموذج الويستفالي التاريخي المثالي. والارتباك الناتج عن ذلك سيجعل المهمة الجسيمة بالفعل، والمتمثلة في بناء نظام دولي قابل للبقاء، أكثر صعوبة.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق