عبر تخريبها.. كيف إستغل تنظيم داعش الأثار كقوة ناعمة


١٢ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٧:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - ستراتفور
ترجمة - آية سيد

 منذ ثلاثة أشهر كان تنظيم الدولة الإسلامية يدير تدمر, وهو موقع أثري عظيم مدفون في قلب سوريا. في غضون أيام من وصولهم, بدأ المتطرفون تفجير الآثار العريقة وإعدام السكان المحليين في المسرح الروماني بالبلدة.

من ضمن المقبوض عليهم كان خالد الأسعد ذو الـ82 عامًا, الذي تقاعد في 2003 بعد 40 عامًا من العمل مديرًا لآثار تدمر. لقد عذبه مسلحو تنظيم الدولة لأسابيع عديدة, على ما يبدو بدافع الاعتقاد بوجود كميات ضخمة من الذهب مخبأة في أنحاء المدينة، وأن الأسعد يمكنه الكشف عن موقع الكنز. عندما لم يستطع فعل ذلك, سحبه آسروه إلى ميدان عام يوم 18 أغسطس, وقطعوا رأسه, وعلقوا جثته من الرسغ في إشارة مرور. لقد تركوا رأسه عند قدميه. وكانت تهتمه, مثلما قال الإسلاميون: بصفته "مديرًا للوثنية," فإنه حضر "مؤتمرات للكافرين" وزار "إيران الكافرة"  .

لكوني عالم آثار, ربما أكون مفرط الحساسية تجاه الأمر, لكن من بين كل الأشياء الخسيسة التي فعلها تنظيم الدولة الإسلامية, يبدو اغتصاب تدمر واحدًا من أسوئها. ومع هذا, بالرغم من مصلحتي الراسخة في إبقاء علماء الآثار أحياء, إلا أنني لاحظت وجود نهج في جنون تنظيم الدولة الإسلامية. إن شن الحرب على الآثار هو مجرد تكتيك في صراع تنظيم الدولة الإسلامية على القوة الناعمة, وينشر مقاتلوها هذا التكتيك بقسوة وذكاء لتعزيز موقفهم وتقويض موقف أعدائهم.

ليس من الواضح كيف نواجه هذه التكتيكات, لكن يجب أن تكون الخطوة الأولى هي فهم ما يأمل تنظيم الدولة في تحقيقه بالضبط من خلال هذا السلوك البربري.

تطور القوة الناعمة
من بعض النواحي, ليس هناك شيء جديد حول أفعال تنظيم الدولة الإسلامية. لقد فهم الغزاة دومًا رمزية صب غضبهم على آثار ماضي عدوهم المهزوم, إما عن طريق تدميرها أو أخذها معهم كغنائم. في العراق, يمكننا عزو هذا التصرف إلى آلاف السنين. في الواقع, واحدة من أشهر آثار الشرق الأدنى, وهي رأس برونزي يمثل سرجون الآكادي (الذي يُنسب إليه الفضل في إقامة أول إمبراطورية حقيقية في بلاد الرافدين سنة 2300 قبل الميلاد), توضح كلا التكتيكين. بعد تبجيلها لما يقارب ألفيتين, حمل الغزاة الآشوريون الرأس إلى عاصمتهم في نينوى, لكن عندما سلب الميديون والبابليون المدينة في 612 قبل الميلاد, اقتلعوا عيني التمثال البرونزي, وقطعوا أذنيه وأنفه.

ظل هذا النوع من السلوك طبيعيًا على مدار معظم التاريخ. لكن عندما غزا البريطانيون العراق في 1917 ثم مجددًا في 1941, وعندما كرر الأمريكيون نفس الفعل في 2003, لم يتمادوا في نهب أو تخريب الزقورات والجوامع. قامت القوات الأمريكية بإسقاط تماثيل صدام عديمة الذوق, لكن القادة قدموا أيضًا بطاقات تعليمية للجنود والتي شرحت لهم كيف يتجنبون إتلاف المواقع الأثرية. (أنا نفسي أمتلك بعضًا منها)

تصرف البريطانيون والأمريكيون بطريقة مختلفة عن الميديين والبابليين؛ لأنه -في غضون الـ250 سنة الماضية- حلت طرق جديدة للتعامل مع آثار الأعداء مكان الطرق القديمة. بدأت التكتيكات الجديدة في أوروبا في القرن الثامن عشر, عندما اكتشف الملوك أن بإمكانهم كسب قوة ناعمة عن طريق تقديم أنفسهم كملوك متنورين أكثر من القوة التي يكسبوها عندما يتصرفون مثل أتيلا الهوني. إن الحاكم الذي يستطيع علماؤه تصنيف وشرح ثقافة أعدائه كان محببًا وشرعيًا؛ الحاكم الذي يدمر جنوده الحضرة لم يكن كذلك. ميز غزو نابليون لمصر عام 1798 نقطة تحول: على الرغم من حمله لعدد لا يُحصى من الكنوز إلى اللوفر, كتب علماؤه 12 مجلدًا ممتاز أكاديميًا بعنوان وصف مصر ولم يدمروا شيئًا تقريبًا.

كان أحد العناصر الاستثنائية لإمبريالية أوروبا في القرن التاسع عشر هو تدافعها العالمي نحو الثقافة حيث تسابق الباحثون لدراسة ماضي المجتمعات الأخرى, وليس تدميره. إن المنافسات لفك رموز الهيروغليفية المصرية (التي ربحتها فرنسا) والمسمارية في بلاد الرافدين (التي ربحتها بريطانيا) كانت على الأرجح في منح الشرعية للإمبراطوريات بنفس أهمية إقامة "متاحف عالمية," مكدسة بعينات تمثل أعظم الإنجازات الثقافية التي شهدتها البشرية من كل مكان في العالم. (ربحت بريطانيا هنا أيضًا تقريبًا, لكنها كانت منافسة قريبة.)

استمرت الإمبريالية الثقافية في التحول في القرن العشرين. إذا كان هدف الإمبراطورية, مثلما كان يزعم البريطانيون والأمريكيون بالتحديد, هو تعليم الشعوب المستعمرة أن تحكم نفسها, فكانت هناك حُجة قوية بأن التلاميذ يجب أن يُسمح لهم بالتحكم في ماضيهم. وجد الحكام الاستعماريون هذا أمرًا يُصعب تقبله؛ على الرغم من إنشاء "المسح الأثري للهند" في 1861, على سبيل المثال, ضمت المؤسسة عدد قليل جدًا من علماء الآثار الهنود حتى 1944, قبل ثلاثة أعوام فقط من انتهاء الراج. مع هذا, في أعقاب إنهاء الاستعمار, جعلت معظم الدول التراث الثقافي مسألة فخر قومي ومنعت بشكل كبير تصدير الآثار.  

في 1970, حظرت منظمة اليونيسكو شراء أو بيع القطع الأثرية إلا إذا كان هناك إثبات أنها كانت في حوزة هواة جمع الآثار قبل تمرير الميثاق. وجدت بريطانيا أن أعظم غنائمها الثقافية -مرمرة إلجين, المأخوذة من البارثينون الأثيني والتي عُرضت في المتحف البريطاني في 1816- كانت تتحول من كونها مصدرًا للفخر إلى مصدر للإحراج الدولي. في الولايات المتحدة, وضع قانون حماية مقابر الأمريكيين الأصليين وإعادتها للوطن, الذي تم تمريره عام 1990, وضع قيودًا صارمة على قدرة علماء الأنثروبولوجي على دراسة أو عرض مكتشافتهم من مقابر السكان الأصلييين في المتاحف, ناهيك عن تدميرها أو بيعها.  

الآن, في القرن الواحد والعشرين, كل دولة في العالم تقريبًا تبنت نسخة معينة من نظرة ما بعد التنوير التي تعتبر القطع الأثرية القديمة تراثًا ثقافيًا لا يُقدر بثمن. ولأن تقييم تراث الثقافات الأخرى يُعد جزءًا من الحداثة, والليبرالية والشرعية, فإن الحكومات التي تفشل في حماية آثار أعدائها المهزومين تدفع ثمنًا باهظًا في القوة الناعمة.

جماعة متعصبة في زمن ليبرالي
لكن تنظيم الدولة الإسلامية ليس مهتمًا بأن يكون عصريًا أو ليبراليًا, وهو يفكر في الشرعية بطريقة مختلفة تمامًا. إن هدفه المعلن هو أن يكون عتيق ومتعصب, مما يعني إنه على الرغم من تدميره الغاشم للآثار وقتله لعلماء الآثار شيء متخلف ووحشي, إلا إنه منطقيًا ومؤثرًا أيضًا.

تنظيم الدولة الإسلامية ليس وحده في فهم هذا المنطق. في 1997, هاجمت جماعة إسلامية غير معروفة (على الأرجح الجماعة الإسلامية) معبد حتشبسوت في الأقصر بمصر, وقتلت 62 زائرًا. في 2001, حطمت حركة طالبان الأفغانية تماثيل بوذا الرائعة في باميان والتي تعود للقرن الخامس الميلادي. في 2006 و2007, دمر عملاء القاعدة في العراق ضريح العسكري الشيعي في سامراء. يمكن تجميع أمثلة, وليس كلها إرتكبها إسلاميون. دمر حرس ماو الأحمر عدد لا يُحصى من معابد كونفوشيوس أثناء حملة الثورة الثقافية على "القدامى الأربعة" في الستينيات, وخربت عصابة هندوسية مسجد بابري في أيوديا, الهند, في 1992.

بطرق مختلفة, سعت كل واحدة من هذه الجماعات لإبعاد نفسها عن النظام الدولي الليبرالي. ما يجعل تنظيم الدولة يبرز ليس خباثة اللعبة التي يلعبها, وإنما المهارة التي يلعب بها, التي تضاعف مكاسب التخريب الثقافي وتقلل تكاليفه.

يأتي المكسب الأول من جاذبية أفعال تنظيم الدولة لمن يشاركونه وهم إعادة إقامة الخلافة الراشدة التي تعود للقرن السابع. أدان المفكرون الإسلاميون الأوائل في بعض الأحيان عصر ما قبل مولد النبي محمد عام 570 ميلاديًا تقريبًا واصفين إياه بعصر الجاهلية, وأعاد المنظر الإخواني البارز سيد قطب إحياء المصطلح عام 1964 في كتابه معالم على الطريق. في الكتاب, جادل بأن كل شيء جاهلي "شرير وفاسد"، وعلى مدار الخمسين سنة الماضية, ربط المتطرفون السُنة فرض الشريعة بتدمير الآثار الجاهلية.

هذا يمثل ابتعادًا عن التقاليد الإسلامية السائدة, السُنية والشيعية. في الفترة بين القرنين الثامن والعاشر, درس الباحثون العرب الفلسفة اليونانية عن كثب أكثر من الأوروبيين, وفي القرن التاسع عشر, كانت الإمبراطورية العثمانية سعيدة بمقايضة القطع الأثرية اليونانية والبابلية بالمودة أو النقد الغربي. تنظيم الدولة الإسلامية نفسه يجني العائدات عبر فرض ضرائب على الآثار المنهوبة من الأراضي التي يسيطر عليها, لكن ما يجعله مختلفًا عن الأنظمة الإسلامية السابقة هو إنه يدرك أن قيمة الدعاية لتدمير هذه الموارد الثمينة تكون في بعض الأوقات أكبر بكثير من أي مكسب مالي محتمل.

المكسب الثاني لتفجير المعابد وقتل علماء الآثار هو التناقض الشديد الذي تخلقه هذه الأفعال بين تنظيم الدولة الإسلامية والديكتاتوريين العلمانيين الذين حكموا معظم العالم المسلم منذ الخمسينيات. في مسعى منهم لكي يظهروا عصريين وشرعيين, تبنى الكثير من هؤلاء الحكام علم الآثار وتراث بلادهم ما قبل الإسلام. لعل محمد رضا بهلوي, آخر شاه لإيران, كان الحالة المتطرفة, حيث أقام احتفالًا باهظ التكلفة بعيد الميلاد الـ2,500 لإمبراطورية أخمنيون الفارسية في 1971. لكن العديد من الزعماء العرب قلدوا الشاه. أنفق صدام حسين ثروة على ترميم زقورة عمرها 4000 عام في أور, وسهلّت وزارات الثقافة العربية الأمر على علماء الآثار الغربيين لكي يقوموا بالعمل الميداني. أنا أتحدث من منطلق التجربة هنا: في 1990, منحتني السلطات السورية تصريحًا بالتنقيب بالقرب من حلب عند أول طلب لي, على الرغم من أن المشروع فشل بمجرد أن غزا صدام الكويت.

هناك بالطبع جانب سلبي محتمل لتدمير الآثار: يمكنه أن يوحد أعداء تنظيم الدولة الإسلامية ضده. أخبر سالم زهران, وهو محلل لبناني تجمعه روابط بالحكومة السورية, أخبر رويترز أن إدارة الأسد تتوقع أن تؤدي الأحداث في تدمر إلى تعاون أكبر بين دمشق وواشنطن ضد تنظيم الدولة. حتى الآن, رغم هذا, لم تظهر أية إشارة على أن هذه التوقعات تحققت, على الأرجح لإنه سيكون من السهل على تنظيم الدولة الإسلامية أن يحول هذا النفاق الغربي إلى انقلاب دعائي. في الثلاثينيات, حقق ستالين قدر كبير من النجاح في إقناع الأوروبيين بأن الديمقراطية الليبرالية غير جديرة بالثقة وأن الشيوعية هي البديل الحقيقي الوحيد للخصوم الفاشيين. اليوم, أضمن طريقة أمام الولايات المتحدة للتحقق من صحة المزاعم بأن الإسلاموية هي الخيار الوحيد لخصوم الملوك الرجعيين والديكتاتوريين العسكريين في العالم المسلم هي أن تبدأ واشنطن العمل مع بشار الأسد.

إن الذكاء الذي يتسم به سلوك تنظيم الدولة الإسلامية في تدمر, ونينوى وغيرها من المواقع يكمن في حقيقة أن رد الغرب, أيا كان, سوف يصب على الأرجح في صالح تنظيم الدولة الإسلامية. الرد الأسوأ سيكون الرد على التدمير بالتدمير: إطلاق صواريخ كروز على قبة الصخرة في القدس, أو على الكعبة في مكة, سيكون كارثة قوة ناعمة لدرجة أن لا أحد من صناع السياسة الغربيين سيفكر في مثل هذا الخيار. حتى الآن, كان الرد المفضل هو شجب البربرية الإسلاموية, لكن حتى هذا التكتيك له قيود صارمة. إذا بدا أن الغربيين يهتمون بالمعابد الرومانية المدمرة في تدمر أكثر من إهتمامهم بالأطفال الذين يموتون في غزة, سوف ينجح تنظيم الدولة الإسلامية مرة أخرى في أن يظهر أكثر صلاحًا من أعدائه. إن ما يسميه الغربيون جرائم في حق التراث العالمي, يسميه الإسلامويين ضربات شرعية للطغيان الكافر الفاسق.

يوجد خيار ثالث. يمكن أن يتبع الغرب الاستراتيجية الليبرالية الكلاسيكية بمقابلة التعصب بالتسامح, وتشجيع المزيد من التبادلات الثقافية وإقامة المعارض التي تعرض روعة الحضارة الإسلامية. ربما يكون هذا الخيار الأقل سوءًا المتاح, على الرغم من إنه هو أيضًا يلعب بشكل مباشر في مصلحة روايات الإسلامويين التي تؤكد على العجز الأخلاقي والعسكري للغرب.

تبدو هذه القصة وكأنها تشير إلى ثلاثة استنتاجات محتملة, وجميعها غير محببة. أولاً: الهجمات على علماء الآثار والمواقع القديمة تُعد تكتيكا فطنا وقويا في الصراع على القوة الناعمة في الشرق الأوسط. ثانيًا: مازال على الغرب ابتكار رد مناسب على هذا التكتيك. وثالثًا: حتى يفعل هذا, يمكننا أن نتوقع رؤية المزيد من علماء الآثار المقتولين والمزيد من التراث الثقافي العالمي المدمر.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية داعش داعش في سوريا

اضف تعليق