تعرف على الدروس العسكرية التي تعلمتها إيران من روسيا في سوريا


٢٩ نوفمبر ٢٠١٧ - ٠٦:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - معهد دراسات الحرب
ترجمة - شهاب ممدوح



أدى التعاون العسكري الإيراني مع روسيا في سوريا إلى زيادة هائلة في قدرة طهران على تخطيط وتنفيذ العمليات العسكرية التقليدية المعقدة. يتعلم الإيرانيون عبر المشاهدة والتنفيذ, وهم يحاولون عن وعي تطبيق الدروس التي تعلموها في سوريا داخل قواتهم العسكرية وشبه العسكرية. تبني إيران قدرات عسكرية تقليدية لاستكمال, وفي بعض الحالات الاستعاضة عن, اعتمادها على أساليب الحرب اللامتكافئة.

وتساعد روسيا جهود القيادة العسكرية الإيرانية في هذا الإطار. حيث تُطلع روسيا إيران ووكلائها على مفاهيم عسكرية روسية مميّزة, مثل "معارك المرجل" (Cauldron battles), والعمليات المتعاقبة والمتزامنة المتعددة, والطيران الأمامي (frontal aviation) في سوريا.

تعتبر هذه المفاهيم ثمرة نحو قرن من التفكير العسكري السوفيتي والروسي المتقدم, والتجارب التي جهدت روسيا لاكتسابها في مجال العمليات العسكرية التقليدية. يمكن لنقل المعرفة هذا أن يساعد الجيش الإيراني على تعزيز فهمه للحرب التقليدية أسرع كثيرًا مما لو كان الحال غير ذلك. كما يمكن أن يساعد إيران لأن تصبح قوة عسكرية تقليدية كبيرة في الشرق الأوسط في فترة قصيرة نسبيًا, ما يغير للأبد ميزان القوى والبيئة الأمنية في المنطقة.

يستخدم الجيش الإيراني الصراع السوري بوصفه بيئة للتعلم لقواته. حيث أرسلت جامعة "الإمام حسين" التابعة للحرس الثوري الإيراني, والتي تدرّس برامج التعليم العسكري المتقدم للحرس الثوري الإيراني, طلابًا لسوريا كجزء من برنامج تعليمي دراسي داخلي للضباط الإيرانيين. يدرك الضباط الإيرانيون فوائد متابعة العمليات العسكرية الروسية. وعلى سبيل المثال, أثنى جنرال إيراني على استخدام روسيا لقاعدة "شهيد نوجه" الجوية في محافظة عبدان, لأن ذلك يُطلع أفراد سلاح الجو الإيراني على "الطائرات الروسية وطريقة تشغيلها" كما أجرت إيران أيضا مؤخرا تدريبات غرضها تحديدا استخلاص الدروس المستفادة من سوريا وتطبيقها.

إن التعاون الوثيق بين أفراد الجيشين الروسي والإيراني على المستوي العملياتي والتكتيكي يساعد على انتقال المعرفة بين الطرفين. حيث يتواصل ضباط روس وإيرانيون كبار مسؤولون عن التخطيط العملياتي مع بعضهم البعض داخل غرف عمليات مشتركة. ففي الميدان, تتعاون بعض القوات الروسية الخاصة على الأقل بصورة وثيقة داخل صفوف القوات المدعومة من إيران, مثل حزب الله اللبناني, ما قد يجعل تلك القوات الخاصة على اتصال وثيق مع ضباط الحرس الثوري الإيراني, الذين يدخلون في شراكة معها, أو يقودونها في بعض الأحيان. من المرجّح أن القوات الإيرانية تقدم دعمًا لعمليات الاستهداف التي ينفذها الطيران الروسي , لكن هذه القوات لا تعمل على الأرجح بوصفها مراقبًا جويًا متقدمًا للطيران الروسي. علاوة على ذلك, فإن المحور الأمني الروسي-الإيراني قادر على تنسيق الجهود في عدة جبهات. حيث تزيد روسيا من غاراتها الجوية في شمال سوريا, حتى تركّز إيران والنظام السوري جهودهما على المعارك قرب العاصمة, 

لقد أظهرت إيران والقوات المحلية التابعة لها, ومن بينها حزب الله والمليشيات الشيعية العراقية, قدرتها على استخدام عقائد عسكرية روسية مميّزة أثناء حملتها العسكرية الناجحة ضد المعارضة في مدينة حلب, وذلك بمساعدة من الغارات الجوية الروسية ومستشارين روس. حيث أطلقت قوات النظام السوري مدعومة بمقاتلين من حزب الله, ومليشيات أفغانية وعراقية, وبقيادة قوات نظامية تابعة للحرس الثوري الإيراني, وعملاء من فيلق القدس, عمليات عسكرية متزامنة ومتعاقبة ضد الأحياء الخاضعة للمعارضة داخل وحول مدينة حلب, وذلك في وقت مبكر من أكتوبر 2015. واصلت قوات النظام والقوات المدعومة من إيران استخدام العمليات العسكرية المتزامنة والمتعاقبة لتطويق الجزء الخاضع للمعارضة في مدينة حلب, ولتشديد الحصار عليه على مدى عام 2016. لم تظهر إيران والقوات الموالية للنظام القدرة على إجراء هذا النوع من العمليات في جبهات المعارك السورية قبل التدخل العسكري الروسي في سبتمبر 2015.

استعادت إيران وروسيا والنظام السوري السيطرة على مدينة حلب من المعارضة نتيجة لخطة عسكرية مكوّنة من ثلاث مراحل لحصار الأحياء الحلبية الخاصة للمعارضة وإسقاطها, وهو ما كان بمثابة استعراض للطريقة الروسية في تصميم الحملات العسكرية. لقد قطعت قوات النظام المدعومة من روسيا وإيران أولاً خط الاتصال البري الخاضع للمعارضة شمال مدينة حلب في الثالث من شهر فبراير, ثم أكملت حصارها لاحقا عبر قطع آخر خط اتصال بري في شمال غرب مدينة حلب في الثامن والعشرين من يوليو. استطاعت روسيا وإيران والنظام السوري إسقاط الجيب الخاضع للمعارضة في مدينة حلب عبر حملة جوية وبرية شرسة, ما أجبر المعارضة على الاستسلام في الثالث عشر من ديسمبر, ثم الانسحاب بصورة كاملة من المدينة في الثاني والعشرين من الشهر ذاته. إن هذا النوع من التطويق والحصار يشبه "معارك المرجل" الروسية التي حدثت في شرق أوكرانيا, وهو لم يستخدم بهذا الحجم في سوريا قبل التدخل العسكري الروسي في سبتمبر 2015.  

كما أطلعت روسيا إيران أيضا على ما يسمى بالطيران الأمامي frontal aviation (استخدام الطائرات الهجومية لتقديم مزيج من الإسناد الجوي القريب للقوات البرية, وعمليات قطع خطوط إمداد العدو عبر الجوAir interdiction, وهو ما يحمل بصمات الفنون العملياتية السوفيتية). تنفذ روسيا بصورة منتظمة غارات جوية على جبهات متعددة للمعارضة على طول عدة محاور, ما يعرقل حركة التعزيزات, ويسهّل تقدم قوات النظام والمليشيات التابعة لإيران. ربما تكون القوات المدعومة من إيران منخرطة بصورة مباشرة في تزويد القوات الروسية بمعلومات استخباراتية, وذلك على الأرجح بالتعاون مع القوات الخاصة الروسية العاملة على الأرض في سوريا. لقد ساعدت القوات الإيرانية قوات النظام على  الأرض على الاستفادة من الغطاء الجوي الروسي خلال الحملة العسكرية الممتدة لخمسة عشر شهرًا لاستعادة السيطرة على مدينة حلب, وخاصة خلال عملية شهر فبراير لفك الحصار على مدينتي نبل والزهراء شمال حلب. حيث خسرت القوات الإيرانية 50 مقاتلاً خلال النصف الأول لشهر فبراير, شارك أغلبهم على الأرجح في تلك العملية.
 
ربما تعلّم المخططون العسكريون الإيرانيون درسًا من النجاح الذي حققته الحملة الجوية الروسية, ويتمثل الدرس في إعطاء الأولوية لتطوير قدرات الإسناد الجوي القريب, ما قد يسمح لإيران بتكرار إنجازات الدعم الجوي الروسي مع وكلائها في مسارح عمليات عسكرية أخرى. إن المخططين العسكريين الإيرانيين راغبون تماما في استخدام الدعم الجوي الروسي لمساعدة النظام على تحقيق مكاسب, لكنهم يفضلون بالتأكيد امتلاك قدراتهم الخاصة بهم. لقد أسّست القوات البرية التابعة للحرس الثوري الإيراني وحدة هجوم جوي جديدة في أواخر فبراير 2016, وذلك ربما نتيجة لتأثرها بعمليات القوات الخاصة الروسية حول حلب في مطلع ذلك العام. كما طلبت إيران أيضا من روسيا بيعها سربًا كاملاً من قاذفات سوخوي-30 المتطورة (التي لديها قدرات مكافئة تقريبا لطائرات  F-15E سترايك إيجل الأمريكية) إن امتلاك إيران لهذه الطائرات سيقلل بصورة كبيرة من اعتماد طهران على الطائرات الثابتة الجناحين الروسية (والأمريكية في العراق) وسيساعدها في عملياتها البرية.

لقد سمحت الحملة العسكرية في سوريا للمسؤولين العسكريين الإيرانيين أيضا بمتابعة أساليب إدماج قدرات صواريخ الأرض-أرض والأرض-جو داخل العمليات العسكرية التقليدية. لقد أظهرت روسيا قدرة على استخدام القدرات الصاروخية طويلة المدى مع أنظمة الدفاع الجوي لاستعراض قوتها في المنطقة, ولتقييد حرية المناورة الأمريكية في مسرح العمليات. إن نقل المعرفة بين الطرفين يتسم بالأهمية, وذلك بالنظر إلى إفصاح المسؤولين العسكريين الإيرانيين عن نيتهم لتعزيز التطبيقات التقليدية لترسانتهم الصاروخية الضخمة. ومع تسليم روسيا أنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة أس-300 لإيران في أكتوبر 2016, تستطيع إيران الآن البدء في نشر أنظمتها الصاروخية الباليستية الآخذة في التطور, إلى جانب أنظمة الدفاع الجوي المتطورة, وذلك لإنشاء شبكة معقدة من القدرات الهجومية-الدفاعية, شبيهة بتلك التي أقامتها روسيا في سوريا.

التداعيات
إن نقل المعرفة بين إيران وروسيا, يزيد من قوة إيران في مواجهة الولايات المتحدة, حيث ما تزال إيران تعادي الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. كما يمثل نقل القدرات الروسية فصلاً آخر في جهود إيران لتعزيز قدراتها العسكرية التقليدية. ستستمر القدرات العسكرية الإيرانية التقليدية في الزيادة السريعة طالما استمرت القوات الروسية والإيرانية في القتال إلى جانب بعضها البعض في سوريا, حيث تعمل إيران ببساطة على تعلّم أفضل الأساليب في تطوير, ونشر, واستخدام القوات في العمليات العسكرية. تستعد روسيا لتعليم إيران أساليب حربية إضافية مع استعدادها للدخول في المرحلة التالية للحملة العسكرية الموالية للنظام في سوريا. لكن توسُّع حيّز مناورة إيران, وقدراتها المشتركة لن يقتصر على سوريا فقط. حيث من المحتمل أن تصدّر إيران هذه القدرات لمسارح عمليات أخرى, مثل العراق. يجب على الولايات المتحدة وشركائه في المنطقة أن يدركوا أن التعاون الروسي-الإيراني الوثيق في سوريا هو في حد ذاته تهديد لميزان القوى في الشرق الأوسط.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق