الفلبين ربما تكون الوجهة القادمة لداعش.. تعرف على الأسباب


٠١ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٦:٥٧ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - فورين بوليسي
ترجمة - بسام عباس




يحرص كل زعماء الغرب المنخرطين في المنطقة على إعلان النصر على تنظيم داعش الإرهابي بعد استعادة المدن الكبرى، مثل الموصل والرقة، التي تسيطر عليها الجماعة منذ عام 2013. غير أنه من المبكر جدا أن نطمئن لذلك. تنظيم داعش يفكر بالفعل في كيفية إعادة تجميع شتاته. وتعتبر الفلبين طريقا طويلا بعيدا عن منشأ التنظيم في الشرق الاوسط، بيد أن الجهاديين استولوا على مدينة هناك وسيطروا عليها لمدة ثلاثة أشهر، وأرهقوا قوات الأمن الفلبينية في استعادة السيطرة عليها.

تجدر الإشارة إلى أن للفلبين تاريخ طويل من العمل العسكري ضد الجماعات الإسلامية المتشددة يعود إلى السبعينيات عندما بدأت الجبهة الوطنية لتحرير مورو تحارب الحكومة المركزية في مانيلا من أجل حكم ذاتي أوسع لإقليم مورو، وبعد انشقاقات مختلفة وانشقاق داخل جبهة مورو للتحرير الوطني، ظهرت جبهة تحرير مورو الإسلامية في عام 1984 واستمرت في إثارة تمرد بسيط في جنوبي الفلبين. وظهرت أيضًا منظمة إسلامية أخرى هي جماعة أبو سياف التي تشكلت في أوائل التسعينات وأقامت علاقات مع القاعدة والجماعات الاسلامية الأخرى في أنحاء جنوب شرق آسيا بما فيها الجماعة الإسلامية.

وتنظيم داعش هو آخر الجماعات الإسلامية التي تأتي إلى الفلبين. ولم يكن له اهتمام يذكر بالفلبين قبل عام 2016، عندما كانت خلافته قائمة في الشرق الأوسط بالفعل. وعلاوة على ذلك، ففي حين أعلنت أكثر من ستة فصائل فلبينية ولاءها لتنظيم داعش، لم يرد التنظيم على ذلك الإعلان، وبالتالي لم يعترف علنًا بأن لديه ولاية بالفلبين، وحتى الفيديو الذي أصدره مكتب الإعلام الفلبيني في نهاية يونيو الماضي والذي أوضح فيه العلاقة الرسمية بين التنظيم الأم والمقاتلين في الفلبين لم يتضمن إعلانا عن إقامة ولاية بالفلبين.

كما أن لمقاتلي جنوب شرق آسيا خبرة قتالية قليلة مع تنظيم داعش. فقد ذكر تقرير لمركز صوفان – الاستشاري الدولي – أن ما يقرب من 1600 مقاتل من جنوب وجنوب شرق اسيا سافروا إلى العراق وسوريا للانضمام إلى التنظيم ما يعادل 5 % فقط من إجمالي عدد مقاتلي تنظيم داعش الذين يقدر عددهم بنحو 30 ألف مقاتل.

ورغم الاهتمام الضعيف من التنظيم الأم بالمقاتلين في الفلبين مقارنة بالاهتمام بولاياته الأخرى بما في ذلك ليبيا وسيناء وأفغانستان، استطاع المقاتلون في الفلبين القريبين من تنظيم داعش الاستيلاء بشكل لافت للانتباه على مدينة ماراوي أكبر مدن إقليم منداناو الذي يتمتع بحكم ذاتي بجنوب البلاد، والتي يبلغ عدد سكانها 200 ألف نسمة. وعلى الرغم من أن المسلحين في الفلبين لم يتلقوا رسميا إعلان تنظيم داعش لولايته هناك، إلا أن هناك روابط أيديولوجية قوية تمتد إلى شيء أكثر واقعية. وقد فشل الهجوم المضاد المشترك ضد المسلحين في استرجاع ماراوي من ائتلاف فضفاض من هذه الفصائل المرتبطة بتنظيم داعش، بما في ذلك جماعة أبو سياف وجماعة ماوتي، التي أمدها تنظيم داعش بدعم مادي. وذكرت تقارير أن داعش أرسل ما يقرب من مليوني دولار للمسلحين في الفلبين للمساعدة في أجور المقاتلين. وتناسب الفلبين النموذج الذي يسعى تنظيم داعش للتحريض عليه وتثبيته على الصراعات العرقية ذات البعد الطائفي، مع تنافس المسلمين بالجنوب مع المسيحيين الكاثوليك في الشمال. 

وبالرغم من الهجمات الشرسة وقوة النيران الشديدة لقوات الأمن الفلبينية، تمكن المسلحون من احتلال المدينة منذ أكثر من ثلاثة أشهر. وكان هذا الإنجاز أكثر إثارة للإعجاب بالنظر إلى أن قوة مكافحة التمرد شملت قوات نخبة من القوات الخاصة التي دربتها الولايات المتحدة، وقيل إنها القوات الأمريكية التي تعمل بهدوء إلى جانبهم على الأرض.

إن الوضع على الأرض في جنوب الفلبين غير مؤكد اليوم. حيث أعلن الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي عن "تحرير" ماراوى يوم 17 أكتوبر، بعد يوم واحد من مقتل أيسنيلون هابيلون وعمر ماوتي، وهما أكبر زعيمين للجهاديين في ماراوى. ومع ذلك، فإن انعدام الأمن والأزمة الإنسانية – اللتان يلوحان في الأفق– سيشكلان تحديًّا كبيرًا لجهود إعادة الإعمار في ماراوي، ومن المرجح أن يزداد التطرف بين السكان ردًّا على الحملة الدموية الدامية التي تشنها الحكومة مما يهدد عملية السلام بين مانيلا وجبهة تحرير مورو الإسلامية. وفي الوقت نفسه، ويشك الخبراء في أن دوتيرتي قد بالغ في أعداد قتلى العدو من أجل إعلان تحرير ماراوي ، مما يرجح احتمالية عودة المقاتلين الباقين على قيد الحياة إلى المناطق التي كانوا يتمتعون فيها بالدعم المحلي وإعادة تجميع أنفسهم للمعركة القادمة.

ومع تدمير معاقله في الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يصبح تنظيم داعش أكثر تجزؤًا ليولي مزيدا من الاهتمام لمناطقه الجديدة، من جنوب شرق آسيا إلى أفريقيا جنوب الصحراء. وقد يصبح المقاتلون الأجانب – العائدين من العراق وسوريا إلى دولهم المختلفة- نواة لحركات تتسع في مناطقهم الأصلية. ومع سقوط خلافته، قد يحاول تنظيم داعش إعادة النظر في استراتيجيته المتمثلة في تفويض ولاياته الرسمية للعمل المستقل سعيا إلى منح علامته التجديد والتعزيز الضروريين.

كانت جنوب شرق آسيا منذ فترة طويلة بؤرة للتطرف والعنف الإسلاميين. على سبيل المثال، كانت إندونيسيا المجاورة – أكبر بلد مسلم في العالم من حيث عدد السكان – المقر الأصلي لقادة القاعدة الرئيسيين قبل هجمات 11 سبتمبر. وقد شهدت مؤخرا زيادة في عدد حملات الاعتقال للمتطرفين الإسلاميين فيما يتعلق بالمؤامرات الإرهابية. ومع ذلك، فإن نواة الجهاديين الذين يقاتلون بنشاط في الفلبين، وربما يعودون إليها، وغيرها من دول جنوب شرق آسيا صغيرة نسبيا مقارنة بدول أخرى في مناطق أخرى مثل شمال أفريقيا. ومع ذلك، ومع تفكك تنظيم داعش الرئيسي، من المرجح أن تصبح الفلبين أكثر فائدة للتنظيم باعتبارها صمام أمان خارج الشرق الأوسط.

ومن المرجح أن تظل الفلبين هدفا جاهزًا بسبب العدد الكبير لسكانها المسلمين، ووجود حركات إسلامية متطرفة عنيفة وغير عنيفة، وتساهل أنظمتها المالية الرسمية وغير الرسمية، وضعف المؤسسات المحلية، ووجود رئيس مثل دوتيرتي لا يهمه قتل المدنيين وتشريدهم من مناطقهم.

وعلى مدى السنوات الـ 15 الماضية، نشطت قوات العمليات الخاصة الأمريكية في الفلبين تدعم وحدات مكافحة الإرهاب التابعة للجيش الفلبيني وقوات إنفاذ القانون كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب. وتعد هذه الجهود المبذولة هناك من بين الحملات الأكثر نجاحا لمكافحة الإرهاب في عملية الحرية الدائمة في الفلبين، التي تعد أكبر الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب في مسرح المحيط الهادئ خلال الحرب على الإرهاب.

وانتهت الولايات المتحدة من هذه الحملة في عام 2015، وأيا كانت النجاحات التي حققتها الآن، فهي معرضة للخطر بسبب قصر مدتها، ففي مطلع عام 2017، قامت جماعة مرتبطة بتنظيم تنظيم داعش بالاستيلاء على مدينة كبرى ساعدت القوات الخاصة الأمريكية في الدفاع عنها لعشر سنوات – وهو ما يثير مخاوف مباشرة لدى صناع السياسة الأمريكيين.

وعلى الرغم من أن الدعم الأمريكي لمكافحة الإرهاب لتحرير ماراوي من الجماعات المرتبطة بتنظيم داعش يدل على الاستعداد الأمريكي للتدخل في الفلبين في حالة حدوث أزمة، إلا أن القليل من ذلك يشير إلى أن هذا النوع من الدعم العسكري الأمريكي المقدم لقوات الأمن الفلبينية كان ممكنا في السابق، وهو حل طويل المدى للحيلولة دون أن تصبح الفلبين ملاذا آمنًا للإرهابيين المتطرفين. ونظرا لأن القوات الأمريكية قد تجاوزت قدراتها بالفعل في جميع أنحاء العالم، فمن غير المرجح أن يكون هناك حماس كبير للالتزام الجاد ببلد آخر.

يتعامل ترامب و دوتيرتي وفق شروط تضمنت التزام طويل وأكثر انفتاحا من القوات سيكون غير معهود لأي زعيم. وقد فضل الرئيسان الإجراءات الأقصر والأكثر حسمًا. وهذا يحد من إمكانية اتباع نهج "غير مباشر" ينطوي على تدريب وتجهيز وإسداء المشورة لوحدات مكافحة الإرهاب الفلبينية كجزء من التزام طويل المدى للمساعدة على ضمان احتمال اندلاع أزمة محتملة قبل أن تتفاقم لتصل إلى ما حدث في ماراوي. كما أن عمليات القتل الجماعي التي تقوم بها قوات الأمن الفلبينية المدعومة من دوتيرتي تحت غطاء "الحرب على المخدرات" تشكك أيضا في شكل الدعم العسكري الأمريكي المحتمل.

إن التمرد الإسلامي والنشاط الإرهابي متواجدان وبشكل كبير في جنوب الفلبين. وقبل انتهاء هذه المعركة، سيحدث بالتأكيد مزيد من القتال بين الإسلاميين والنظام.

وعلى الرغم من أن إدارة دوتيرتي قد أعلنت أنها ملتزمة بإنهاء هذه المعركة، فإن تاريخ الفلبين كمركز رئيس للمتمردين الذي يحملون أيديولوجية إسلامية متطرفة يدل على أن إخماد القتال سيكون شديد الصعوبة من الناحية العملية.

وحتى لو عرقلت الفلبين الشبكة العالمية  لتنظيم داعش، فمن المرجح أن تظل أرضًا خصبة لتجنيد وتمويل ونشر دعاية لتنظيم داعش أو دعمه المباشر لأجندته العنيفة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق