فن بناء الدولة .. مقارنة بين الإمبراطورية العثمانية وداعش


٢٣ ديسمبر ٢٠١٧ - ٠٣:٥٧ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح


يعتبر فن بناء الدولة فنا قديما قدم الحضارة نفسها. إن تجميع الناس بناءً على الأصول العرقية, والأرض, والدين, والمصالح المشتركة فيما بينهم, يساعد في تشكيل الترابط والهوية الضروريان لإنشاء دولة موحّدة. يواجه تنظيم داعش المصاعب ذاتها التي تواجهها أي دولة ناشئة, تتضمن تلك المصاعب السيطرة على الأرض, وكسب ثقة الناس وفرض السيطرة عليهم, وتطوير عُملة, وبناء مؤسسات, وكسب شرعية دولية. إن ما يجعل بناء دولة إسلامية صعبًا للغاية في يومنا هذا هو افتقارها للشرعية الدولية. ومن دون هذا العامل الأساسي, تصبح بقية العقبات كبيرة ومستعصية. 

من الواضح أن ما يجعل دولة داعش مفتقرة للشرعية الدولية اليوم, هو الطريقة التي تستولي بها هذة الدولة على الأرض. إذ إن ممارسة الإعدامات الجماعية, واستبعاد الأقليات العرقية والدينية من الدولة الجديدة, ومزاعم التوسُّع العدوانية, كلها تتناقض مع المعايير الغربية لإضفاء الشرعية على الدول. وبما أن المؤسسات الدولية قائمة على المبادئ الاخلاقية التي أرستها الدول الغربية, فضلا عن ترأس تلك الدول لهذه المؤسسات, فإن ما مِن شرعية ستُمنح لهذا المظهر من مظاهر الدولة الإسلامية. أن الاضطرابات في الشرق الأوسط يمكن مقارنتها بمثيلاتها في أفريقيا, من حيث أن القوى الغربية هي مَن وضعت حدود تلك الدول وأنظمتها. هذا الوضع يخلق شعورًا بانعدام الشرعية لدى الكثير من العرب الذين يشعرون أن تلك المؤسسات المفروضة عليهم لا تمثل مصالحهم. لقد كانت الإمبراطورية العثمانية هي آخر خلافة إسلامية عظيمة, وقد كان انحدارها محاولة لدخول العصر الحديث, ومواكبة التطوّر في الدول الغربية.

إن أوجه الاختلاف بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الإسلامية الجديدة, هي أكبر من أوجه التشابه بينهما. وتتمثل أبرز أوجه التشابه بين الطرفين في فكرة تأسيس الخلافة, وأن انحدار الإمبراطورية الغربية المسيحية يصاحبه صعود للإمبراطورية الشرقية الإسلامية, أما التشابه الأخير فيتمثل في التوسّع عبر الغزو العنيف.

لعل أهم ما يميز دولة داعش الإسلامية هو تأسيس الخلافة. من النادر جدا في العصر الحديث أن نرى الدين يملك كل هذا التأثير على الحكومة بهدف تأهيلها لتصبح خلافة. من الناحية النظرية, ينبغي على دولة الخلافة ألا تمارس التمييز بناءً على العرق, أو التباينات الطفيفة للديانة الحاكمة. مع ذلك, فإن تلك الانقسامات موثّقة في دولة داعش الإسلامية المعاصرة, حيث تطغى مسألة الوحدة على الانقسامات الإيدولوجية الخطيرة. وبالمقارنة, تقبّلت الإمبراطورية العثمانية الأديان, والجماعات العرقية, وحتى الجنسيات المختلفة. لقد فهم العثمانيون أن الوحدة تتطلب حدًا أدنى من التسامح والتفاهم, وهو ما لا نراه في دولة داعش المعاصرة.

ثانيا, انحدار الغرب يصاحبه صعود للشرق. هذا لا يعني أن طرفي هذا الانقسام الفلسفي العالمي ليس بوسعهما الصعود في الوقت ذاته. ما أقصده هنا هو أنه لو نظرنا إلى الحضارة الشرقية الإسلامية باعتبارها القمر (ممثلة في النجمة والهلال) ونظرنا إلى الحضارة المسيحية الغربية باعتبارها الشمس (بوصفها رمزًا للمسيح والانجيل) فإنه ليس من المستحيل أن يحدث كسوف للشمس, أو أن نرى الشمس والقمر في السماء ذاتها, لكن  هذا الأمر ببساطة نادر الحدوث وليس شائعًا. عندما يصعد نجحم طرف ما, عادة ما يأفل نجم الطرف الآخر. لقد صعد نجم الإمبراطورية العثمانية مع بدء انحدار الغرب. وكذلك نلاحظ في عصرنا الحالي أن انحدار القوة الغربية يصاحبه ربما ليس صعودًا في القوة الشرقية, وإنما بالتأكيد صعود في الهوية الشرقية. سيكون من المثير مشاهدة تطوّر دولة داعش الإسلامية وما سيحلّ بإيدولوجياتها الأساسية عندما تفشل بكل تأكيد. إن هذه الحركة تختلف عن الأشكال المختلفة للإرهاب التي ظهرت عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر, لانها ليست إرهابًا فحسب, وانما هي , حسب التعريف, حركة تمرد أيضا.

أخيرا, فإن التوسُّع عبر الغزو العنيف هو السمة المميزة لكل من الإمبراطورية العثمانية ودولة داعش الإسلامية الناشئة. وفي كلا الحالتين, قُوبل التوسُّع العنيف واللإنساني للاستيلاء على الأرض بمواجهة من القوى الإقليمية التي تحركت ضد تأسيس مبدأ احتكار القوة. لكنني أظن أن رد الفعل الأقاليمي الذي نراه اليوم ضد توسُّع داعش ما كنا لنراه في عهد العثمانيين. لو كان تنظيم داعش قد حقق مكاسبه الإقليمية الراهنة أثناء زمن الإمبراطورية العثمانية, في ظل غياب الإمبراطورية العثمانية عن المشهد حينها, لكانت القوى الإقليمية, حسب اعتقادي, قبلت واقع الدولة الجديدة, ولكان العالم أضفى عليها درجة من الشرعية.

لقد أصبحت خشية الغرب من تأسيس دولة إسلامية متطرفة أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضى. كما باتت قبضة الغرب على المؤسسات الدولية تزداد ضعفا بفعل القوى الصاعدة في الحضارتين الأورثوذكسية والشرقية المتمثلتين في روسيا والصين على التوالي. كما تشهد أمريكا اللاتينية أيضا زيادة في الثروة مع استمرارها في التحديث, لكن الغرب باستطاعته إدارة كل تلك القوى التكتونية.

إن ما يجعل تنظيم داعش شديد الخطورة هو تناقضه الكامل مع القيم الغربية. وبالتالي, فإن الغرب لن يسمح لهذا المظهر المتشدد من مظاهر الدولة الإسلامية بأن يكتسب سلطة أو اعترافًا على الساحة الدولية. هذا أمر مقلق لأن الهدف السياسي الذي يسعى تنظيم داعش لتحقيقه عبر أعماله الإرهابية هو تأسيس دولة له, وهذا بدوره يستوجب اعترافًا دوليًا. إن فهم هذه الدورة البسيطة يفسر لماذا لن ينجح تنظيم داعش مطلقا في إقامة دولة. من دون الاعتراف الخارجي, لن تتمكن دولة داعش من العمل على الساحة الدولية المعاصرة. وفي عالم يزداد ترابطًا, هذا يعني أن المؤسسات المحلية في تلك الدولة لن تتمكن من أن تكتسب زخمًا, وتوفّر الخدمات لمواطنيها كما هو متوقع منها, ما سيزيد من إضعاف شرعيتها على الساحتين الداخلية والدولية.   

من وجهة نظر داعش, فإن أفضل سيناريو يتمثل في وضع مماثل للحكم الشمولي المنغلق في كوريا الشمالي, والسيناريو الأسوأ يتمثل في فقدان الدعم الشعبي, ما يقوّض من عملها ومؤسساتها. وبالنسبة للغرب, فإن أفضل الاحتمالات هي القضاء بصورة كاملة على داعش عبر التدخل العسكري وفقدانها الدعم الشعبي, أما الأحتمال الأسوأ فهو التأسيس الشرعي لدولة داعش الإسلامية بدعم من الغالبية الساحقة للمواطنين, وفي نهاية المطاف بدعم من حضارات أخرى غير غربية.       

المصدر - Journal of Diplomacy
                   

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق