تعرف على التاريخ المنسي للمسلمين الذين قاتلوا إلى جانب بريطانيا فى الحرب العالمية الأولى


١٣ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٥٥ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - الجارديان
ترجمة - شهاب ممدوح


تجمّع حشد من الناس على سفح تلة مطلّة على مقبرة "روتردام دي لوريت", وهي المقبرة الحربية الوطنية في فرنسا، متحدّين الرياح القارسة التي كانت تلفحهم. حيث احتشد هؤلاء الأشخاص وسط ما تبقى من 440 ميلاً من الخنادق التي شكّلت الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى، لم يكن الحشد يرتجف من البرد القارس، وإنما من هول الصدمة والمفاجأة، بينما كان يستمع إلى سرد لحياة الرجال الذين قاسوا فظائع الحرب العالمية الأولى.

لقد سقط أكثر من 1,5 مليار قذيفة مدفعية على هذا القسم من شمال فرنسا، بالقرب من بلدة "أراس", ما جعل الجنود يطلقون على تلك الأرض الزراعية التي قاتلوا فيها اسم "جحيم الشمال", أو بصورة أدق "المقبرة".  لكن ما استحوذ على مخيلة الزائرين بوجه خاص، كان التجارب التي خاضها الجنود المسلمون، حيث رسم ذلك على وجوهم نظرات عدم التصديق عند استماعهم إلى تاريخ لم يُرو بصورة تامة من قبل.

لقد جاء هؤلاء الجنود المسلمون من مناطق يسودها مناخ أكثر سخونة، وتوجهوا إلى الخنادق برفقة الأئمة الذين شملت مهماتهم قيادة هؤلاء المسلمين في الصلاة، وترديد الأذان في أذن الجنود الذين كانوا يلفظون أنفاسهم الأخيرة. كانت تصدر أوامر خاصة بشأن موعد الصلاة وطريقة أدائها. حيث يقول إعلان صادر من القيادة الفرنسية العليا: "لو اشتدّت وتيرة الحرب، ولم يحظ المسلم بلحظة من السلام لأداء صلاته، فبإمكانه أن يحرّك رأسه وجذعه" ويواصل الإعلان بقوله "وفي أوقات الهدوء، يستطيع الجنود استكمال صلواتهم رفقة بعضهم البعض".

كان الطعام الحلال يُقدم للجنود بشكل دوري، وكان يجهّزه طباخون جاءوا مع هؤلاء الرجال. وعند نفاد الإمدادت الطبية، استخدم بعض هؤلاء الجنود أدوية عشبية تقليدية من أوطانهم الأصلية لمعالجة رفقائهم الجرحى، بغض النظر عن ديانتهم. كما علّم جنود آخرون أغانيهم الشعبية لرفاقهم الذين قاتلوا بجانبهم، بغض النظر عن لغتهم، خلال فترات الهدوء التي تخللت المعارك الوحشية التي شهدتها حرب الخنادق.

لقد عُرض دليل تضحيات هؤلاء الجنود في ركن من مقبرة "نوتردام دي لوريت", والتي تضم مقابر 40 ألف جندي فرنسي سقطوا في الجبهة الغربية. إن شواهد قبور الجنود المسلمين لا تميّزها فقط كتاباتها الإسلامية، لكن يميّزها أيضا ميلها شرقًا نحو مكة. وقد صممها الرسام الفرنسي Etienne Dinet, الذي اعتنق الإسلام في عام 1908.

أنهى الحشد، الذي تكون بصورة أساسية من مسلمين بريطانيين ذهبوا إلى تلك المقبرة قبل إحياء ذكرى يوم الهدنة، زيارته بأداء الصلاة فوق قبور الجنود الشمال أفريقيين الذين يشاركون أفراد ذلك الحشد الديانة ذاتها. إن زيارة الحشد هي جزء من مشروع رائد تنفذه منظمة اسمها "مؤسسة الأبطال المنسيين 14- 19" والتي وثّقت لأول مرة مساهمة كل المسلمين الذين قاتلوا وعملوا لصالح قوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الأولى. يشير الرقم 19 الوراد في اسم المنظمة إلى الصراع الذي سببه الوجود العسكري الفرنسي في سوريا عام 1919 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى.

قضى الباحثون السنوات الست الماضية في فحص السجلات العسكرية، والدبلوماسية، والخاصة، ومن بينها مذكرات ورسائل, في 19 دولة. حيث اطّلعوا على أكثر من 850 ألف وثيقة فرنسية وإنجلزية وفارسية وأوردية وروسية وألمانية وعربية، فضلا عن مئات الصور.

يقدر الباحثون أن هناك 2,5 مليون مسلم شاركوا إلى جانب الحلفاء في الحرب، بوصفهم جنودًا أو عمالاً، وهذه أول مرة يتم فيها تحديد هذا الرقم.

لقد أسس هذه المنظمة المواطن البلجيكي "لوك فيرير" البالغ من العمر 53 عاما، بعد أن عثر في علية منزله على مذكرات كتبها جده الأكبر حول الحرب العالمية الأولى. حيث كتب جده بإسهاب عن "المحمديين" الذين قابلهم في الخنادق. أثارت تلك المذكرات انبهار "فيرير" ودفعته للغوص في كتب التاريخ للتعلم أكثر، لكنه لم يجد الكثير من المعلومات بشأن هذا الأمر.

ثم بدأ بإجراء بحثه الخاص، حيث بدأ بسجلات الحرب البلجيكية والفرنسية، وأدرك أن هناك قصة أكبر يمكن أن يرويها. في الواقع، أصبح "فيرير" منهمكًا بشدة في بحثه، لدرجة أنه تخلى عن وظيفته في قطاع الصناعات الجوية لتأسيس منظمته في عام 2012, وكرّس حياته لتوثيق دور كل المسلمين المشاركين في الحرب.

لقد جُلب هؤلاء الجنود من إفريقيا والهند والشرقين الأقصى والأدنى وروسيا وحتى أمريكا، لكن قصص هؤلاء الجنود المؤثرة المتعلقة بحياتهم وموتهم إلى جانب نظرائهم الأوربيين المسيحيين أو اليهود هي التي كان لها التأثير الأقوى على "فيرير"وفريقه. يقول هؤلاء الباحثون: إن معرفة هذا التاريخ يمكن أن تساعد في التغلب على بعض المشاكل التي تواجهها أوربا اليوم.

تروي الوثائق المُكتشفة قصصًا عن أئمة مسلمين ورجال دين مسيحيين ويهود يتعلمون مراسم دفن وصلوات بعضهم البعض، وذلك عندما كانوا يدفنون القتلى في جبهات القتال. هناك قصص تحكي عن جنود مسلمين يتقاسمون طعامهم مع مدنيين جوعى، بينما عبّر جنود فرنسيون وبلجيكيون وكنديون عن دهشتهم من معاملة الجنود المسلمين الإنسانية لأسرى الحرب الألمان. وعند سؤالهم لشرح تصرفهم ذلك، اقتبسوا آيات من القرأن وأحاديث نبوية تتحدث عن طريقة معاملة جنود العدو.

قال "فيرير", وهو غير مسلم، إن "اليمين المتطرف ومعاداة الإسلام يتصاعدان في أوربا. ومشروعنا يهدف إلى جعل كل الناس في القارة يفهمون أن لدينا تاريخا مشتركا. هذا لا يتعلق بالسياسة أو الاستعمار. نحن ببساطة نعرض الحقائق، لأن أوربا بأكملها بحاجة لأن تعرف هذه القصة.

"يُصوَّر المسلمون باعتبارهم عدوًا في الداخل، وبأنهم وصلوا حديثا إلى أوربا ولم يقدموا أي مساهمة مفيدة لأوربا. لكننا نستطيع أن نظهر أنهم ضحوا بحياتهم من أجل أوربا حرة"

يكمن الهدف الأساسي لهذه المنظمة في نشر ما توصلت إليه للشباب البريطاني والأوربي على وجه خاص، بغرض مساعدة أجيال المستقبل على فهم المجتمعات المسلمة التي تعيش وسطهم بطريقة أفضل. لقد جرى تنظيم هذه الجولات الميدانية، وهي بعنوان تجربة المسلمين في الحرب العالمية الأولى، بالتعاون مع شركة "أنجليا للرحلات Anglia Tours" المتخصصة في تنظيم زيارات لميادين المعارك لتلاميذ المدارس البريطانية.

بالإضافة إلى زيارة الخنادق، والنصب التذكارية، والمقابر، والاستماع إلى القصص الإنسانية وراءها، تتضمّن الجولة أيضا زيارة مسجد "البدر" في مدينة "أميان" لمشاهدة عرض بشأن بحث المنظمة، ويعقب ذلك تناول وجبة شمال-إفريقية تقليدية. كما يُشجع الزائرون غير المسلمين على مشاهدة صلاة العشاء.

قال "يوسف تشيمبرز" عضو صندوق التراث الإسلامي، الذي يتعاون مع المنظمة في بريطانيا:"نحاول أن نبني الجسور بين بعضنا البعض، وهل هناك طريقة أفضل من تناول وجبة طعام وإقامة علاقات اجتماعية لفعل ذلك؟".

"يركّز عملنا على كل المجتمعات والأعمار، وخاصة الشباب. نريد أن يعرف الناس هذا التاريخ لأننا نرغب في أن يقول كل طفل بريطاني وأوربي إن المسلمين كانوا أبطالاً أيضا في الحرب العالمية الأولى.

لقد لفت عمل المنظمة بالفعل انتباه خبراء الحرب العالمية الأولى. وألقى "فيريير" خطابًا أمام جمعًا من المؤرخين في جامعة هارفارد، كما قدّم ورقة إلى الأمم المتحدة. هناك خطط لإصدار كتاب في العام المقبل سيتضمّن مقتطفات من الوثائق والصور التي عُثر عليها، كما سيُقام معرض متنقل يجول أوربا. يعتقد "فيريير" أنه مع استمرار هذا البحث، فإن الرقم الحالي الخاص بمساعدة 2,5 مليون مسلم للحلفاء أثناء الحرب العالمية، قد يشهد ارتفاعًا.  

بالنسبة إلى الزوّار الذين حضروا الجولة الافتتاحية في الأسبوع الماضي، فإن أكثر ما لامس قلوبهم كان سماع تلاوة لرسائل بعثها جنود مسلمون إلى ذويهم, حيث يشاركونهم فيها مخاوفهم وإيمانهم. تقول إحدى الرسائل التي بعثها جندي جزائري مرابط في الخنادق في منطقة محيطة بمقبرة "نوتردام دي لورييت" في عام 1916:"أقسم بالله وباسم كل ما هو مقدس لدينا, أنني لن اتوقف عن تلاوة صلواتي, ولن أتخلى مطلقا عن ديني حتى لو أُبتليت بمِحن أشدّ فظاعةً من تلك التي أعاني منها الآن".

تقول "طيبة شوكت" -البالغة من العمر 25 عاما من غرب لندن- "عندما تستمع إلى تلك الشهادات الشخصية، فإنك تفهم حقيقة ما مرّ به هؤلاء الرجال. لقد جرى توثيق التجربة التي مرّ بها الجنود الأوربيون في الحرب العالمية الاولى توثيقًا جيدًا من جانب الشعراء والكتّاب، لكننا لا تعرف أي شيء بشأن حياة الجنود المسلمين والجنود الآخرين الذين جُلبوا من المستعمرات، وهذا أمر يجب أن يتغيّر".

أعداد المسلمين القتلى في الحرب
الجنود
400 ألف هندي (الجيش الهندي البريطاني)
200 ألف جزائري, و 100 ألف تونسي, و 40 ألف مغربي, و 100 ألف جندي من غرب إفريقيا, و 5 آلاف جندي صومالي وليبي (الجيش الفرنسي)
5 آلاف أمريكي مسلم
1,3 مليون روسي مسلم

 العمال
100 ألف مصري
35 ألف صيني مسلم
130 ألف عامل من شمال إفريقيا
200 ألف إفريقي من جنوب الصحراء
40 ألف هندي
     

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق