كيف يساهم تراجع عدد الأئمة بالولايات المتحدة فى زيادة نسبة التطرف؟


٢٩ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٦:١٩ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - بوليتيكو
ترجمة - بسام عباس




أصبحت مهمة أبو مروان - رئيس مجلس مسجد الرحمة الذي يقع على أطراف مدينة سان دييجو - أكثر صعوبة منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة، فقد اعتمد على المتطوعين في إمامة المسجد الذي يشهد اتساعًا منذ افتتاحه قبل عدة سنوات، ولكن في هذه الأيام، عندما يذهب إلى هؤلاء المتطوعين، يجد أن لديهم دائما أشياء أخرى يقومون بها.

ويرى مروان إنهم يتعللون بالانشغال لأنهم يخافون العنف ضد المسلمين، الذي يأخذ في التصاعد منذ انتخابات عام 2016.

إن الاستعانة بإمام من الخارج أصبح أيضًا أكثر صعوبة، ودعا مروان أحد الأئمة من مصر للحضور في شهر رمضان المبارك في يونيو الماضي إلا أنه لم يتمكن من الحصول على تأشيرة دخول.

وهكذا، لم يعد في هذه الأيام إمام منتظم في مسجد الرحمة، هناك مجموعة متغيرة من المتطوعين والطلاب والأئمة المعارين- وأحيانا لا يوجد أحد على الإطلاق ليؤم المصلين الذين يصل عددهم إلى 300 شخص.

وقال مروان: "إن يوم الجمعة يمثل كابوسًا لملء هذه الفجوة"، وأضاف أنه "في بعض الأحيان كان عليه الاتصال بمئات من الناس ولا أجد أحدًا، إنه أمر مرهق للغاية".

وحذر أبو مروان خطورة الأمر مُبديًا قلقه من أن يتجه بعض المصلين عندما لا يجدون إمامًا، إلى أماكن أخرى بحثًا عن إمام واعظ، وهو ما يحمل عواقب متطرفة محتملة، حيث لا يعمل الأئمة في مساجدهم فقط، ولكنهم يعملون أيضًا كمرشدين دينيين وقادة مجتمعيين، وقال أبو مروان: "ليس لديهم مكان جيد يذهبون إليه بدون إمام، فيذهبون إلى الإنترنت وربما ينتهي بهم الأمر في مكان سيئ للغاية، فالإمام الجيد هو أفضل وسيلة لمواجهة أي شر".

إن العجز في الأئمة ليس بالتحدي الجديد على المجتمع المسلم الأمريكي المتنامي، فأكثر من نصف المساجد التي يقدر عددها بنحو 2500 مسجد تفتقد إمام منتظم بدوام كامل. لكن المسئولين عن ملء هذه الفجوات يؤكدون أن جهود ترامب لفرض حظر الهجرة على الدول ذات الأغلبية المسلمة بالتزامن مع تزايد حوادث الإسلاموفوبيا مما أدى لتفاقم العجز، وهذه المشكلة هي التي يحذر منها أفراد المجتمع الإسلامي وكذلك خبراء الإرهاب باحتمالية أن تسهم في زيادة التطرف.

وتقول سارة ليونز- باديلا  الباحثة في جامعة ستانفورد التي تبحث في دوافع الإرهابيين: "إن القائد القوي الذي يعطي إحساسا بالالتزام وما هو الصواب والخطأ يضمن الموثوقية والاستقرار.. لذلك عند غياب القادة – مثل الأئمة – فإنك تدخل المزيد من الشباب في دائرة مضطربة بالفعل."

كان العجز في الأئمة واضحًا بشكل خاص خلال شهر رمضان هذا العام. فالعديد من المساجد الأمريكية عادة ما تدعو أئمة مدربين من الخارج لمساعدة أئمة المساجد في الصلوات خلال الشهر الفضيل، وفي الماضي كان يسافر نحو 200 إمام أجنبي إلى الولايات المتحدة في هذا الشهر. لكن في 2017، انخفض العدد إلى 15 إماما فقط، وفق عمر شاهين، عضو مجلس اتحاد أئمة شمال أمريكا.

وقال شاهين إن حظر السفر الذي طبقه ترامب ضد الدول ذات الأغلبية المسلمة هو جزء من المشكلة.

وعلى الرغم من أن الحظر لا يؤثر على مصر والسعودية، الدولتين اللتان ترسلان عادة معظم الأئمة إلى الولايات المتحدة، إلا أنه جعل الأئمة أكثر ترددًا في المخاطرة بالرحلة، خوفا من أن ينتهي بهم المطاف إلى الاحتجاز. وكانت هناك أيضا عدد من الأئمة الراغبين في السفر إلى الولايات المتحدة وجدوا – في ظل إدارة ترامب – مصاعب جمة للدخول إلى البلاد، وفقا لمحاميِّ الهجرة وقادة مسلمين. وبينما رفض منح التأشيرات للبعض؛ فإن البعض الآخر ممن حصل عليه لم يسمح لهم بالخروج من المطار في أمريكا.

وبعد ذلك توجد الإسلاموفوبيا – الظاهرة التي ربما تكون أكبر أسباب نفور الأئمة من السفر إلى الولايات المتحدة، وفي النصف الأول من 2017 وقعت 85 حادثة عنف ضد المساجد في الولايات المتحدة، ما بين إلقاء قنابل حارقة ورسم جرافيتي على الجدران، مقارنة بـ59 حادثة وقعت خلال نفس المدة من العام السابق، وفق مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية. وفي أغسطس الماضي، تم إلقاء عبوة ناسفة داخل مسجد مشهور في ولاية مينيسوتا بعد الفجر، واستهدف المهاجم مكتب إمام المسجد تحديدًا.

 وفي حين يسعى الجيل الثاني من المسلمين في الولايات المتحدة إلى التأقلم مع الثقافة الأمريكية، يقول الكثيرون في المجتمع الإسلامي إنه من المهم أكثر من أي وقت مضى أن يوجد أئمة لتعليم الدين فقط، بل يستطيعون تعليمه بشكل صحيح. ويقول شاهين، زميل مؤسسة اللاهوت للدراسات العليا في ولاية إنديانا: "إذا لم يتلق الناس تعريفًا بالإسلام من المصدر الصحيح فسينتهي بهم الحال إلى التطرف سواء كان يمينًا أو يسارًا"، محذرًا من مغبة ذلك على الجميع. وهذا ما قاله أحد أئمة فلوريدا لصحيفة نيويورك تايمز بعد أن دهس سايفولو سايبوف الأوزبكي المشاة بشاحنته الشهر الماضي، مما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص. وقال الامام إن سايبوف "لم يتعلم الدين بشكل صحيح. وهذه هي المعضلة الرئيسية في المجتمع المسلم ".
 
ومع تزايد عدد المسلمين في أمريكا من 2.3 مليون نسمة قبل عشر سنوات إلى أعلى مستوى له حاليا وهو 3.3 مليون مسلم، وفقًا لمركز أبحاث بيو، فإن عدد الأئمة في البلاد قد عانى لمواكبة ذلك. ففي عام 2013، كان نحو 43 % من المساجد الأمريكية يعمل بها أئمة بدوام كامل، في حين أن ثلثهم يعمل بأئمة متطوعين، وفقا لدراسة أجرتها الجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (إسنا) والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية.

وقال إحسان باجبي، مؤلف الدراسة، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كنتاكي وعضو مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، أن جزءا من سبب العجز هو عدم وجود ما يكفي من الأئمة الأمريكيين. وعلى نحو متزايد، فإن المسلمين الأمريكيين، الذين ولد الكثير منهم في الولايات المتحدة، يريدون الأئمة المدربين على التقاليد والثقافة الأمريكية، بدلا من ممن يأتون من الخارج وليس لديهم دراية بتقاليد الأمريكيين وثقافتهم، كما أن بعضهم لا يتحدثون الإنجليزية. في المقابل يوجد عدد قليل جدًا من المدارس في الولايات المتحدة يمكنها توفير التدريب اللازم لهؤلاء الأئمة. وفي الوقت الذي تبذل فيه الجهود في أكثر من عشر مدن أمريكية لتطوير الأكاديميات لإعداد الأئمة والقادة الأمريكيين المحليين، يعتقد باجبي أن عصر ترامب من المرجح أن يعرقل هذا التقدم. وقال "إن التحدي الكبير الذي يواجهه الجميع الآن هو أن وظيفة الإمام ليس مجرد أمر مرغوب فيه بشكل خاص".

كما يساور باجبي القلق من أن القضايا السياسية المثيرة للجدل مثل حظر السفر ستحول الطاقة والأموال من التنمية المدرسية. فعلى سبيل المثال، تخطط مدرسة بوسطن الإسلامية لفتح مدرسة دراسات عليا في عام 2019 من شأنها أن تعد الأئمة والقساوسة. ومع استمرار جمع التبرعات، ولكن في الآونة الأخيرة تذهب الأموال تمويل قضايا أخرى، مثل الدفاع ضد الإسلاموفوبيا. وتقول سلمى كاظمي، المديرة التنفيذية للكلية: "نحن نتعامل مع الكثير من القضايا، وإحدى هذه القضايا "حساسية الناس الشديدة تجاه معاملة إدارة ترامب لهم كمسلمين".

وبدون عملية تدريب أمريكية قوية، فإن غالبية الأئمة الذي يعملون بدوام كامل في المساجد الأمريكية إما مدربون أو مولودون في الخارج. (كانت النسبة أكثر من 90 % في عام 2013، وفقا لدراسة إسنا، ويقدر باجبي وآخرون أنها لم تتغير كثيرًا في السنوات الأربع الماضية). ومعظم هؤلاء الأئمة زائرون يدخلون الولايات المتحدة بتأشيرة مؤقتة للعامل الديني, وهذه التأشيرات غالبا ما تصل مدتها لخمس سنوات، ولكن معظم الأئمة لا يمكثون إلا لبضعة أشهر فقط. وفي محاولة لوقف الطلبات الاحتيالية للحصول على هذه التأشيرات، تراجع عددها خلال عهد أوباما بشكل ملحوظ من 1061 تأشيرة في عام 2008 إلى 2771 في عام 2009. وفي السنوات التالية، على الرغم من ذلك ارتفع العدد بشكل مطرد، وفي عام 2016 أصدرت الحكومة ما مجموعه من 4764 تأشيرة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية إنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الأرقام قد تراجعت أثناء إدارة ترامب، لأن احصاءات السنة المالية 2017 لن تكون متاحة حتى العام القادم. ولكن بالنظر إلى تجربة العديد من المساجد الأمريكية في شهر رمضان الماضي، يجد الأئمة الأجانب صعوبة بالغة في دخول البلاد في عهد ترامب.

أخبرني العديد من زعماء المسلمين الأمريكيين قصصًا لأئمة أجانب تمكنوا من الحصول على تأشيرات دخول، ولكنهم لم يخرجوا من المطار الأمريكي الذي هبطوا فيه. وأعادتهم السلطات الاتحادية إلى بلادهم، "لأسباب أمنية" غير محددة. وفي إحدى الحالات، احتجز الإمام القادم إلى الولايات المتحدة من مصر بتأشيرة في مطار سانت لويس لعدة ساعات قبل إعادته إلى بلاده. وفي حالتين أخريين، رفض أئمة المساجد تقديم تفاصيل خوفًا من العواقب السياسية.
 
أما بالنسبة للقادة المسلمين، فإن العجز الشديد في عدد الأئمة هو في حد ذاته أمر مقلق للغاية يجعلهم مشوشين صباح كل يوم جمعة. لكن الكثيرين يشعرون بالجزع؛ لأن النتيجة الأوسع لنقص الأئمة الدائمين في المسجد سوف يدفع المسلمين الأمريكيين– خاصة الشباب منهم– نحو التطرف. ففي غياب الزعيم الروحي، وعلى وجه التحديد ذلك الملم بالتقاليد الأمريكية، فإنهم ربما يتجهون إلى التجول في عالم الإنترنت، وكما هو معروف فالعديد من المنضمين لداعش قاموا بذلك.

ومن المؤكد أن هذا الخوف لم يتحقق بعد. وحتى هذا العام تراجع عدد حالات الإرهاب المرتبطة بداعش في الولايات المتحدة بنحو الثلث، وفقا لتقارير وزارة العدل الأمريكية. ويعزو الخبراء الانخفاض إلى حد كبير إلى جهود مكافحة الإرهاب في الداخل وتعطيل تنظيم داعش في الخارج.

وتساءل لورينزو فيدينو – مدير برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن – عما إذا كان العجز في عدد الأئمة سيؤدي إلى العنف. وقال إن المتطرفين نادرا ما يخرجون من مجتمع المساجد، ولكنهم غالبا ما يكونون ذئاب منفردين أو مسلمين جدد دون أدنى فهم للعقيدة الإسلامية. وفي حين أن بعض الأئمة قد يثنون عددًا قليلاً من الإرهابيين المحتملين، فإنه من الصعب إثبات ذلك، وفق فيدينو، الذي قال: "أعتقد أنه من التبسيط الشديد أن أقول إن الأئمة يشكلون حصنا ضد التطرف.. لا أحد ينكر أن الإمام قد يقوم بذلك بالفعل، إلا أنه من العسير إثبات ذلك أو العكس. كيف يمكن معرفة حدوث ذلك من عدمه؟"

وبالإضافة إلى ذلك، واظب بعض المتطرفين العنيفين على الذهاب إلى مساجد كان بها أئمة، قبل أن يتطرفوا ويصبحوا عنيفين، مشيرا إلى أن هذه القيادة الدينية ليست دائمًا رادعًا كافيًّا. فعلى سبيل المثال، واظب مهاجم ماراثون بوسطن، تامرلان تسارنايف، على الذهاب إلى مسجد بشارع بروسبيكت في كامبريدج، ماساتشوستس، قبل أن يتوقف عن الذهاب في عام 2012، قبل عام واحد من الهجوم. كذلك، كان سيد فاروق، أحد المدانين في مذبحة سان برناردينو، مسلما متدينا يذهب إلى المسجد بانتظام حتى توقف قبل الهجوم بقليل.

ولكن في كلتا الحالتين، كان مرتكبو هذه الجرائم من الأفراد الذين شعروا بأنهم غير متصلين بالحياة الثقافية الأمريكية. ويعتقد بعض الخبراء أن عجز عدد الأئمة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم هذا الاغتراب، مما يؤدي إلى مزيد من التطرف.

وقالت سارة ليونز–باديلا إن المسلمين الذين يشعرون بالتمييز ضدهم أو الذين يعانون من غياب المعنى في حياتهم يميلون أكثر إلى تبني الأيديولوجيات المتطرفة في محاولة لإيجاد المعنى المفقود. وتعتقد أن غياب الأئمة بسبب المضايقات أو القيود المفروضة على الهجرة يمكن أن يسهم بسهولة في تلك زيادة تلك المشاعر. وأضافت ليونز–باديلا، مؤلفة كتاب "العلوم السلوكية والسياسة"، "ببساطة، الإسلاموفوبيا هو تذكير بأنك لا تنتمي لأي مكان"، وأن " عدم الانتماء يعني التهميش ويزيد من مخاطر التطرف بين المهاجرين المسلمين". وتابعت أن " العجز في عدد الأئمة يعتبر عملا تمييزيا من خلال عملية الموافقة على التأشيرة، أو نتيجة أخرى لكره الإسلام، يمكن أن يؤدي إلى دعم التطرف".

هناك احتمال هائل كبير آخر: كان المجتمع المسلم في البلاد أكثر تعاونًا مع جهات إنفاذ القانون. ما يقرب من نصف النصائح حول المتطرفين المحتملين تأتي من المسلمين الآخرين، وفقًا لمسئول سابق في وزارة الخارجية. ويشعر البعض أن وجود عجز في عدد الأئمة – فضلاً عن التصور العام داخل المجتمع الإسلامي بأن زعمائه يتعرضون للتمييز - يمكن أن يعني تراجع عملية التواصل مع أجهزة إنفاذ القانون والجماعات الدينية، بما في ذلك المؤسسات الدينية الأخرى مثل الكنائس والمعابد اليهودية.

وقد كان مسجد السلام في لين، ماساتشوستس، بدون إمام لأكثر من خمس سنوات كان حولها. وقد ترأس المسجد – الذي كان مصنع أحذية في السابق – مجموعة من المتطوعين المحليين. ولكن بعد أن تزايد أعداد المصليين إلى أكثر من 200 شخص، يستعد للبحث عن إمام دائم، ولكن الأمن أصبح مصدر قلق رئيس.

وحتى الآن، قامت إدارة المسجد بتحديث الكاميرات على الممتلكات، وأضافت مزيدًا من الإضاءة. وفي أحد الأحداث الأخيرة، استأجرت ضابط شرطة. ويستعد فواز أبو شرخ، المتحدث باسم المسجد، لما أسماه "المحادثة"، التي يتوقع أن يواجهها مع أي أئمة محتملين. وقال "إنها المحادثة التي لا ترغب حقا في حدوثها، ولكن عليك إجراءها هذه الأيام" وأضاف أنها "تتعلق بالأمن وكيف ستحافظ على سلامة هذا الإمام. في هذه الأيام، الجانب الأمني جانب حاسم جدا من هذه الوظيفة".

ولكن الأمن مكلف أيضًا، والمساجد لديها بالفعل ما يكفي من المتاعب في محاولة للعثور على التمويل الكافي لتوظيف أئمة بدوام كامل. فعلى سبيل المثال، تجمع الجمعية الإسلامية في نيو هامبشاير 100 دولار من 30 عضوا شهريًّا للمساهمة في "صندوق رواتب الإمام". ولكن كل شهر، يخشى الرئيس عويس ألا يجمع ما يكفي. ويعتقد عويس أن الأئمة ضروريين للتجربة الإسلامية في أمريكا. وأضاف: "الإمام هو شخص يستمع الناس إليه ولا يجادلونه ، وهو شخصية تحمل كل الاحترام.. إنني مع توفير إمام لكل مسجد. فهم الصمام الأكثر أمانًا".



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق