تحول تاريخي..الحروب التي تدمر الأوطان حاليًا كانت تبنيها سابقًا


٠١ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٧:١٠ ص بتوقيت جرينيتش

 المصدر- aeon
ترجمة - شهاب ممدوح




لقد كان العنف المنظم - وهو المصطلح الذي يختزل الحرب - لزمن طويل موحِّدا للشعوب. أظهرت الأدلة الأثرية أن نحو نصف الذين عاشوا أثناء القسم الأخير من العصر الحجري في النوبة، وهي منطقة تقع في جنوب نهر النيل, قد ماتوا موتة عنيفة. وقد لاقت العديد من المجتمعات القبلية عبر العصور المصير نفسه, ما يشير إلى وجود تعبئة واسعة النطاق للقتل وليس مجرد عنف عشوائي واسع الانتشار.

لقد تطلّب تنفيذ الغارات على المستوطنات النوبية المجاورة تنسيقًا بين القرويين، كما كان هناك تنسيق لصدّ تلك الغارات. لقد كان على المهاجمين والمدافعين على حد سواء, حشد الموارد, ووضع الخطط, وبناء الثقة فيما بينهم حتى يتمكنوا من القتال بفعالية. يعتبر التعاون, والاعتماد المتبادل, والثقة- حتى في قتل الآخرين - لبنات أساسية للنظام السياسي, وعناصر أساسية للدول.

لقد كان ظهور الزراعة شرطًا أساسيا لبناء مستوطنات بشرية طويلة الأمد- مدن- ذات حجم كبير. حيث أدت الزراعة إلى مضاعفة حجم المجتمعات، ما جعلها قادرة على شنّ حروب أكبر وأشمل. وقد كان شنّ الحروب من جانب السلالات الحاكمة في الصين القديمة, وإمبراطوريات بلاد ما بين النهرين, وبعد قرون لاحقة, ممالك أوربا, سببا من أسباب وجودها.

لقد أسس "فريدريك ويليام" بروسيا من أجل شن حروب ضد جيرانها الأعداء العديدين. وقد أفضت حروب "بروسيا" مع منافسيها الإقليميين أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر, إلى ولادة دولة ألمانيا التي نعرفها اليوم. وعبر المحيط الأطلنطي, في منتصف القرن الثامن عشر, ساعدت حرب السنوات السبعة في حشد المستعمرين الأمريكيين ضد البريطانيين, ما وضعهم على طريق تشكيل دولتهم الخاصة بهم.

لقد ظلت الصيغة السياسية الأساسية كما هي, وذلك عبر هذا التاريخ الطويل بداية من العصر الحجري وصولا إلى العصر الحديث. حيث تعلمت عناصر مختلفة من المجتمع أن تتعاون فيما بينها خارج الهياكل الأسرية, لكي تسلّح نفسها بهدف النهب, والدفاع, أو كليهما. وشكّلت تلك العناصر المجتمعية تسلسلات هرمية, وبيروقراطيات, ومؤسسات صمدت وتطوّرت. لقد ساهمت الآثار الناجمة عن الحروب في وجود تجارب مشتركة مهمة بين شعوب الدول الناشئة أيضا. فالهزيمة يمكن أن تكون أكثر توحيدًا من الانتصار.

إن آخر حرب كبيرة أدت إلى بناء دولة كانت في عام 1980, عندما هاجم العراق تحت حكم صدام حسين إيران عقب الثورة الإيرانية. عندما شنّ صدام هجوما شرسًا شبيه بمعارك الحرب العالمية الأولى, كانت إيران غير مستعدة بصورة يُرثى لها. استغل الثوار الإيرانيون الالتزامات الدينية للمساعدة في حشد أعداد هائلة من المقاتلين. حيث واجه الرجال الإيرانيون, شيوخا وشبابا, بأجسادهم هجمات الدبابات العراقية, مرة تلو الأخرى, حتى تمكنوا من إيقاف التقدم العراقي. لقد منحت تلك الحرب شرعية كبيرة للنظام الجديد, وساهمت في تماسك إيران. حيث أدت مشاعر الحزن والخوف إلى توحيد المجتمع الإيراني, بسنّته وشيعته, وجددت في داخله شعور الهوية الفارسية, في مواجهة الغزاة العرب.

لقد اتسمت الحروب التي تلت حرب إيران-العراق (1980-1988) بكونها مدمرة للأوطان. فالدول التي تعيش وسط حروب اليوم يبدو أنها تنهار بدلا من أن تنهض. لقد باتت الصراعات اليوم في بلدان مثل ليبيا وميانمار, تقوّض الحكومات, وتهدد بانهيار الأوطان, مثلما إدى الصراع إلى تمزيق يوغسلافيا السابقة في عقد التسعينيات. أما في العراق, فإن الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة قبل 14 عامًا بغرض إنقاذ البلد, مازالت مستمرة, وأصبحت مصدرًا لانهيار البلد داخليًا.

أما جنوب السودان, أحدث دولة في العالم, فيعصف بها عنف داخلي. لقد حصلت هذه الدولة على استقلالها من السودان بعد ما يزيد على عقدين من القتال. تشير الأنماط عبر التاريخ إلى أن جنوب السودان كان يجب أن يخرج من هذه المحنة وهو موحّد, بالرغم من التحديات الكثيرة التي واجهها بوصفه دولة يافعة. وبدلاً من ذلك, انهار البلد بسبب الصراعات الداخلية التي أعقبت الاستقلال, والتي أدت إلى نشوب حرب أخرى شرّدت ما يزيد على 2 مليون شخص من أصل 12,5 مليون نسمة هم عدد سكانه.

لقد أصبحت تجربة جنوب السودان هي المعيار الجديد. تتسم الصراعات المسلحة, مهما كانت جذورها أو مآلاتها, بكونها جرحًا عميقا يعرقل تقدم المجتمعات, ويعيق التنمية, ويُضفي قتامة على مستقبلها. في الواقع, أصبحت الحرب مرضًا مميتًا في الدول الحديثة. إن المصطلحات واسعة الانتشار مثل "بلد مزقته الحروب" و "دورة العنف", والمستخدمة لوصف الدول التي تشهد صراعات, تعبّر عن الحقيقة الواضحة المتمثلة في أن الدول المنخرطة في حروب هي في حالة انحدار خطير. يبدو ان الحرب تمثل النهاية السوداء, وليس البداية, بالنسبة إلى الدول القوية.

إن جزءًا من السبب في أن الحرب لم تعد تساعد في بناء الدول يرجع ببساطة إلى وجود عدد قليل من الدول الجديدة التي تنتظر أن تُبنى. لقد أدى انتهاء الاستعمار والحرب الباردة إلى تأسيس عشرات من الدول الجديدة حول العالم. علاوة على ذلك, فإن احتمال أن تشنّ دولة حربا لغزو أو ضمّ جارتها يعتبر خرقًا للسياسات الدولية التي أُرسيت في أواخر القرن العشرين. وما تبقى من الدول يظل داخل حدوده في أغلب الأوقات. إن العديد من المكاسب التي كانت تتحقق عبر الغزو البري في الماضي, يمكن تحقيقها الآن عبر السيطرة على حصص السوق, وتزوير الانتخابات, وفرض الهيمنة العسكرية.

في الماضي, كان بناء الدولة عادة يعتمد على استخدام القادة السياسيين للعرق والإيديولوجيا. لكن السياسات واعمال العنف القائمة على دوافع عرقية, والتي تبنّتها العديد من الأمم في بداية تاريخها, قد باتت ذات سمعة سيئة, وقد تُوصف بأنها جرائم حرب. والأهم من ذلك ربما, هو أن الأفكار العنيفة لم تعد تحرّك السياسات العالمية كما كانت تفعل في الماضي. في نهاية الحرب العالمية الثانية, تبنّى سوكارنو, رئيس إندونيسيا في حينها, إيدولوجية من صنعه, كانت مزيجًا من القومية والماركسية والإسلام, وذلك ضمن جهوده الناجحة لتوحيد إندونيسيا. لقد كانت المعتقدات والأفكار الرئيسية الرائجة في العالم في ذلك الوقت, بالنسبة لسوكارنو, وسيلة لبناء دولة شاسعة مكتظة بالسكان من سلسلة جزر بعيدة متنوعة عرقيًا. لكن السياسات العالمية اليوم خالية من الأفكار الكبيرة والإيدولوجيات الثورية. لقد التزمت معظم الدول ب "توافق واشنطن" الخاص بقواعد الحكم والاقتصاد. وحتى الدول المستبدة المتبقية تلتزم بصورة كبيرة بتلك القواعد. هناك عدد قليل فقط من البلدان في أمريكا اللاتينية-بوليفيا على سبيل المثال- التي يوجد بها حركات سياسية هدفها تحدي الليبرالية الجديدة.   
 
باختصار, فإن عصر بناء الدول ربما انتهى. دعونا نأمل ذلك. فبناء الدول يتضمن, في الأساس, ممارسة قمع داخلي عنيف, والدخول في صراع خارجي. حيث اشتهرت فرنسا في عهد الثورة, وأمريكا الجاكسونية (نسبة للرئيس أندرو جاكسون), والصين في عهد ماو-وهي ثلاث فترات مميزة لبناء الدول في التاريخ العالمي- بجرائمها بقدر اشتهارها بإنجازاتها الدائمة. وبينما قد يكون انتهاء عصر بناء الدول مفيدًا للعالم بصفة عامة, إلا أن ذلك لا يعود بأي فائدة على الدول التي تحاول ان تؤسس نفسها. لن يكون هناك على الأرجح "سوكارنو" لأفغانستان أو الصومال, حيث فشل العديد من قادة هاتين الدولتين على مدى عقود في أن يصبحوا قادة وطنيين حقيقيين, أو في تعزيز الهوية القومية لبلديهما. أما إقليم كردستان العراق, وهو أمة بلا دولة, فمن غير المرجح أن يرفع علمه الخاص في أي وقت قريب, محتفظا بحكمه شبه الذاتي. وهو ما يسبب إحباطًا هائلاً للكُرد في الشرق الأوسط, كما أظهر جليًا الاستفتاء الآخير على استقلال كردستان العراق. ويبدو أن حلم العديد من الكُرد بإقامة دولة لهم قد تلاشى.  



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق