حرب عسكرية أم سياسية.. تعرف على التداعيات الإقليمية لاستقالة الحريري


٠٨ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٢٧ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - فورين أفيرز
ترجمة - شهاب ممدوح


أعلن سعد الحريري في الرابع من نوفمبر 2017, خلال بث مباشر على محطة العربية الفضائية, عن استقالته من منصب رئيس الوزراء في لبنان.

لم يتوقع الكثيرون هذه الاستقالة, لكنها لم تكن مفاجئة بشكل كامل. على أي حال, لم يكن الحريري مسرورًا برئاسة حكومة خاضعة لغريمه حزب الله, الحزب اللبناني السياسي-العسكري المتهم بقتل والده, رفيق الحريري, في عام 2005. لكن استقالته الآن, وفي غياب أي دوافع واضحة, بهذه الصورة الغامضة, تسبب في حيرة لدى الطبقة السياسية اللبنانية-حتى لدى أنصاره وقاعدته الشعبية.

إن إعلان سعد الحريري لاستقالته من الرياض, وليس بيروت, له دلالة خاصة. هذا يعني أن السعودية, التي قدمت دعمًا سياسيًا وماليًا لعائلة الحريري خلال معظم مرحلة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية, باتت الآن تعيد مواءمة سياستها في لبنان لإضعاف حزب الله بطريقة أكثر فعالية. لقد تلقّى النفوذ السعودي في بيروت الضربة تلو الأخرى منذ مقتل رفيق الحريري, وذلك نتيجة هيمنة حزب الله ورعاته الخارجيين, إيران ونظام الأسد. لكن من غير المؤكد تماما مدى قدرة هذه المواءمة الجديدة على تحقيق نتائج عملية على الأرض.

إن توقيت إعادة السعودية لصياغة سياستها تجاه لبنان ملفت للنظر. حيث كشفت إدارة الرئيس ترمب لتوها عن استراتيجيتها إزاء إيران, ومن المتوقع أن تكون هذه الاستراتيجية أكثر صرامة تجاه طهران وأنشطتها في المنطقة. هناك أيضا توتر متزايد بين إسرائيل وحزب الله, وهو ما قد يدفع هذين العدوين القديمين نحو الحرب, وهو سيناريو سترحب به السعودية.

إن استقالة الحريري لا تجعل بالضرورة حدوث حرب أخرى بين حزب الله وإسرائيل أكثر ترجيحًا, لكنها تجعل لبنان برمته أكثر ضعفًا. ومع استقاله الحريري, باتت شرعية الحكومة اللبنانية فورا موضع شك, ما يجعلها نظريًا هدفًا أسهل لخصوم حزب الله, ومن بينهم واشنطون وتل أبيب, اللتان تعتبر أن تلك الجماعة الشيعية منظمة إرهابية.

لكن كل هذا لا يغيّر من الحقائق التالية: بعد انتصارها توًّا في سوريا والعراق (حيث أضحت داعش الآن في حالة هروب), بات نفوذ إيران في لبنان والمنطقة أقوى من أي وقت مضى. بالطبع, لا تزال هناك قيود شديدة على نفوذ إيران الإقليمي, كما تظل إيران ضعيفة في مناطق عديدة, لكن لنكن صريحين: نفوذها الإقليمي في تصاعد.

علاوة على ذلك, فإن رغبة واشنطن  في التصدّي لطهران في المنطقة عبر تبنّي سياسة جديدة تجاهها, لا تعدو كونها مجرد طموح. لقد أنهت إدارة ترامب دعمها المقدم للمتمردين المعتدلين في سوريا. كما أن اهتمام واشنطن  المحدود أصلا بسوريا من المرجح أن يختفي تماما, وذلك بعد القضاء على ما تبقى من فلول داعش.

أما في العراق, فقد عبّر ترامب عن رغبته في الاحتفاظ بوجود عسكري أمريكي كبير في هذا البلد, لكن يبدو أن ترامب لا يمتلك استراتيجية سياسية-اقتصادية إزاء هذا البلد أيضا, ما يعني عمليًا ترك الساحة لإيران. لذا, بالرغم من كل الجعجة التي تحدثها إستراتيجية ترامب تجاه إيران, إلا أنها تظل, في الوقت الراهن, عديمة التأثير.

إذاً, ما هو مصير هذا الحزم السعودي المستجد في لبنان؟

نظرًا إلى التفوق العسكري الساحق لحزب الله على كل منافسية المحليين-وحتى على جيش لبنان- فإن أي مواجهة عسكرية مع الحزب هي أمر مستبعد. هناك قيادة جديدة شابة  في الرياض خاضعة تماما لسيطرة ولي العهد محمد بن سلمان, الذي سيصبح قريبا ملكًا, لكن هذه القيادة ليست انتحارية. علاوة على ذلك, فإن سُنّة لبنان ليس لديهم مصلحة في الدخول في حرب مع حزب الله, يعلمون أنهم سيخسرونها.

وبالتالي, فإن المعركة ستكون في المقام الأول سياسية, وسيدور رحاها في الداخل اللبناني وفي الأروقة الدبلوماسية الدولية. لقد اقترب موعد الانتخابات البرلمانية اللبنانية (إذا افترضنا أنها لن تتأجل) واستقالة الحريري تعني أنه ربما يترشح بوصفه زعيما للمعارضة, التي يبدو أنها تتزايد, وربما تكبر أكثر بفضل المساعدات المالية من السعودية. لو فاز الحريري بغالبية المقاعد في البرلمان المقبل, فإنه قد يقلب الطاولة على حزب الله.

لكن إذا كانت هذه حساباته, لماذ اختار إذاً أن يستقيل من الرياض؟ كان يمكنه بسهولة أن يعلن انضمامه لصفوف المعارضة وهو في بيروت. من المحتمل أن السعوديين أجبروا الحريري على الاستقالة, كجزء من نهج الرياض الجديد ضد إيران. على أي حال, بدا الحريرا متوترًا وهو يلقي خطابه, ومتحيّرا مما يقرأه- حيث تضمّن البيان قدرا كبيرًا من النقد اللاذع ضد إيران, والذي اعتاد السعوديون وحدهم على استخدامه. وبالرغم من خلاف الحريري القديم مع حزب الله, إلا أن التاريخ أظهر أنه سياسي برغماتي. وما أظهره على شاشة التلفزيون السعودي يتعارض تماما مع شخصيته.

لكن حتى لو افترضنا أن الحريري اتخذ تلك الخطوة بالتعاون مع, وليس خوفًا من, السعوديين, ما يزال من غير الواضح ما ستؤول إليه الأمور. لو أراد الحريري أن يشكّل تحالفًا جديدًا ذا قاعدة عريضة يضمّ المسيحيين الموالين للرئيس ميشيل عون المتحالف مع حزب الله, فإنه يتعين عليه أن يعود إلى بيروت. يجب أن يكون لدى السعوديين, أيضا, خطة واضحة, تتجاوز مجرد إغداق الأموال على الحريري, بالإضافة إلى بعض الصبر الإستراتيجي, وكلاهما ليس مضمونًا.

لقد كان ردّ حزب الله على استقالة الحريري, والذي أدلى به زعيم حزب الله, حسن نصر الله, في الليلة الماضية, هادئا بصورة مذهلة. بدا نصر الله تقريبا متعاطفًا مع محنة خصمه الحريري, حيث اشتبه نصر الله, على غرار الكثيرين, في أن الحريري أُرغم على الاستقالة. ليس لحزب الله مصلحة في استقالة الحريري, لأنه يوفّر شرعية لهيمنته, ولأن الحريري يمثل, مع نصر الله, رمزا للتوافق السنّي-الشيعي في لبنان.

لكن حزب الله لن يذرف الدموع أيضا على رحيل الحريري. سيحاول الحزب بكل قوته العثور على بديل للحريري يكون مقبولاً للسنّة (القليل من الشخصيات ترغب في تقلّد منصب رئيس الوزراء خوفًا من مواجهة واشنطن  والرياض), لكن أيا يكن مَن سيختاره الحزب, سيحرص الحزب على ألا يقع في ما يعتبره فخًا نصبه السعوديون: تشكيل ما سيكون بالأساس "حكومة حرب" تستبعد السنّة. إن حزب الله لديه أمور أههم في سوريا والعراق, ولديه خشية حقيقية من حرب محتملة مع إسرائيل. وآخر ما يحتاجه الحزب هو وقوع مواجهة داخلية في لبنان تشتت انتباهه.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق