توماس فريدمان يكتب: ترامب وفن منح الهبات بدون مقابل


٠٧ ديسمبر ٢٠١٧ - ١٠:٣٧ ص بتوقيت جرينيتش

المصدر - نيويورك تايمز
ترجمة - آية سيد



أفكر في تأليف كتاب عن العام الأول لسياسة الرئيس ترامب الخارجية, وأعرف العنوان بالفعل: "فن منح الهبات."

في حوالي 30 عامًا من تغطية أخبار السياسة الخارجية للولايات المتحدة, لم أر رئيسًا يتنازل عن الكثير مقابل القليل, بداية من الصين وإسرائيل. في كل من المملكة الوسطى وإسرائيل, أتى عيد الميلاد مبكرًا هذا العام. يهمس الصينيون واليهود لأطفالهم: "يوجد بابا نويل حقيقي." واسمه دونالد ترامب.

من يستطيع لومهم؟ دعونا نبدأ مع إسرائيل، التمست كل حكومة إسرائيلية منذ تأسيسها اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لها. وأحجمت كل حكومة أمريكية عن فعل ذلك, زاعمة بأن هذا الاعتراف ينبغي أن يأتي فقط في أعقاب اتفاقية سلام نهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين – حتى الآن.

اليوم، منحهم ترامب الاعتراف – دون مقابل. يا له من اتفاق! لماذا تمنحهم هذا دون مقابل ولا تستخدمه كوسيلة ضغط لدفع آفاق التوصل لاتفاق إسرائيلي - فلسطيني؟

ربما يكون ترامب قد قال شيئان لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. أولًا, ربما قال: "بنيامين, أنت تطلب مني كثيرًا أن أعلن القدس عاصمة لإسرائيل. حسنًا, سوف أفعل ذلك. لكنني أريد اتفاق. هذا ما أريده منك في المقابل: سوف تعلن إنهاء بناء جميع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية, خارج المستوطنات الحالية التي يتوقع الجميع أن تكون جزءًا من إسرائيل بموجب حل الدولتين."

هذه المقايضة مطلوبة. سوف تخلق دفعة حقيقية للمصالح الأمريكية ولعملية السلام. مثلما أوضح دينيس روس, مفاوض السلام الأمريكي المخضرم في الشرق الأوسط ومؤلف كتاب "محكوم عليها بالنجاح: العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية من ترومان إلى أوباما": "عندما تتوقف عن البناء خارج تجمعات المستوطنات, فأنت تحافظ, إلى أقصى حد, على إمكانية حل الدولتين و, إلى أدنى حد, على إمكانية فصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين. استمر في البناء في المناطق الفلسطينية ذات الكثافة السكانية المرتفعة وسيصبح الفصل مستحيلًا."

ربما يكون ترامب قد قال أيضًا, مثلما أشار السفير الأمريكي السابق إلى إسرائيل مارتن إنديك, إنه قرر أن "يبدأ عملية نقل السفارة إلى القدس الغربية, لكنه في الوقت نفسه يعلن استعداده لإصدار إعلان موازي بإنه سيؤسس سفارة في دولة فلسطين في القدس الشرقية" – كجزء من اتفاقية نهائية. كان هذا سيضعنا بمعزل عن التلميح بإنه سيعقد عملية تحقيق السلام وكان سيُبقي الباب مفتوحًا أمام الفلسطينيين.

في الحالتين, كان سيتمكن ترامب حينها من التفاخر أمام الإسرائيليين والفلسطينيين بإنه حقق لكل منهما شيء لم يستطع باراك أوباما فعله – شيء دفع عملية السلام ومصداقية الولايات المتحدة ولم يحرج حلفاءنا العرب. لكن ترامب أبله. وهو أبله لإنه جاهل ويظن أن العالم بدأ في اليوم الذي اُنتخب فيه, ولذلك من السهل التلاعب به.

فلتسأل الصينيين. بشكل أساسي, في اليوم الأول له في المنصب, مزق ترامب اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ للتجارة الحرة – من الواضح دون أن يقرأها أو يطلب من الصين أي تنازل تجاري في المقابل. رمى ترامب ببساطة الأداة الوحيدة الأكثر قيمة التي امتلكتها أمريكا لتشكيل المستقبل الجيو-اقتصادي للمنطقة للضغط على الصين لكي تفتح أسواقها أمام المزيد من البضائع الأمريكية.

يحاول ترامب الآن التفاوض على الانفتاح التجاري مع الصين وحدها – بشكل ثنائي – ولا يصل إلى أي شيء. ومع هذا كان بإمكانه التفاوض مع الصين كزعيمة الكتلة التجارية للشراكة العابرة للمحيط الهادئ المكونة من 12 دولة والتي كانت قائمة على القيم والمصالح الأمريكية والتي تحكمت في 40 في المائة من الاقتصاد العالمي. فكروا في النفوذ الذي خسرناه.

في عمود يعود إلى شهر يونيو الماضي أخبرني مسئول كبير من هونج كونج: "عندما استغنى ترامب عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ, انهارت ثقة جميع حلفائك في الولايات المتحدة." وأضاف جوناثان كونشم شوي, رئيس الغرفة التجارية الصينية في هونج كونج, إنه بعد أن أنهت أمريكا اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ, "يتطلع الجميع الآن إلى الصين. لكن الصين تتمتع بذكاء حاد – إنها تُبقي فمها مغلقًا."

للتذكِرة فقط: اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ كانت اتفاقية تجارة حرة أبرمها فريق أوباما مع أستراليا, وبروناي, وكندا, وتشيلي, واليابان, وماليزيا, والمكسيك, ونيوزيلندا, وبيرو, وسنغافورة وفيتنام. إنها لم تكن أضخم اتفاقية تجارة حرة في التاريخ وحسب, بل الأفضل للعمال الأمريكيين, حيث كانت تسد الثغرات التي تركتها نافتا مفتوحة. كان حوالي 80 في المائة من البضائع القادمة من شركاء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ الـ11 تدخل الولايات المتحدة بدون جمارك, في حين أن بضائعنا وخدماتنا كانت تتحمل الآلاف من الرسوم الجمركية في بلادهم – وهو ما ألغته اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وكما ذكرت في شهر يونيو الماضي, الأشخاص الآخرين الذين خذلناهم بإلغاء الاتفاقية, كما أوضح جيمس ماكجريجور, مؤلف كتاب "مليار عميل: الدروس المستفادة من الخطوط الأمامية للقيام بالأعمال في الصين," كانوا المصلحين الاقتصاديين في الصين: كانوا يأملون أن ظهور اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ "سيرغم الصين على إصلاح ممارساتها التجارية بما يتماشى مع الممارسات الأمريكية وعلى فتح أسواقها. ... لقد خذلنا المصلحين في الصين."  

إن ترامب عُرضة لهذه الهبات, ليس فقط لإنه جاهل, وإنما لإنه لا يرى نفسه رئيسًا للولايات المتحدة. إنه يرى نفسه رئيسًا لقاعدته، ولأن هذا هو الدعم الوحيد المتبقي لديه, يشعر بالحاجة للاستمرار في تغذية قاعدته عن طريق الوفاء بالوعود غير المدروسة التي أعطاها لهم خلال حملته الانتخابية. اليوم, مرة أخرى, يضع أحد تلك الوعود أمام المصلحة القومية للولايات المتحدة.



للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية تهويد القدس ترامب تقسيم القدس

اضف تعليق