ألمانيا تدفع الثمن السياسي لتخليها عن الفقراء


٢٢ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٢:٣٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية
المصدر – التليجراف
ترجمة – بسام عباس


لم تعجز ألمانيا في تشكيل حكومة إلا في ظل جمهورية فايمار، وكانت هذه آخر مرة، ولم نرَ تكرارًا لفترة الثلاثينيات بعد ذلك، ولكن فشل محادثات الائتلاف بعد شهرين من الجمود لم يعد أمرًا هينًا كذلك.

تواجه البلاد أزمة دستورية، ولا توجد آلية قانونية واضحة لإجراء انتخابات مبكرة، ومن غير المحتمل أن يحل التصويت الجديد المأزق بأي حال، لأن تفتيت البوندستاج ربما يكون أكبر من ذلك بكثير.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الأحزاب الصغيرة ذات التوجهات الأيديولوجية والشعبوية في مختلف الولايات – وفي مقدمتها حزب اليمين المتشدد البديل من أجل ألمانيا – ستحصل على المزيد من المكاسب. وقال الرئيس فرانك فالتر شتاينماير "إنها حالة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجمهورية الاتحادية".

ومع اقتراب موعد الانتخابات في سبتمبر أخذت أهمية أكبر بكثير مما كان يعتقد في ذلك الوقت، فقد شهد نهاية نظام ألمانيا ما بعد الحرب، وعصر السعادة الذي تميز بالاعتدال وهيمنة أكبر حزبين وطنيين بالبلاد.

وهذا الصدع نتيجة مباشرة للنموذج الاقتصادي والسياسي الذي اتبعته النخب الألمانية على مدى الخمسة عشر عاما الماضية، والمعروف لدى نقاد اليسار واليمين بأنه "عولمة مفرطة".

وقال كريستيان ليندنر – رئيس الحزب الديمقراطي الحر الليبرالي – إن من "الأفضل للمرء ألا يحكم، عوضًا من أن يحكم بطريقة سيئة". وتقوم خطته الحقيقية على الاستفادة من السخط الشديد تجاه قضية الهجرة، معتقدًا أن حزب المستشارة أنجيلا ميركل "الديمقراطي المسيحي"  أتاح له هدفًا سهلاً.

وقال أشوكا مودي – رئيس بعثة  صندوق النقد الدولي إلى  أوروبا سابقًا – إن  "ألمانيا تتحول إلى القومية الناعمة. فذوي الدخل المنخفض يصوتون ضد السلطة لأن الإجماع على المساواة والعدالة قد تفكك. إنه نفس النمط السائد في جميع أنحاء أوروبا".

وأضاف مودي أن النصف الأدنى من المجتمع الألماني لم يشهد أي زيادة في الدخول الحقيقية طوال فترة جيل. وساهمت إصلاحات "هارتس 4" في عامي 2003 و 2004 في تسهيل تسريح العمال، مما أدى إلى تقليص الأجور، حيث هددت الشركات بنقل المصانع إلى أوروبا الشرقية.

ودفعت الاصلاحات سبعة ملايين شخص إلى العمل في "وظائف صغيرة" بدوام جزئي براتب 450 يورو (399 جنيه استرليني) في الشهر. أنها تؤدي إلى حالة من "الإفقار" المدمر. ويظل الوضع كما هو، على الرغم من أن الاقتصاد آخذ في الصعود، وقد دفعت الصادرات المتزايدة فائض الحساب الجاري إلى 8.5 % من الناتج المحلي الإجمالي.

المشهد الانتخابي هو صرخة احتجاج لمن تم تجاهلهم. وحصل الحزب اليساري الماركسي  على 10 % في صناديق الاقتراع. أما حزب البديل من أجل ألمانيا و الحزب الديمقراطي الحر فقد دار في مستوى 25% ، مع منصات الصراع الثقافي المنافسة، مع الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري والتي حولت اتجاهها لتغطية جناح اليمين.

ومن المؤكد أن الاقتصاد كان يعمل بكامل طاقته هذا العام. فقد بلغ حجم النمو 0.8٪ في الربع الأخير. وسيدفع هذا الزخم ألمانيا خلال العام المقبل سواء كانت لديها حكومة أم لا، ولكن هذا لا يقلل – في حد ذاته – من الأزمة الأعمق لنموذج ما بعد راينلاند.

ويقول البنك المركزي الألماني إن الازدهار الحالي غير مستدام. فالاقتصاد تعصف به دورات نشاط محمومة بسبب السياسة النقدية الفضفاضة. فخلف هذه الشاشة لعنة الإنتاجية الراكدة (كما هو الحال في بريطانيا)، وإبطاء تسارع معدل النمو الاقتصادي في المستقبل. وتتوجه معدلات النمو نحو 0.75٪ سنويا بحلول عام 2021.

يعتمد تصور المرء للمعجزة الاقتصادية الألمانية على المكان الذي يجلس فيه. فقد كتب مارسيل فراتسشر، رئيس المعهد الألماني لأبحاث الاقتصاد، في كتابه "الوهم الألماني" أن نمو الاقتصاد الألماني قد تخلف منذ عام 2000 عن دول شرق آسيا والدول الاسكندنافية والدول الأنجلوسكسونية. وانخفض إلى ما دون المعدلات السابقة للبلد.

وقال سيمون تيلفورد – مدير مركز الاصلاح الأوروبي "إن الأمر يبدو فقط وكأنه طفرة مقارنة بالأداء الهزيل لمنطقة اليورو الجنوبية".

وأضاف "كان الضعف الحقيقي في ألمانيا هو الافتقار إلى الاستثمار العام. حيث يفقدون أسهم القطاع العام، حتى لو كانوا قادرين على الاقتراض بأسعار سلبية. إن مبدأ التقشف والسعي إلى الميزانية المتوازنة وإعطائها الأولوية قد خلف مشاكل هيكلية عميقة. وأهملت البنية التحتية الرقمية. حيث تمتلك أدنى معدل للإنترنت فائق السرعة في نادي منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

و يقضي انهيار محادثات الائتلاف على أية آمال باقية في "صفقة كبرى" فرنسية ألمانية تهدف إلى إعادة إطلاق منطقة اليورو على أسس قابلة للاستمرار مع اتحاد مالي كامل. وسوف يبرز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشكل افتراضي كزعيم للاتحاد الأوروبي بحكم الأمر الواقع لفترة من الوقت حيث تنشغل ألمانيا في مواجهة أزمة داخلية. ومن غير المرجح أن يفيده ذلك بشيء.

 وسيواجه الاتحاد النقدي الانكماش العالمي المقبل بالمشاكل القديمة التي لم تحل،  ولا يمتلك أية مصدات حقيقية لصدمة غير متماثلة.

وقال فلوريان هينز، من بنك بيرنبرج، إن هناك رؤية موحدة في ألمانيا بأن تماسك السوق الموحدة الأوروبية هو أمر مقدس ولا يمكن أن يتعرض للخطر، حتى لو كان ذلك يعني تجاهل مصالح صانعي السيارات الألمانية. مضيفًا "لا فرق في أي حكومة تتولى مقاليد السلطة".

هناك وجهة نظر بأن ألمانيا هي المشكلة الحقيقية لبريطانيا في المواجهة العظيمة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منذ الهيكل الكامل للسوق الموحدة واليورو والنظام التنظيمي للاتحاد الأوروبي، وقد عملت بشكل جيد لصالحها. فالخطاب الأخلاقي الأوروبي هو – في كثير من الأحيان – قناع للقوة الألمانية. وتتمتع البلاد بأكبر حصة استراتيجية في الحفاظ على الوضع الراهن للاتحاد الأوروبي.

وقالت جيزيلا ستيوارت – رئيسة تغيير بريطانيا، وهي من أصل بافاري – إنها "تتحدث دائمًا عن المصالح الأوروبية عندما تعني حقًا المصالح الألمانية".

وكانت ألمانيا وفرنسا اتخذتا موقفًا متشددًا قبل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في أكتوبر الماضي، حيث رافضتا دعوة كبيرة مفاوضي الاتحاد الأوروبي "ميشال بارنييه" للتوصل إلى حل وسط. والتي قالت: "إن اللجنة أكثر واقعية من الناحية الفنية، وبطريقة غريبة قد يكون من الأسهل التوصل إلى اتفاق إذا تركت لهم".

هناك أشياء غريبة قد حدثت.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية ألمانيا اقتصاد ألمانيا

اضف تعليق