خطة مقترحة للتصدي إلى المقاتلين العائدين إلى أوروبا


٠٥ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٧:٠٠ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - مركز راند
ترجمة - بسام عباس



مع رصد السلطات الأوروبية لآلاف الجهاديين الطامحين لمغادرة بلدانهم للقتال في العراق وسوريا في عامي 2012 و 2013، لم يكن هناك سوى عدد قليل من القوانين تمنعهم من "أخذ عطلة في اسطنبول"، وهي كناية معروفة لدى الجهاديين الذين يسعون للسفر إلى سوريا. وبينما تستعد وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات لعودة بعضٍ من هؤلاء الذين غادروا، ربما يتساءل المسئولون الأوروبيون عما إذا كانت لديهم السياسات والسلطات والقدرات للتعامل بفعالية مع التهديدات التي يمكن أن يشكلها العائدون.

وللتصدي بنجاح للتهديد الذي يشكله المقاتلون الأجانب العائدون الذين يعتزمون الحاق الضرر ببلدانهم، قد يحتاج مسئولو الاتحاد الأوروبي إلى استئصال الإرهابيين المحتملين بقوة قبل أن يتمكنوا من تخطيط هجمات على الأراضي الأوروبية وتنفيذها. وسيتطلب ذلك تنسيقا مستمرا بين أجهزة الاستخبارات الوطنية وقوات الشرطة في إحباط الجرائم الإرهابية.

ومن بين أكثر من خمسة آلاف مواطن أوروبي سافروا إلى العراق وسوريا خلال السنوات القليلة الماضية، عاد حوالي 1700 مواطن إلى بلدانهم الأصلية. وقد عاد نصف المقاتلين الذين ذهبوا من الدنمارك والسويد والمملكة المتحدة إلى بلدانهم. ومما لا شك فيه أن الزيادة في الملاحقات القضائية المتعلقة بجرائم الإرهاب مرتبطة بظاهرة عودة المقاتلين الأجانب، على الرغم من أنه لا يزال من غير الواضح النسبة المئوية لهذه الحالات التي يشملها العائدون. فقد شهدت ألمانيا زيادة في المحاكمات المتعلقة بالإرهاب بلغت أربعة أضعاف تقريبا في عام 2017 وحده، مع ما يقرب من 800 حالة تتعلق بالإسلاميين المتطرفين.

وهناك بصيص أمل وهو أن عدد العائدين أقل بكثير مما كان متوقعًا. وينبغي أن تشكل الغالبية العظمى تهديدًا ضئيلاً أو معدومًا، لأن الكثيرين منهم أحبطوا بالحياة في ظل الخلافة، وسيسعون إلى إعادة الاندماج بهدوء في المجتمع الأوروبي. غير أن هناك آخرين ربما يحاولون التسلل سرًّا إلى داخل البلد ، بهدف ارتكاب أعمال إرهابية.

ومنذ الهجمات التي وقعت في باريس في نوفمبر 2015، وبروكسل في مارس 2016، بذلت الدول الأوروبية جهودًا حثيثة لتعزيز أمن الحدود وزيادة مراقبة المشتبه بهم المحتملين. وبمساعدة أمريكية، حققت العديد من وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون في جميع دول الاتحاد الأوروبي تقدمًا مشهودًا في تحديد ماهية التهديد الإرهابي ومكافحته.

ولكن حتى مع التحسينات اللازمة في القدرات، لا يزال التحدي صعبا. ولم تؤد هذه التطورات إلى القضاء على مستوى التهديد، وما زالت العديد من القضايا التي تعاني من عدم التعاون بين أجهزة الاستخبارات الأوروبية، والتي تتضمن انعدام الثقة بين بعض الدول، وترددها في كيفية جمع المعلومات و مشاركتها.

وقد يسعى المقاتلون الأجانب إلى إعادة تجميع صفوفهم في تركيا، والتي يمكنهم استخدامها كمنطقة انطلاق وكمركز لوجستي للتسلل إلى أوروبا. ولا يزال مسار اللاجئين القدامى الى اوروبا كما هو، ووصفت حدود الاتحاد الأوروبي بأنها "رخوة" يسهل اختراقها، بَيْد أن المسئولين البريطانيين أعربوا علنًا ​​عن مخاوفهم من احتمالية أن يسعى المقاتلون العائدون إلى ضرب المملكة المتحدة. وكما أشار خبير الإرهاب لورينزو فيدينو مؤخرًا فان المشرعين في أوروبا "يكافحون لمواكبة بيئة التهديد المتغيرة باستمرار".

وتعرب السلطات الأوروبية عن أسفها لأن مواردها المحدودة أصلا كانت ضعيفة بسبب الأعداد الهائلة للمشتبه بهم المحتملين والذين ينبغي التعرف عليهم وتعقبهم. كما ستحتاج قوات الأمن إلى مزيد من القوى العاملة لمراقبة هذه الأعداد ورصدها. ومن ضن الأعمال التي تم إنجازها في العراق وسوريا، قام التحالف بقيادة الولايات المتحدة بفحص الحواسيب والوثائق والهواتف الخلوية التي تم الاستيلاء عليها لوضع لمحة عالمية حول أعضاء داعش والمتعاطفين معهم، وهي قائمة تضم ما يقرب من 19 ألف اسم وتمت مشاركتها مع الإنتربول . وعملت أجهزة الاستخبارات الأوروبية، مع الإنتربول، على إنشاء قواعد بيانات أكثر شمولا بالمعلومات المستقاة من المقاتلين الأجانب المشتبه فيهم والعائدين المحتملين.

وعلى الرغم من أن السلطات الأوروبية حسنت قدراتها على تتبع العائدين المحتملين، ومن المتوقع أن يكون العدد صغيرًا، ولكن من المحتم أن يحاول جزء صغير من الجهاديين الإجراميين العودة والتسبب في بعض المتاعب. فما الذي يمكن أن تقوم به السلطات للحد من هذا التهديد؟
الجواب الواضح هو تركيز الموارد في المناطق التي يكون فيها التهديد أكثر وضوحًا. فالعديد من الذين غادروا أوروبا للقتال في العراق وسوريا لديهم خلفيات إجرامية، ويبدو من المرجح أن أولئك الذين يحاولون التسلل إلى الوطن بعيدًا عن الأنظار سيعودون إلى الإجرام مرة أخرى. وكما أشار تقرير حديث صادر عن مركز صوفان، فهناك "العديد من أوجه الشبه بين الدوافع التي تقود الناس إلى الجماعات المتطرفة العنيفة وتلك التي تقودهم نحو عصابات إجرامية أكثر تقليدية". وكما أشار راجان باسرا وبيتر نيومان من المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في بحثهما على الجهاديين ذوي الخلفيات الإجرامية، "الفكرة المركزية ليست في أنهم مجرد مجرمين، ولكن إجرامهم له صلة بتطرفهم".

وللكشف عن الجهاديين العائدين الذين يتفاعلون مع عالم الجريمة واعتقالهم، من المرجح أن تحتاج السلطات الأوروبية إلى بذل مزيد من الجهود المتضافرة لربط الأفراد والوحدات المتخصصة في هذا المجال من أعلى إلى أسفل المستويات داخل دولهم وكذلك في جميع أنحاء القارة، وهي ليست بالمهمة السهلة. إن العقبات النموذجية الحالية ستحتاج إلى التغلب عليها، بما في ذلك القضايا اللغوية والثقافية، وقيود الميزانية، وتبادل الكم الهائل من المعلومات، وقضايا الثقة التي سبق ذكرها. إن ما يبدو أنه مجرد حادث إجرامي في سويسرا يمكن أن يتحول إلى قضية ذات صلة بالإرهاب في هولندا. ولذلك تحتاج الشرطة المحلية في بلد ما إلى التمكن من نقل المعلومات بسلاسة إلى المسئولين على المستوى الوطني في بلد آخر. هذه هي الطريقة الوحيدة لوضع خريطة فعالة للشبكات السرية التي يستخدمها الجهاديون الإجراميون.

وحتى الآن تم التعرف على 40 ألف مقاتل أجنبي في العراق وسوريا، غير أن عددًا غير معروف من الجهاديين لم يتم التعرف عليه بعد. ومع بدء الحكومات الأوروبية في مواجهة الخوف من المجهول، يتعين على مسئولي تنفيذ القانون ورجال الاستخبارات أن يكونوا سبَّاقين في اصطياد العائدين. ومن الأساليب الجديرة بالاعتبار الاعتماد بشكل أكبر على الضباط أو المخبرين السريين الذين يمكنهم العمل في الأسواق غير المشروعة، بما في ذلك تجارة الآثار في السوق السوداء. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، نهب مقاتلو تنظيم داعش آثارًا لا تقدر بثمن من جميع أنحاء العراق وسوريا، والتي يمكن أن تستخدم لكسب المال مرة أخرى في أوروبا.

لقد عانى الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة من عدم وجود هيكل مشترك للأمن والدفاع المشترك. وينبغي أن تكون عودة المقاتلين الأجانب الخطرين إلى الأراضي الأوروبية حافزًا كافيًّا لإجراء استعراض شامل لأوجه الضعف في كل دولة.

وأخيرًا، ينبغي أن يقترن أي تقييم أو تقييم للقدرات القائمة بجهود متزايدة لتعزيز عمليات التدريب والتنسيق بين قوات الشرطة المحلية والاتحادية، وواضعي السياسات للحكومات الوطنية في جميع أنحاء القارة الأوروبية.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق