لماذا ينبغي أن نقيم نصبًا تذكاريًا دائمًا للجرائم الاستعمارية البريطانية؟


٢٣ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٦:١٠ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - فريق رؤية
رؤية
المصدر – الجارديان
ترجمة – بسام عباس


يلاحظ سلمان رشدي أن مشكلة الإنجليز هي أنهم لا يعرفون تاريخهم، لأن الكثير منه حدث في الخارج. وهكذا فإن وضع الجزيرة الذي حفز قصة الإمبراطورية البريطانية في المقام الأول ساعدنا على الابتعاد بأنفسنا عن جميع جوانب تلك القصة.

وهناك، على سبيل المثال، الطريقة التي أقيمت بها الإمبراطورية واستمرت. فمنذ الفتح النورماندي لأيرلندا في القرن الثاني عشر، بدأ الإنجليز بالاعتقاد بأنهم الرومان الجدد، مقنعين بأنهم واجبهم تمدين القبائل "المتخلفة" حيث كانوا متجهين لاستغلال مواردهم وأرضهم وعملهم.

وهناك الطريقة التي انتهت بها الإمبراطورية – أقل عنفًا وتدميرًا من تفكك الهيمنة الفرنسية، أو حتى كما تقول نظرية التهنئة الذاتية. وتلخص مقولة كليمنت أتلي، في عام 1960، هذا الاعتقاد بدقة، حيث قال: "هناك إمبراطورية واحدة فقط، حيث تتخلى الشعوب الحاكمة طوعًا عن هيمنتها على الشعوب الخاضعة وإعطائهم حريتهم، من دون ضغوط خارجية أو إرهاق من عبء الحكم".

إنها وجهة نظر بريطانية بارعة وفريدة من نوعها، والتي تحقق ما يبدو مستحيلا –  حيث تصور الإمبراطورية البريطانية باعتبارها إنجازًا أخلاقيًّا عظيمًا، وانهيارها كنوع من الكرم المؤقت، دون أي تلميح لعدم إمكانية التوفيق بينهما. وانتصرت الإمبراطورية البريطانية، كما قال المؤرخ جون سيلي: "في حالة من انعدام تام للعقل"، وتوارت في حالة من اللامبالاة الجماعية.

وفي خضم كل هذا ضاعت حقائق مزعجة كثيرة جدا ضمن قائمة لأكثر الطرق تسرعًا. هناك قرون من النشاط الإجرامي الذي فرضته الدولة: النهب المنظم الذي ارتكبه ما يعتقد أنهم أبطال مثل فرانسيس دريك، الذي كان أحد أكثر القراصنة شهرة في التاريخ، وروبرت كلايف، الذي نهب البنجال لتحقيق مكاسب شخصية كبيرة. هناك جرائم ضد الإنسانية: ابتكار معسكرات الاعتقال في حرب البوير التي ألهمت النازيين، على سبيل المثال، والإبادة الثقافية للممالك والقصور من آشانتي إلى بكين.

كما أن هناك استغلال صناعي للموارد الطبيعية، وإثراء الوطن الام الإمبراطوري، وفي نفس الوقت يجعلون تطوير الثروات متخلفًا في تلك المستعمرات، كما أشار والتر رودني. ثم هناك تجارة الرقيق التي أشعلت حماس البريطانيين الذين اشتغلوا بها من جميع الطبقات والخلفيات – والتي تعد أعظم كارثة بشرية من صنع الإنسان في جميع العصور.

وكان الحل المفضل لدينا لهذه الحقيقة المزعجة هو تجنب إطالة الحديث عن العبودية، والتركيز بدلا من ذلك على الاحتفال بإلغائها. ولكن دور بريطانيا في تجارة الرقيق محفور في الذاكرة في المتحف الرائع في ليفربول. ولكن مع وجود متحفين يركزان على الرق – هناك ويلبرفورس هاوس في هال أيضًا – يضع القضية بعيدا عن التيار الرئيسي للتاريخ البريطاني. انها مثل نسخة مادية من شهر تاريخ السود، لإجبارهم على إظهار تلك الحقبة المنسية من التاريخ، إلا أنها تظهر كرواية هامشية منفصلة.

يدرك عدد قليل من البريطانيين مدى أهمية هذه التجارة للإمبراطورية البريطانية، وإلى أي مدى يكون تاريخ الإمبراطورية هو تاريخ بريطانيا. وعدم وجود متحف واحد مخصص للإمبراطورية، الحلقة التاريخية ذات التأثيرات الأكثر عمقا على الهوية البريطانية الحديثة، لا يقل عن كونه جديرًا بالملاحظة.

إن الإعلان عن متحف جديد للمحرقة، والذي صممه المهندس المعماري البريطاني الغاني الشهير ديفيد أدجاي، يوضح الدور الحاسم الذي يمكن أن تلعبه المتاحف في تشكيل فهم الماضي والحاضر. وسيحظى هذا المتحف، والمكرس لـ " تعقيد قصة المحرقة، بما في ذلك السياق البريطاني... سلسلة من الطبقات التي أصبحت مخفية بمرور الزمن"،  مكان الصدارة في وستمنستر، على ضفاف نهر التايمز بجوار مبنى البرلمان.

وتأتي حقيقة وجود المتحف الجديد وموقعه، كما قال بيتر بازالجيت، رئيس مؤسسة النصب التذكاري للهولوكوست في المملكة المتحدة، "كبيان لقيمنا وتذكير دائم بعلاقة بريطانيا بهذا التاريخ، والذي نفخر بالكثير منه، ولكن أيضًا كتذكير بتقصيرنا الذي تسبب في عواقب مأساوية".

وهذا أمر ضروري الآن أكثر من أي وقت مضى. لماذا لا نعطي تاريخ الإمبراطورية نفس الاهتمام والقيمة الرمزية؟ لم نهملها وحدنا. فقد أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية أول متحف للتاريخ الأفريقي الأمريكي ممول فيدراليًّا في عام 2016، والذي صممه أدجاي أيضًا، ووصفه بأنه المشروع المحدد لحياته المهنية. ومن المدهش أن الأمة لديها الآن متحف مخصص للتاريخ المدمر لمجتمعها الأفريقي الأمريكي، والذي بنيت الأمة على أكتافه، ولحسن الحظ أن هناك اعتراف تدريجي ومتزايد بذلك.

ولم يطلب أحد من أدجاي – ولا أي مهندس معماري آخر – أن يبني متحفًا لتاريخ الإمبراطورية البريطانية. وكان المكان الوحيد الذي كان موجودا هو متحف يديره القطاع الخاص في بريستول، والذي أغلق في عام 2008 للانتقال إلى لندن، ولم يظهر مرة أخرى.

وقد اجتذب إهمالنا القومي لماضينا الإمبراطوري بعض الزملاء الغريبين. حيث قال لي مؤرخ مؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي [البريكسيت] إن إحدى عواقب محاولة بريطانيا المعيبة القاتلة للاندماج بشكل وثيق مع القارة هي هاجس أكاديمي مع التاريخ الأوروبي. وأضاف أن رؤساء أقسام التاريخ في الجامعات البارزة كانوا ألمانيين، وتم حشو المناهج المدرسية بالأحداث في أوروبا في القرن العشرين. ولذلك علينا إعادة تصور تاريخنا القاريّ ، وليس العالمي أو الاستعماري.

ولكن هذا ليس تاريخا يتم تجاهله عالميا. لم نعد نعيش في عصر يقبل فيه الناس الرواية الرسمية للأحداث، ولا في مجتمع يكون فيه أحفاد المستعمرين المؤلفين الوحيدين للقصة. والواقع أن التاريخ الشخصي للرئيس الأمريكي باراك أوباما – الذي تعرض والده لتعذيب البريطانيين أثناء انتفاضة ماو ماو في كينيا – عرض بعض الحقائق المحرجة من المنظور الآخر.

ولمواجهة المؤرخين الذين باعونا، واستمروا في نشر نسخة مجيدة من الماضي الإمبراطوري، لدينا جيل من العلماء البارزين مثل ديفيد أولوسوجا، الذي يعطينا كتابه "السود والبريطانيين" صورة يسهل من خلالها الوصول إلى الروابط المنسية مع أفريقيا و الكاريبي في دراسة ثرية وعميقة. ولدينا نجوم عالميين من ذوي الشخصيات الكاريزمية مثل النائب الهندي والدبلوماسي والمؤلف شاشي ثارور، والذي حظي خطابه في جامعة أكسفورد حول تأثير الحكم الاستعماري في الهند بأكثر من أربعة ملايين زيارة. كما أن هناك حساب "جرائم بريطانيا" على تويتر – ويتكون شعاره الاستفزازي من زهرة خشخاش نازفة، وفي مركزها دائرة سوداء يتوسطها جمجمة عظمية بيضاء –  ينشر يوميًّا مجموعة من لوائح الاتهام: من مذابح الجيش البريطاني في أيرلندا إلى الدمار في البنغال، وتحويل ليبيا الحديثة إلى أنقاض، حيث يسعى الحساب لتقديم وجهة نظر بديلة للإرث الإمبراطوري.

قد يكون من الصعب على البعض، ولكن طالما أن المؤسسة لا تزال تتجاهل الاعتراف بهذا التاريخ، فإن هذا التاريخ سيزدهر في السر. وهذا له عواقب مؤثرة ليس فقط على أشخاص مثلي – فالبريطانيون يتعلقون شخصيا بالأحداث التي نواصل تجاهلها – أن ذلك يحرمنا جميعا من المعرفة حول الحلقة الأكثر أهمية في ماضينا. والمتحف هو أقل ما يمكننا أن نقدمه.

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق