هل تعود بولندا إلى الفاشية مرة أخرى؟


١٩ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٣:٠١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر – نيويورك تايمز
ترجمة - آية سيد


إذا كنت تريد معرفة إلى أين تتجه بولندا, فلتنظر إلى أحداث السبت الماضي في وارسو.

احتشد عشرات الآلاف من الأشخاص – بعضهم يحمل أطفاله – في العاصمة البولندية للاحتفال بعيد الاستقلال في مسيرة اشتركت في تنظيمها منظمتان فاشيتان. لقد لوحوا بالأعلام البولندية البيضاء والحمراء, والشعلات, وارتدوا الرموز التي تدل على "سلطة البيض." لقد حملوا رايات تقول, "الموت لأعداء الوطن," وهتفوا بصيحات النصر النازية وباسم المنظمات التي تؤمن بتفوق أصحاب البشرة البيضاء.

كان الشعار الرسمي للمسيرة هو "نحن نريد الرب" – وهي كلمات من نشيد قديم اقتبسها الرئيس ترامب أثناء كلمته في وارسو في شهر يوليو.

ظهرت مجموعة من النساء الشجاعات للاحتجاج على المسيرة. عقب الاختلاط بالمحتشدين, أخرجوا قطعة طويلة من القماش كُتب عليها "أوقفوا الفاشية." لكنهن تعرضن للهجوم على الفور, وتم تمزيق رايتهن. وقام المحتشدون بدفع بعض النساء على الأرض وركل الأخريات.

هل كانت هذه النساء تبالغ في وصفها للمسيرة بالفاشية؟ أم إننا نشهد بالفعل عودة للفاشية في بولندا؟ سوف استخدم عبارة: أنا أصدق النساء.

على الرغم من أن الرئيس البولندي, أندجي دودا, أدان المسيرة, وقال أن بولندا ليس بها مكان لـ"القومية المريضة," وصفها وزير الداخلية, "ماريوس بلاسكزاك, بإنها "مشهد جميل." وأضاف: "نحن فخورون بأن الكثير من البولنديين قرروا المشاركة في الاحتفال بعيد الاستقلال."

بالنظر لما حدث, هذا يبدو صادمًا. لكن بالنسبة لأولئك الذين يتابعون السياسة البولندية, لم تكن تصريحات الوزير مفاجئة.

منذ أن فاز حزب القانون والعدالة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 2015, تمر بولندا بعملية تحول سياسي مربكة. إن القانون والعدالة اسم أورويلي لحزب يخالف القانون باستمرار, ويخرق الأحكام الدستورية وعازم على إخضاع المحاكم لسيطرته. يقوم الحزب بتفكيك إطار العمل الدستوري للديمقراطية البرلمانية قطعة قطعةمن أجل إزالة أية قيود على السلطة الشخصية لقائده, ياروسلافكاتشينسكي.

منذ عامين, راهن الحزب على أن فهم أزمة اللاجئين في أوروبا سيمنحه الأصوات اللازمة للفوز. أثبتت حساباته إنها صحيحة بالكامل.
كانت أول مؤسسة يخطفها الحزب هي تليفزيون الدولة. لقد حوله حزب القانون والعدالة إلى نسخة مكبرة من فوكس نيوز, يمولها دافعو الضرائب. إنها تغذي المشاهدين بدعاية لا تنتهي عن التهديد المتصاعد لسيادة بولندا القادم من الإتحاد الأوروبي, وبالتحديد في صورة لاجئين مسلمين.

تصر الحكومة والصحافة على أن أولئك اللاجئين يمثلون تهديدًا على أسلوب الحياة. يقولون أن اللاجئين سوف يعتدون على النساء, وإنهم يحملون أمراضًا معدية. منذ عام واحد, عارض ربع البولنديين قبول أي شخص هارب من ويلات الحرب في الشرق الأوسط؛ عقب شهور من الدعاية القاسية, 75 في المائة يعارضون الآن. سمحت الدولة هذا العام بدخول 1,474 طالب لجوء فقط, وجميعهم تقريبًا من روسيا أو أوكرانيا.

مع هذا يبدو أن المحتشدين في وارسو يشعرون أن بلادهم مستحوذ عليها. كانوا يصيحون, "نحن لا نريد مسلمين هنا," و"لا للإسلام," و"فليخرج اللاجئون."

حتى وقت حديث لم يكن البولنديون يفكرون كثيرًا في الإسلام بعيدًا عن التعبير عن الإحساس بالفخر التاريخي بأن ملك بولندي, يوحنا سوبييسكي, هزم الأتراك في معركة بالقرب من فيينا في القرن السابع عشر, وبالتالي أنقذ أوروبا المسيحية من الغزاة. هذا يلائم موضوعًا متكررًا في الأسطورة القومية البولندية: بولندا كحصن للمسيحية. بولندا, وفقًا لهذا التعبير المجازي, عانت بصورة متكررة من أجل الآخرين, وخاصة بقية أوروبا المسيحية.

بينما تباهى المتظاهرون في وارسو بالشعلات, ألقى كاتشينسكي كلمة يعبر فيها عن تحريف جديد لهذه الرواية المعروفة: مهمة البولنديين الآن هي إنقاذ "أوروبا المريضة" من نفسها. ألمح المحتشدون الفاشيون الجدد في وارسو إلى كيفية فعل هذا: كُتب على إحدى الرايات, "الدماء النقية," وكُتب على راية أخرى, "أوروبا بيضاء."

لكن معظم البولنديين لا يستطيعون تفرقة المسلم أو البوذي عن المسيحي. ينبع حقدهم, الذي يحمل القومية البولندية إلى إفصاح عدواني عن كراهية الأجانب, ينبع بشكل رئيسي من تجمع عميق للكراهية العرقية-الدينية, المتأصلة في بولندا وكانت تستهدف اليهود تاريخيًا.
إن معاداة السامية عنصر متأصل بقوة وراسخ تاريخيًا في هذه النظرة العالمية القومية البولندية. لقد كانت حجر الزاوية الأيدولوجي للحزب الوطني الديمقراطي في فترة ما قبل الحرب بقيادة رومان دموسكي, الذي بدأت من عند تمثاله مسيرة عيد الاستقلال هذا العام. إن المنظمة الشبابية التي ساعدت في تنظيم المسيرة في وارسو منحدرة من فرع فاشي للحزب, الذي نزل أعضاؤه للشوارع في الثلاثينيات لضرب اليهود وجرحهم بشفرات الحلاقة المثبتة على عصي خشبية. أولئك الذين نزلوا في المسيرة يوم السبت هم ورثة هذا الإرث الفاسد.

لقد فعل قادة بولندا شيئًا لا تُحمد عقباه. إن ما شاهدناه في شوارع وارسو يمثل تهديدًا ليس فقط على الديمقراطية الليبرالية في بولندا بل وعلى استقرار ورخاء الإتحاد الأوروبي.
كان نصف الضحايا اليهود للهولوكوست البالغ عددهم ستة ملايين من البولنديين. وتعرض مليوني بولندي آخر للقتل أثناء الإحتلال الألماني. كم عدد الوفيات المطلوبة لكي يتعلم القادة أن الكلمات والأفكار يمكن أن تكون قاتلة؟

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق