لماذا يجب أن نفكر فى مصالح أجيال المستقبل بشكل أفضل؟


١٠ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٨:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح


نادرًا ما يُتهم الفيلسوف الأيرلندي ورجل الدولة "إيدموند بيرك" باعتناق الفكر الراديكالي، وذلك نظرًا إلى معارضته الشرسة له. مع ذلك، يقول ذلك الفيلسوف -في منشور سياسي كتبه بشأن الثورة الفرنسية (1790)- ما يلي:

"المجتمع هو عبارة عن عقد...وهو ليس مجرد شراكة بين مَن هم على قيد الحياة فحسب، وإنما بين مَن هم على قيد الحياة، وبين الموتى، والذين سيولودون".

بالرغم من أن هذا الفكر قد لا يبدو متشددًا، لكنه في حقيقة الأمر بالغ التشدد. نحن لدينا بالفعل أداة تمثل رغبات الأجيال السابقة. فالدساتير، وهي أصوات التاريخ، لا تربطنا بالماضي، لأنه يمكن دائما تغييرها عبر الانتخابات، لكنها تؤثر تأثيرًا قويا على ما تفعله مجتمعاتنا الآن. نحن نفتقر إلى آلية كهذه تراعي مصالح الأجيال المستقبلية. وهذه مشكلة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه من الوهلة الأولى.  

وبينما قد نشعر بالتضامن مع الأجيال السابقة والمستقبلية على حد سواء، إلا أن سهم الزمن يعني أنه يجب علينا أن نرتبط ببعضنا الآخر كما لو كنا أعضاءً في فريق سباق تتابع. هذا يعني أن الأجيال المستقبلية متضررة على نحو مضاعف، مقارنة مع الأجيال السابقة.

لقد فرض أسلافنا علينا -بصورة منفردة- نتائج مفاوضاتهم السياسية: نظامهم الاقتصادي، وسياسات الهجرة، والحدود الوطنية التي رسموها. لكنهم عملوا أيضا على شرح موقفهم لنا، حيث إنهم لم يكتفوا بإعطائنا حصيلة الدستور الأمريكي فحسب، على سبيل المثال، وإنما تركوا لنا أيضا سجلات النقاشات التي دارت بينهم بشأن المبادئ خلف ذلك الدستور، مثل الأوراق الفيدرالية (1787- 1788). تعتبر تلك التعليقات مصدرًا مهما لاحترامنا لإنجازات أسلافنا، بعيدا عن كونها أمرا واقعًا.

وعلى النقيض من ذلك، ستكون الأجيال المستقبلية مضطرة لأن تقبل ما سنختاره لها، وليس بمقدورها إبلاغنا بقيمها. وبهذا، ستكون تلك الأجيال حتى أكثر عجزًا من الأجانب، الذين نفرض عليهم قراراتنا السياسية بشأن التلوث، والتجارة، والحرب، من دون موافقتهم. وبالرغم من حرمانهم من حقوقهم، إلا أن هؤلاء الأجانب بإمكانهم على الأقل الضغط على حكوماتهم للوقوف في وجه حكوماتنا، أو مخاطبتنا مباشرة عبر كتابة مقالات في صحفنا بشأن عدالة قضيتهم. لكن مواطني المستقبل يفتقرون حتى إلى هذه الوسيلة.

إن التفاوت بين الماضي والمستقبل أكثر من مجحف. فأسلافنا لن يلحق بهم أي أذى، ولا يعرفون ما إذا كنا سنخيّب أمالهم. مع ذلك، فإن القرارات السياسية التي نتخذها اليوم سيكون تأثيرها أكثر من مجرد تحديد أعباء المواطنة لأحفادنا. كما تنطوي هذه القرارات على مخاطر وجودية مثل احتمال انتشار أوبئة، أو حدوث انهيار بيئي. ونتيجة لغيابهم عن نظامنا السياسي الحالي، فإن محنة الأجيال المستقبلية، التي قد تعاني أو تحقق مكاسب من قراراتنا السياسية الراهنة، يصعُب تقديرها على نحو مناسب. لذا، ينبغي علينا أن نمنحهم صوتًا.

كيف يمكننا فعل ذلك؟ فالأجيال المستقبلية ليس بإمكانها في الواقع التحدث إلينا. مع ذلك، بالرغم من جهلنا بالمعتقدات والقيم التي ستعتنقها، إلا أنه مازال بإمكاننا التفكير في مصالحها، استنادًا إلى الافتراض المنطقي بأن مصالح تلك الأجيال ستشبه إلى حد ما مصالحنا (فكل البشر يحتاجون إلى هواء نقي، على سبيل المثال). إن المصالح أسهل بكثير من الأمنيات، ويمكن تمثيلها عبر الوكلاء.

لذا، ربما ينبغي علينا ببساطة أن نشجع مواطني الجيل الحالي على تبنّي وجهة نظر الفيلسوف "بيرك"، والتفكير في واجبهم المدني بصورة أوسع نطاقا، وذلك عند إدلائهم بأصواتهم. هل سينجح هذا؟ يتبنّى الناس بالتأكيد بعض القضايا السياسية من وقت لآخر، على سبيل المثال، عندما يصوّتون تضامنًا مع أشخاص أفقر منهم. لكن هذا الحل المثالي ينهار بسبب النزعة القصيرة الأجل لدى معظم الناخبين الحقيقيين. فنحن في الواقع نمتلك قدرات تعاطفية وإدراكية محدودة، لأننا بشر في نهاية المطاف.

فلنلق نظرة على تلك القيود، على أمل أن يؤدي ذلك إلى إيجاد حل لمشكلتنا. أولا، فإن مدى تعاطفنا ضيق وقصير. نحن قد ندلي بأصواتنا للمستقبل في إطار ضيق، وذلك عندما نفكر في أبنائنا وأحفادنا، لكن هذا لا يتساوى مع التصويت كرعاة مؤقتين للمجتمع بأكمله. لا ينبغي علينا أن نحصر اهتمامنا في رفاهية أعضاء عائلتنا. علاوة على ذلك، حتى عندما نصوّت بوصفنا أباءً، فإننا عادة ما نكافح في التفكير في مستقبل أبنائنا طويل الأمد. على سبيل المثال، بينما ننتخب السياسيين الذين يقدمون وعودًا بالاستثمار في التعليم، إلا أننا نبدو أقل تحمسًا بشأن إصلاح الاقتصاد لمساعدة الشباب على بناء حياة مزدهرة وكريمة، لأن هذا يتعارض مع مصالحنا وأمننا الاقتصادي.

القيد الثاني الذين يواجهنا هو قيد فكري. من الصعب علينا، كأفراد، تحليل الآثار التراكمية الكاملة لقراراتنا السياسية على الأجيال المستقبلية. من الصعب بما يكفي أن نقرر ما إذا كان الانضمام لعملة اليورو، أو غزو أفغانستان، هو الشيء الصحيح الذي يجب أن تفعله بلدنا،  حتى مع علمنا في ذلك الوقت أن تلك قرارات مهمة وتبعاتها الكبيرة ستتضح خلال بضعة أعوام، وليس خلال عقود. إن التحدي الفكري يصبح أكبر بكثير عندما نحاول أن نحسب التكلفة التي ستتحملها الأجيال المتعاقبة نتيجة الحفاظ على سن التقاعد عند 65 عامًا، أو تحديد المستوى الأمثل لانبعاثات الكربون للتخفيف من أثر الاحتباس الحراري. لكن الناخبين العاديين ليسوا أهلا لهذه المهمة.

لو كان الجيل الحالي لا يسعه إلا أن يكون قصير النظر، فربما ينبغي علينا التفكير في تقديم وكلاء بإمكانهم التصويت بطريقة محايدة وبعيدة النظر. يجب أن يكون لدى هؤلاء الوكلاء دافع قوي للدفاع عن المصالح الأساسية للأجيال المستقبلية برمتها، بدلاً من فئات بعينها مفضّلة، كما يجب أن يكون لديهم خبرة لحساب الآثار طويلة الأمد لسياسات الحكومة. يجب أن يكون هؤلاء الناخبون أكثر من مجرد بشر عاديين. أنا أفكر في المنظمات المدنية، مثل المؤسسات الخيرية، وجماعات الحفاظ على البيئة، أو مراكز بحثية غير حزبية. ولضمان تمتع هؤلاء الناخبين بوزن سياسي –لكن دون أن يكون كبيرا- قد يتعين علينا أن نمنح المنظمات غير الحكومية المؤهلة للتصويت حصصًا متساوية من الأصوات تبلغ مثلا 10 المائة من الناخبين.

سيحظى هؤلاء الناخبون بوضع أخلاقي وقانوني باعتبارهم أوصياء لصالح الأجيال القادمة. والوصاية هي مفهوم قانوني ناضج له قواعد سلوك مهنية راسخة، ويخضع لأنظمة محاسبة خارجية. والوصاية مصممة تحديدًا لمواقف يتعين فيها على شخص واحد أن يتخذ قرارًا حكيما لمصلحة أفراد آخرين من دون النظر إلى أرائهم.  
 
لقد لعبت الوصاية دورًا سياسيًا قبل ذلك، ويتمثل ذلك في الدور الذي يؤديه المشرّعون المنتخبون، والذي دعمه الفيلسوف "بيرك" ذاته، كما دعمه عالم الاقتصاد السياسي البريطاني "جون ستيوارت ميل" بعد مرور قرن من الزمان. ورغم ذلك، سنحتاج بالتأكيد إلى إصدار قواعد وأدوات قانونية جديدة لضمان نجاح هذا النوع الجديد من الوصاية السياسية للمنظمات، لاسيما حماية تلك المنظمات من المصالح الحزبية والتجارية "الآنية". ولضمان استقلالها، ربما يجب أن تحظى تلك المنظمات بدعم شعبي (فلنقل 50 ألف مواطن عضو)، وأن لا تكون ربحية، وتخضع لقوانين تمويل الحملات الانتخابية، وما إلى ذلك. لكن عوضًا عن مناقشة هذه الإجراءات العملية المحددة، دعوني أتطرق إلى المزايا الأساسية لهذه الأداة الانتخابية الجديدة.

نظرًا إلى تشكيلها 10 بالمائة من حجم الناخبين، فإن هذه المنظمات غير الحكومية ستكون بمثابة قاعدة انتخابية مهمة، لكنها لن تكون بالغة الأهمية أو متجانسة. وهذا ينبغي أن يكون كافيًا. وكما قال عالم الاقتصاد السياسي النمساوي "جوزيف شومبيتر"، فإن الوسيلة الديمقراطية هي "ذلك الترتيب المؤسسي الذي يفضي إلى اتخاذ قرارات سياسية، حيث يحصل الأفراد على سلطة اتخاذ القرار عبر خوضهم لكفاح تنافسي للفوز بأصوات الناس". وبحكم طبيعة الديمقراطية، فأنه حيثما توجد أصوات انتخابية، سوف يوجد سياسيون. لذا، ستسعى كل الأحزاب السياسية الرئيسية لجذب هذه القاعدة الانتخابية الجديدة، وذلك عبر مواءمة برامجها السياسية مع الشواغل المتنوعة لتلك القاعدة، مثلما تفعل هذه الأحزاب مع القواعد الانتخابية الأخرى التي تشغلها قضية واحدة، مثل المتقاعدين و المعادين للهجرة.

وهذا الأمر، بالمناسبة، يبدو أفضل من مجرد تعيين هؤلاء الأوصياء مباشرة في غرفنا التشريعية العليا. إن أساقفة كنيسة إنجلترا الستة وعشرين الأعضاء في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة هم مشرّعون أوصياء بهذا المعنى: هم مكلّفون بمهمة العمل من أجل مصالح الرب. ومع ذلك، بالرغم من محدودية نفوذهم المباشر على التشريعات، إلا أنه ليس لديهم تأثير يذكر على المعارك الانتخابية التي تتشكل فيها الأفكار والمبادئ التي تقف خلف الأجندة التشريعية.

على النقيض من ذلك، فإن وجود الناخبين الأوصياء يمكن أن يفيد النقاشات الديمقراطية بصورة عامة. حيث أنهم سيجعلون الاستدامة قضية سياسية لا يمكن إغفالها، ما سيدفع السياسيين للتعامل مع تلك القضية بطريقة مرضية لهؤلاء الوكلاء المتطوّرين معرفيًا. إن تحسُّن اهتمام السياسيين بالمستقبل سيساعد أيضا الناخبين العاديين الذين يكافحون لتحويل شواغلهم الأخلاقية بشأن المستقبل إلى خيارات سياسية فعّالة. وبدرجة ما على الأقل، سيتم التخلص من قصر النظر الموجود في صلب المؤسسات الديمقراطية.

ومن باب العدالة، فإن مصالح أجيال المستقبل تستحق أن تُؤخذ بعين الاعتبار في قراراتنا التي نتخذها الآن. إن الخيارات التي نصنعها بخصوص تنقية الاقتصاد من انبعاثات الكربون، وضمان استحقاقات المعاشات التقاعدية، أو تمويل أبحاث اللقاحات، سيكون لها تأثير هائل على أجيال المستقبل التي ستأخذ مكاننا بعد عقود. إننا نهتم بهؤلاء الأشخاص، فهم أبناء جلدتنا، وأبناءنا، وأحفادنا في نهاية المطاف. إن قيمنا الأخلاقية تميل نحو فكرة المسؤولية المشتركة بين الأجيال، بينما يميل نظامنا السياسي نحو الأفق القصير الأجل للدورة الانتخابية القادمة. لذلك، ينبغي علينا أن نجد طريقة لجعل نظامنا السياسي يأخذ المستقبل -وكل من سيعيش فيه- بعين الاعتبار.  

المصدر - aeon

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



الكلمات الدلالية aeon

اضف تعليق