هل تساعد "مصفاة عبدان" إيران في التغلب على عقوبات ترامب؟


٢٢ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٢:٢٣ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
رؤية
المصدر- بلومبرج
ترجمة - شهاب ممدوح

 
في أقدم مصفاة للنفط في منطقة الشرق الأوسط, كانت توجد خزانات عملاقة من الطوب الأصفر لتخزين النفط الخام ومنتجات الوقود الإيرانية, وكانت هذه الخزانات تحمل آثار طلقات رصاص أُصيبت بها خلال الحرب مع العراق في عقد الثمانينيات. إحدى تلك الخزانات كان بها فجوة كبيرة أحدثتها قذيفة دبابة.

لقد أصبح الصراع الآن اقتصاديًا, لكن هذه المنطقة الواقعة في جنوب غرب إيران بالقرب من الخليج الفارسي باتت تحظى مجددًا بأهمية استراتيجية، إن حديث الرئيس ترامب عن إلغاء الاتفاق النووي, الذي كان من المفترض أن يُعيد إيران مرة أخرى إلى أسواق النفط العالمية, قد دفع إلى التعجيل بوضع خطط لإحداث تحوّل في تلك المنطقة الغنية بمخزونات النفط, والمليئة بجروح المعارك في الوقت ذاته.

تهدف إيران, بمساعدة الصين, لتحويل مصفاة عبدان التي يبلغ عمرها قرن من الزمان من مجرد مصفاة قديمة تكلّف خزينة الحكومة نحو 700 مليون دولار سنويا, إلى مصفاة مربحة بإمكانها تزويد السوق المحلي الإيراني بوقود عالي الجودة بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.

يقول "محمد كاجاني", الرئيس السابق لشؤون النفط والغاز في بحر قزوين في وزارة النفط الإيرانية: "يتعين على الحكومة الإيرانية, في ضوء موقف ترامب, أن تجيّش مواردها, وتضع سياسة وطنية شاملة للطاقة, وهذا الأمر أصبح ضروريًا أكثر من أي وقت مضى" ويمضي قائلا "الاستثمار ضروري جدا لمصفاة عبدان, ومهم جدا للاقتصاد الإيراني بصورة عامة".

وقّعت شركة "سينو بيك" (Sinopec) الصينية صفقة قيمتها 2,7 مليار دولار مع شركة النفط الوطنية الإيرانية في شهر يناير لبناء وحدات لإنتاج بنزين عالي الجودة. كما قطعت شركتي Marubeni Energy و JGC Corp اليابانيتين شوطًا متقدمًا في المحادثات من أجل عقد صفقة منفصلة بهدف المشاركة في المشروع, وفقا لما قاله " إسفنديار دائم الذكر", رئيس مصفاة عبدان. كما تجري شركات عُمانية, وقطرية, وتركية نقاشات مع مسؤولين محليين للقيام باستثمارات أخرى في مشاريع النفط والغاز.  

يقول "دائم الذكر" إن "هذا أكبر استثمار أجنبي بعد رفع العقوبات" ويضيف "سيتم تحديث المصفاة بأكملها في غضون أربع إلى خمس سنوات".

خلال زيارة نُظمت للصحفيين في شهر سبتمبر, شوهدت حاويات شحن تملأ إحدى المناطق في عبدان, حيث أُزيلت شبكة من الأنابيب لأفساح المجال للمهندسين الصينيين لكي يضعوا الأساسات.

تستورد إيران نحو 10 ملايين لتر من البنزين يوميًا لتلبية الطلب, وهي ترغب في إجراء تخفيض هائل في نسبة المنتجات المنخفضة الجودة وغير المكرّرة التي تضخّها مصفاة عبدان منذ عقود. هذا التوجّه تتبناه أيضا دول الخليج, ومن بينها المملكة السعودية غريمة إيران, حيث أدى توفّر النفط الخام ونقص المنتجات المكرّرة في هذا الدول إلى تقليل هامش الربح.

يقول "جون ستيورات", كبير المحللين في مؤسسة (وود ماكينزي WoodMackenzie) لاستشارات الطاقة:"تحذو إيران حذو الدول الإقليمية عبر محاولة الاستفادة بقدر المستطاع من مواردها الهيدروكربونية" ويضيف إن "جودة الوقود المُنتج هي التي ستحدد الفرق".

ارتفع إنتاج إيران من النفط لأعلى مستوياته منذ عام 2010 عقب رفع بعض العقوبات, وذلك نتيجة للتقارب بين إيران والغرب. وصرّحت وزراة النفط الإيرانية أن الزلزال الذي وقع في هذا الشهر, والذي خلّف ما يزيد على 500 قتيل, لم يلحق ضررًا بمنشآت الطاقة.

لكن إيران لم تستطع حتى الآن إنتاج وقود محركات عالي الجودة. حيث ألقت حكومة الرئيس حسن روحاني باللوم على حكومة الرئيس السابق "أحمدة نجاد" الذي اتُهم بأنه أشرف على ضخّ, واستيراد بنزين رخيص وملوِّث أثناء فترة العقوبات النفطية التي فُرضت على البلاد لعشر سنوات, ما أدى لتدمير خطط البلد لأن تصبح مكتفية ذاتيًا.

بعد رفع الحظر في يناير 2016, سعى روحاني للتعجيل بتطوير مصفاة "نجم الخليج الفارسي" التي تبنيها شركة "خاتم الأنبياء"-وهي تكتل عملاق لشركات البناء يديره الحرس الثوري الإيراني- فضلا عن تجديد مصفاة عبدان.
تحمل هذه المصفاة تاريخًا غنيًا. فقد شيّدتها شركة النفط الإنجليزية-الفارسية, التي أصبحت فيما بعد شركة بريتش بيتروليم British Petroleum, في عام 1912, حيث أصبحت المصفاة مزوّد الوقود للبحرية الملكية البريطانية, التي كانت يومها أقوى أسطول بحري في العالم.

وبعد أن سيطرت الحكومة الإيرانية على مصفاة عبدان في عام 1951, أصبحت تلك المصفاة المحور الأساسي للمحاولات المدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا لاستعادة السيطرة على صناعة النفط, والتي تكللت بانقلاب بعد سنتين. لقد كانت المصفاة محركّا أساسيًا للاقتصاد الإيراني, حيث كانت تكرّر 650 ألف برميل يوميًا.

وبعد طرد المتعاقدين الأجانب في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979, أشعل الغزو العراقي لإيران فتيل أطول حرب في القرن العشرين. حيث تعرضت المصفاة لهجمات مكثفة, في حين تعرض ميناء "خورام شهر" القريب للدمار.
تكرر مصفاة عبدان في الوقت الراهن 380 ألف برميل من النفط الخام يوميا, يحَّول 40 بالمائة منها إلى وقود ثقيل منخفض الجودة يُعرف بالمازوت. تهدف الخطة للوصول إلى إنتاج 540 ألف برميل في نهاية المطاف, والتخلي عن المازوت بصورة نهائية وتغيير أحوال مصفاة عبدان.

 يتذكر "عبد الله نوراني" فترة الازدهار. حيث ينظر بإحدى عينيه على صورة غير واضحة له عندما كان ضابط جيش صغير يمشي إلى جانب مرشد إيران المستقبلي (خامنئي) في مدينة خورام شهر. لقد فقد عبد الله عينه اليمني بعد إصابتها بشظيه أثناء حرب العراق, وهو يملك اليوم دار ضيافة صنعها من سيقان البردي.
يقول نوراني "هناك شريانان اقتصاديان مهمان للبلد وهما تكرير النفط, والموانئ وطرق الشحن" ويضيف قائلا "لكننا للأسف لم نتمكن بعد من رفع أي منهما إلى المستوى الذي كانا عليه قبل 40 عامًا".

لقد كان التعافي بطيئا. فبينما يسعى المسؤولون إلى الترويج والتسويق للإمكانيات الاقتصادية لتلك المنطقة, تخلى آخرون عن جهودهم لجعل "خورمشهر" أكثر من مجرد أثر حي على حرب العراق.
لقد عاد "جعفر ناهيه"- وهو مهندس بيرتوكيماويات بالتدريب,عمل لعقود في الكويت والإمارات وماليزيا- إلى خورمشهر قبل أربع سنوات, ومعه خطة للمساعدة في إعادة تنشيط تلك المدينة التي قضى فيها صباه, وذلك عبر بناء مركز تسوق كبير كلّفه 7 مليون دولار من ماله الخاص.

يقول "ناهيه" إن خورمشهر بمينائها وقربها من أسواق التصدير لديها القدرة على أن تكون  "جسرًا" بين آسيا والبحر المتوسط. لكنه الآن يريد أن يغادر المدينة.

"لقد كانت هذه المدينة في مرحلة ما تدعم طهران اقتصاديًا" حسبما يقول "ناهيه" خلال مقابلة أُجريت معه في مكتب زجاجي عند مدخل مركز التسوّق الذي يملكه, والمصمم على شكل باخرة سياحية. ويضيف جعفر "لم يحدث أي تطوّر إيجابي هنا بعد انتهاء الحرب".

لقد بقي معظم ما بناه المقاولون البريطانيون والأمريكيون وما استمروا في تطويره قبل اندلاع الثورة الإسلامية كما هو في عبدان. كما لا تزال بعض غرف التحكم تستخدم هواتف ألمانية قديمة ذات قرص دوّار, ومازال شعار شركة "هيربيرت موريس" لصناعة الرافعات مطبوعًا على الدعامات الفولاذية.

على بعد مسافة قصيرة بالسيارة, كان هناك فندق سابق يطلّ على بحيرة اصطناعية بُنيت خصيصا لإمتاع موظفي النفط البريطانيين والإيرانيين, حيث تحوّل الفندق الآن إلى مقرّ لموظفي الحكومة وخبراء الاقتصاد الذين يحاولون جذب الأموال لخورمشهر وعبدان.

ستكون عملية تجديد عبدان هي المحور الأهم ل "منطقة أرفاند للتجارة الحرة", وهي واحدة من ست مناطق تجارية إيرانية معفاة من الضرائب بهدف جذب الاستثمارات. يقول "محمود توركزاده" مسؤول الاستثمار والتطوير التجاري في مؤسسة " منطقة أرفند الحرة", إنه يتحدث إلى المستثمرين الأجانب كل يوم.

ويضيف قائلا "نحن نبني مدينة لإسكان المقاولين الصينيين, وأنا أتحدث إلى شركات بولندية, وألمانية, وأوربية أخرى" ويتابع قائلا "مازلنا بعيدين عن عبدان التي كانت تُعرف يوما ما بأنها أحدث مدن إيران, لكنني شعرت بالتغيير خلال السنوات القليلة الماضية".

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق