كيف فقدت واشنطن مكانتها كوسيط بين العرب وإسرائيل؟


١٧ ديسمبر ٢٠١٧ - ١٠:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس


حدثت الكثير من التداعيات إثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل والبدء في نقل السفارة الأمريكية، وهذه التداعيات هي: شبح العنف الفلسطيني في إسرائيل والأراضي المحتلة، والآثار المترتبة على حل الدولتين مستقبلاً. ومع ذلك، فإن التأثير الأشد الذي لم يتم تقديره ربما سيكون على وضع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والعالم بشكل عام.

وقد تخلت إدارة ترامب عن دور واشنطن كحارس مسئول عن الشئون العربية الإسرائيلية. وتذهب تعليقات الرئيس الأمريكي إلى أبعد مما ذهب إليه أي من أسلافه حول تسوية قضية الوضع النهائي قبل الأوان. وسيُمنح المسئولون الإسرائيليون اليمينيون تصريحًا بحرية العمل في جميع أنحاء القدس الكبرى، كما سيشارك القادة الفلسطينيون هذا التقييم، وإن كان ذريعة للتخلي تماما عن أي شكل من أشكال عملية السلام الآن أو مستقبلاً. ولن تجد إسرائيل والفلسطينيون والدول العربية بديلا مناسبًا لسد هذه الثغرة. والواقع أن الدولة اليهودية وجيرانها يدخلون فصلا جديدا في علاقاتهم، قد يكون فيه الممثل الخارجي غائبا بدرجة كبيرة.

تاريخيًّا، لعبت الولايات المتحدة دورًا لا غنى عنه في عملية الوساطة في الصراع العربي الإسرائيلي. فبعد أن قطع الاتحاد السوفيتي علاقاته مع إسرائيل عام 1967، أصبحت الولايات المتحدة القوة الرئيسية الوحيدة التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير على كلا الجانبين. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة إلى ترسيخ أقدام الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها المضيف الرئيسي لعملية السلام. فالجذب الدبلوماسي الأمريكي هو الوحيد الذي يمكن أن يجمع الإسرائيليين والفلسطينيين على طاولة المفاوضات. ووحدها القوة العسكرية الأمريكية هي التي يمكن أن توفر ضمانة أمنية للتوصل إلى تسوية إقليمية. ومع ذلك، ومن الناحية الرمزية، فإن إدراك الأمريكيين لوضعهم كقادة لعالم أحادي القطب يمكن أن يبرر تعبئة الإرادة السياسية اللازمة لإجراء مفاوضات جدية. ربما تكون لدول مثل روسيا والهند والصين طموحات دولية، ولكنها في الواقع تحجز طاقاتها الدبلوماسية لصراعات أكثر قربًا.

وبطبيعة الحال، لم يكن الأمريكيون وحدهم في لعب دور الوسيط. فقد أطلقت دول أخرى مبادرات، ولكنها تميل فقط للتأثير على طرف واحد في النزاع، وعادة ما تكون الدائرة العربية/ الفلسطينية. فعلى سبيل المثال، يمكن للمملكة العربية السعودية ومبادرتها العربية للسلام أن تقطع شوطا طويلا في دفع حل الدولتين وإدماج إسرائيل في الشرق الأوسط. إن امتياز اعتراف معظم أعضاء جامعة الدول العربية بإسرائيل في إطار اتفاق الوضع النهائي بشأن القضية الفلسطينية هو إنجاز بحد ذاته. ومع ذلك، فإن الإسرائيليين ليسوا مجرد جمهور طبيعي لدبلوماسية الرياض، وقد تجلت هذه الحقيقة في استقبال إسرائيل البارد للخطة السعودية. ولم يحظَ صانعو السلام الآخرون، مثل فرنسا، اهتماما يذكر من كلا الجانبين.

إن دور الولايات المتحدة في عملية السلام لم يخلُ أبدا من المنتقدين. وقد انتقد مسئولون فلسطينيون مختلفون إدارات أمريكية، ديمقراطية وجمهورية، بسبب عدم قيامها بدور الوسيط النزيه. ومن المرجح أن يعزز ذلك جزئيا الدعم السياسي المحلي من قبل العناصر المناهضة للولايات المتحدة، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن بعض القادة الفلسطينيين يشعرون بالإجحاف من قبل واشنطن. غير أن الولايات المتحدة كانت دائمًا قادرة على الاحتفاظ بالحد الأدنى من الادعاء بأن تكون وسيطًا نزيهًا؛ لأنها تمسكت بشدة بمجموعة أساسية من قضايا الوضع النهائي منذ عام 1967 ، ومنها: الأرض مقابل السلام (في وقت لاحق، الدولتين)، والقدس واللاجئون الفلسطينيون. وفي حين يتم توصيف الولايات المتحدة في كثير من الأحيان بأنها "محامي إسرائيل" في الأمم المتحدة، فإن الرؤساء المتعاقبين أيدوا علنًا ​​وبشكل ضمني قرارات الأمم المتحدة التي تعزز مشروعية قضايا الوضع النهائي المشار إليها آنفا، بدءًا من القرار 242 الذي تم تمريره لأسابيع فقط بعد حرب الأيام الستة.

وبعيدًا عن كونه مسرحا سياسيا نقيا، فإن التزام الولايات المتحدة بحماية قضايا الوضع النهائي يساعد المسئولين الفلسطينيين والعرب على ترويج عملية سلام لغير المقتنعين بالتوصل إلى حل وسط مع إسرائيل وإقناعهم بها. وفى محادثة سربت عام 2009 مع المبعوث الامريكي الخاص للسلام في الشرق الاوسط جورج ميتشيل ادعى صائب عريقات -أمين عام منظمة التحرير الفلسطينية- أنه من دون موقف أمريكي واضح بشأن دولتين فإن "تفاوض الفلسطينيين في ظل استمرار الاستيطان ودون اعتراف [بالدولة الفلسطينية]... سيكون مسمارًا في نعش محمود عباس (أبو مازن)". ومع ذلك، هناك بعض الحقيقة في كلام عريقات. فكل مبادرة سلام فاشلة ترعاها الولايات المتحدة تقوض الإيمان الفلسطيني الشعبي في منظمة التحرير الفلسطينية كمؤسسة وطنية وفي الأمريكيين كوسطاء جادين مع الإسرائيليين.

إن سياسة الولايات المتحدة الجديدة حول القدس تغير هذه الصيغة، حيث إنها المرة الأولى التي تتخذ فيها الإدارة الأمريكية صراحة إجراءً يمكن تفسيره على أنه يضر بنتيجة قضية الوضع النهائي. وفي حين أشار الرئيس ترامب إلى حل الدولتين في خطابه الذي أدلى به يوم الأربعاء، فإن هذه الإشارة العابرة لن تجد بالتأكيد آذانًا صاغية عند الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء. وبإعلان القدس عاصمة إسرائيل، والبدء في نقل السفارة دون تمييز قوي بين القدس الغربية (داخل حدود إسرائيل المعترف بها دوليا) وبين الأجزاء الشرقية المتنازع عليها في بلدية القدس الكبرى، فإن مسئولين فلسطينيين ومسئولين إسرائيليين يمينيين -بدوافع تنافسية- ربما يرون أن الولايات المتحدة تؤيد السيادة الإسرائيلية على الخط الأخضر.

إذا كان قرار البيت الأبيض الأخير بشأن القدس يلغي مسعى إدارة ترامب نحو "صفقة الوضع النهائي"، هل سيأتي أحد ليملأ الفراغ؟ إما أن يكون المتنافسون الأكثر بروزًا لاعبون إقليميون مثل المملكة العربية السعودية أو دولة ذات طموحات عالمية مثل روسيا أو الصين. وكما ذكر آنفا، فإن مبادرة السلام العربية التي تقودها السعودية لا يقابلها إلا اهتمام إسرائيلي ضئيل. وفي الوقت نفسه، عرضت روسيا والصين خططها  الخاصة للسلام في الشرق الأوسط، ولكنها  لا ترقى إلى البرامج السابقة التي تقودها الولايات المتحدة. وكانت روسيا بالفعل من المشاركين في رعاية عملية أوسلو، ولكن الكرملين لعب هذا الدور بصورة شكلية أكثر من كونه سياسية خارجية جادة. ومما لا شك فيه فإن روسيا تحاول استعادة وضعها في الشرق الأوسط بتلهف شديد، ولكن حل الدولتين ليس متطلبًا أساسيًّا بالنسبة للاهتمامات الروسية الأكثر إلحاحًا في سوريا ومصر وليبيا.

وحيثما تفتقد بكين وموسكو الاهتمام بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فإن الاتحاد الأوروبي ربما يرغب بجدية في لعب دور ناشط في التوصل إلى اتفاق. ومع ذلك، فإن التكتيكات الأكثر قوة التي طبقتها بروكسل في الماضي، مثل حظر منتجات المستوطنات، لا يمكن دعمها بشكل جدي من النفوذ الاقتصادي أو العسكري بنفس الطريقة التي قامت بها الإدارات الأمريكية حين فرضت سياسة العصي والجزرة مع الدولة اليهودية. ولا يوجد لدى الاتحاد الأوروبي ضمانات للقروض مع إسرائيل. ولا يمكن أن يوقف حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل كصفقة مساومة. وباعتباره هيئة فوق وطنية، لا يملك حتى حق النقض في مجلس الأمن للتأثير على الاتجاه العام ضد إسرائيل في الأمم المتحدة.

والخبر السار هو أن الرئيس الامريكي المستقبلي الذى يسعى إلى تنشيط المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية لن يضطر إلى التنافس مع وسيط جديد لإعادة تأكيد موقف واشنطن السابق. كما أن إدارة أمريكية جادة في المفاوضات يمكن أن تطبق سياسة ترامب كتعزيز سلبي، مهددة بطلب الوجود الدبلوماسي الأمريكي في القدس ردا على التحركات الإسرائيلية ضد حل الدولتين. غير أنه في غضون السنوات الثلاث أو السبع الأخيرة، لن يكون هناك وسيط خارجي لإثناء الإسرائيليين والفلسطينيين عن الانخراط في مزيد من القرارات الأحادية الجانب. وعندما يحدث ذلك، سيندم الجانبان على التخلي عن الرعاية الخارجية للمفاوضات، تماما كما قد يرغب المسئولون الأمريكيون في استعادة مكانة الوسيط الذي تنازل عنه الرئيس ترامب يوم الأربعاء.

المصدر - ناشيونال إنترست

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق