هل تصبح تايلاند بؤرة تطرف جديدة؟


٠٥ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٧:٠٧ ص بتوقيت جرينيتش


المصدر - المنتدى الاقتصادي العالمي
ترجمة - شهاب ممدوح



تشير هزيمة تنظيم داعش، واندلاع أعمال عنف مرتبطة بهذا التنظيم في جنوب شرق آسيا بوضوح إلى احتمال تدشين عهد جديد من الإرهاب الجهادي العابر للحدود الوطنية في تلك المنطقة.

لقد أثارت التقارير المتكررة - لكن غير المدعومة بالأدلة- بشأن نشاط تنظيم داعش في تايلاند، تساؤلات حول هشاشة الوضع في منطقة جنوب تايلند ذات الغالبية المسلمة، خاصة فيما يتعلق بالتأثير الجهادي على التمرد العسكري طويل الأمد وسط المسلمين-الملاي هناك.

التقرير الصادر عن "مجموعة الأزمات" تحت عنوان "الحركة الجهادية في جنوب تايلاند: شبح التهديد"، يشير إلى أنه لا يوجد دليل حتى الآن، يشير إلى نجاح الجهاديين في تحقيق اختراق وسط الانفصاليين، الذين يقاتلون من أجل ما يعتبرونه تحرير وطنهم، المسمى بـ "فاطاني".

لكن هذا الصراع، فضلا عن المخاوف بشأن عمليات لداعش في تايلاند، يثير مخاوف بشأن وجود خطر إرهابي جديد. هذ المخاوف ليست غير عقلانية، لكنها مغلوطة بصورة كبيرة، وينبغي ألا تحجب كارثة التمرد في جنوب تايلاند، والحاجة لإنهائه.

تشكّل المحادثات المباشرة بين قادة التمرّد والحكومة أولوية، إذ أن إقامة نظام سياسي غير مركزي يمكن أن يساعد على معالجة المظالم في الجنوب، والحفاظ على وحدة الدولة التايلاندية في الوقت ذاته.
 
استغل تنظيما القاعدة وداعش الصراعات التي طال أمدها في العالم الإسلامي من أجل خدمة أجندتهما، بما في ذلك مناطق تخضع لسيادة دول قادرة، لكن سلطة حكومتها المركزية ضعيفة.  

خلال عهد داعش، كان الجهاد العابر للحدود في جنوب شرق آسيا في معظمه عبارة عن ظاهرة تبدأ من "الأسفل إلى الأعلى"، حيث أعلنت جماعات مسلحة موجودة مسبقا (مثل تلك الموجودة في إندونيسيا والفلبين) مبايعتها لتنظيم داعش. وفي هذه البلدين، فضلا عن ماليزيا وسنغافورة، سعى أفراد وجماعات صغيرة غير مرتبطة بشبكة مسلحين، للانضمام لداعش أو العمل تحت اسمها.

مع ذلك، لم تظهر إشارات على انضمام المتمردين في أقصى جنوب تايلاند إلى داعش أو حركات جهادية أخرى. ويعود سبب ذلك إلى عدم تعاطف مجتمع الملاي-المسلمين مع الجهاد العابر للحدود، حيث يرفض غالبية رجال الدين المسلمين، سواء كانوا تقليديين أو إصلاحيين، الإيديولوجية السلفية-الجهادية التي تعتنقها داعش والقاعدة.

 من المؤكد أن هذا يقلل، ولكن لا يزيل، خطر انضمام بعض الملاي المسلمين للجهاديين.

إن دوافع الانضمام للجماعات الجهادية متباينة، وغير مرتبطة عادة بالإيديولوجيا أو القناعة الدينية. قد تستطيع الدعاية الجهادية أن تؤثر على بعض الأفراد. لكن احتمال اندماج هؤلاء الملاي المسلمين الذين تحرّكهم مشاعر الأخوّة، والهوية، أو الإخلاص للقضية-ناهيك عن المظالم التي يشعرون بها ضد الدولة التايلاندية- في حركة تحرير "فطاني"، وذلك بالنظر إلى جذورها الضاربة في المجتمع المحلي، أكبر من احتمال اندماجهم في الجماعات الجهادية.

في الواقع، فإن حركة التمرد وسط الملاي المسلمين تتميّز بطابعها المحلي.

تسعى حركة التمرد للحصول على حكم ذاتي على مساحة معينة من الأرض، وهي تسعى للانضمام للنظام الدولي وليس لتدميره. يتبنّى قادة حركة تحرير "فطاني" موقفًا معاديًا لداعش والجماعات المماثلة، ويعتبرون جبهات قتالهم درعًا واقيًا ضد النفوذ الجهادي.

يقول هؤلاء القادة إن التحالف مع داعش أو القاعدة، أو تقليد أساليبهم الشهيرة مثل شنّ تفجيرات انتحارية، و تنفيذ هجمات تتسبب في وقوع ضحايا كثر، سيحرمهم من الحصول على شرعية دولية، وسيقوّض الدعم المحلي لهم، وسيستدعي تدخلاً أجنبيًا ضدهم.

من غير المرجح أن تتساهل ماليزيا، التي تكافح ضد تهديدات محلية مستوحاة من داعش، مع فكرة ارتباط قيادات حركة تحرير فطاني، الموجودة في المنفى على أراضيها، بتنظيم داعش.

لكن هذا ليس سببًا للشعور بالتراخي. فالجمود المستمر، والانتكاسات التكتيكية، ونفاذ الصبر مع، أو معارضة عملية السلام البطيئة بين بانكوك وبعض الجبهات الانفصالية-أو حتى خيبة الأمل إزاء الاستراتيجية السائدة- يمكن أن يشجع إحدى الحركات المنشقة على استخدام العنف الشديد في محاولة لكسب النفوذ. قد يكون نموذج، أو دعم، الجهاديين جذابًا لبعض المسلحين الناقمين على قادتهم.  

إن حركة تحرير فطاني لديها تاريخ من التنافس بين الفصائل، كما أن جبهة التمرد الرئيسية (الجبهة الثورية الوطنية لفطاني) بالغة السرية، ومع ذلك، ليس هناك مؤشرات واضحة على وجود انقسامات إيديولوجية أو جيليه حادة.

يجب موازنة المخاوف بشأن التأثير الجهادي، والمستندة بصورة أساسية إلى مقولة إن "الأمور قد تتغير"، مع الأدلة التي تشير إلى عدم وجود رغبة لدى قيادات الجماعات المسلحة الحالية للارتباط بتنظيم داعش أو جماعات تؤمن بنفس أفكاره.

ينبغي أن تعطي الحكومة التايلاندية والمسلحين الملاي-المسلمين الأولوية لإنهاء هذا الصراع الذي أودى بحياة 7 آلاف شخص منذ عام 2004، وينبغي على الطرفين ألا يتصرفا وفقا لتكهنات بشأن تحقيق الجهاديين لمكاسب في تلك المنطقة.  
 
كلما طال أمد الصراع، زاد خطر ارتفاع حدة الاستقطاب، واشتداد حدة التمرد الذي قد ينتشر خارج عمق الجنوب، فضلا عن إمكانية حدوث حسابات خاطئة قد يستغلها جهاديون عابرون للحدود.

إن خروج مقاتلي داعش من الشرق الأوسط، والانتصار الدعائي لداعش في مدينتي "مراوي" و "ميندناو" الفلبينيتين، والدعوات التي تطلقها داعش والقاعدة للانتقام للروهينجا الذين أُجبروا على الفرار من ميانمار، كل هذا قد يمثل مصدرًا للاضطرابات في المنطقة.

ولمعالجة هذه المخاطر المتعددة، ينبغي أن تُبلغ بانكوك و"الجبهة الثورية الوطني لفاطاني" قواعدهما الشعبية في الجنوب بوضوح أنهما تأخذان بجدية التطلعات والشواغل الاجتماعية لشعب الجنوب، فضلا عن المظالم التي تشعر بها الجماعات المتمردة المختلفة هناك. وهذا يتطلب أن تُعيد بانكوك تنشيط عملية السلام، وأن تنخرط الحركة الثورية الوطنية في تلك العملية، وذلك بهدف إيجاد حل سياسي للجنوب العميق، يكون مرتكزًا على اللامركزية.

وبوجه عام، ينبغي على الحكومة أن تعيد حق حرية التعبير والتجمّع السياسي، حتى يتمكّن الناس من التعبير عن رأيهم بشأن طريقة إدارة مناطقهم، ويساهموا في التغيير بصورة سلمية.  

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق