2018 عام الحسم لمسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي


٠٤ يناير ٢٠١٨ - ٠٩:٣٥ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - شهاب ممدوح


هذا هو العام الذي سيجري فيه حل أكبر معضلة سياسية واقتصادية تواجه المملكة المتحدة في العصر الحديث، أو تزداد فيه تلك المعضلة تعقيدًا، أو حتى يجري التخلي عنها عمليا. 

تهدف الحكومة البريطانية والاتحاد الأوربي خلال الأشهر العشرة القادمة، للتوصل إلى اتفاق بشأن الانفصال بينهما، أو على أقل تقدير التوصل إلى الخطوط العريضة حول شكل علاقتهما التجارية في المستقبل. يختلف الطرفان فيما بينهما بشأن الطريقة التي ستخرج بها بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وبشأن الكيفية التي ينبغي بها تنظيم محادثات الخروج نفسها.

ثم هناك الانقسامات الموجودة داخل كل معسكر. إذ إن حزب المحافظين الحاكم في المملكة المتحدة- والذي كان الانقسام المستمر منذ عقود داخل صفوفه بشأن عضوية المملكة في الاتحاد الأوربي دافعًا لخروجها من ذلك الاتحاد- ما زال يشهد انقسامًا داخليًا بشأن ما يعنيه هذا الخروج. أما حزب العمال المعارض، فيتجنب الخوض في تلك المسألة، في حين لا يرغب القوميون الأسكتلنديون في الرحيل عن الاتحاد مطلقا.

 ربما يضع الاتحاد الأوربي وحدته فوق كل الاعتبارات، لكن المفاوضات قد تكشف عن وجود مصالح وطنية متضاربة بين الدول السبعة وعشرين الأعضاء في الاتحاد.
إذا، بعد مرور عام من التوقعات الخاطئة، إليكم نظرة على السيناريوهات التي قد تحدث في عام 2018.


الحالة الأساسية
بينما ترغب المملكة المتحدة في التوصل لاتفاق التجارة الشامل بالتزامن مع خروجها من الاتحاد في التاسع والعشرين من مارس 2019، يرغب الاتحاد الأوربي في أن يكون الاتفاق جاهزًا بحلول يناير 2021. هذا ما يتوقع خبراء الاتحاد الأوربي حدوثه.

بعد بضعة أشهر من المحادثات الهادئة، يتوصل الطرفان لاتفاق بشأن المرحلة الانتقالية، وهو ما كانت تطالب به المؤسسات التجارية بشدة. الاتفاق ليس مُلزمًا قانونيًا بعد، لكنه كافٍ لمنع خروج جماعي للشركات من بريطانيا. وفي شهر مارس، تبدأ المحادثات بشأن التجارة.

تقاتل المملكة المتحدة من أجل مدينة لندن، لكنها سرعان من تدرك أن كل البنوك لديها خطط طوارئ على أية حال، كما أن قدرًا لا بأس به من المؤسسات التجارية سيظل باقيًا في لندن عقب الانفصال. لن يتراجع الاتحاد الأوربي عن رفضه السماح لبريطانيا بالاحتفاظ ببعض مزايا العضوية، كما أن حزب المحافظين لن يسمح لرئيسة الوزراء تريزا ماي بتقديم التنازلات المطلوبة لبقاء المملكة داخل السوق الأوربية الموحّدة.

في شهر أكتوبر، سيكون هناك اتفاق إطاري، وهذا الاتفاق غامض لكنه مفصّل بما يكفي لتوضيح أن بريطانيا متجهة نحو اتفاق تجاري يشبه ذلك الذي عقدته كندا مع الاتحاد الأوربي.

سيرفع هذا الاتفاق الرسوم الجمركية عن معظم البضائع، لكنه سيضع حواجز في المراكز الجمركية، ولن يفعل الكثير للصناعات الخدمية التي تشكّل معظم اقتصاد المملكة المتحدة. يقول "كارستن نيكل" من شركة (Teneo) للاستشارات، إن فرص حدوث هذا السيناريو تقترب من 60 بالمائة.


ستعود قضية الحدود الأيرلندية بوصفها معضلة رئيسية. ستكشف "تريزا ماي" في النهاية خداع حلفائها الإيرلنديين الشماليين في الحزب الوحدوي الديمقراطي، حيث سيقبلون بخضوع بعض المناطق في إيرلندا الشمالية لقواعد تختلف عن تلك الموجودة في بقية أراضي المملكة المتحدة، وذلك لإبقاء حدود إيرلندا الشمالية مفتوحة مع الجمهورية الأيرلندية.

سيؤدي تزايد شعبية حزب العمال تحت قيادة "جيرمي كوربان" إلى إحجام الحزب الوحدوي الديمقراطي عن سحب دعمه لتيريزا ماي، حتى لا يأتي هذا الزعيم الذي يحتقروه إلى السلطة.

سيتم تفادي سيناريو حافة الهاوية المخيف، لكن الشركات ستبدأ في الاستعداد للحواجز التجارية الماثلة أمامها. لن يكون أحد على علم بموعد انتهاء المفاوضات التجارية المفصّلة، لذا ستضطر المؤسسات التجارية للالتزام بالاتفاق المبدئي لبعض الوقت.

الانتكاسة 
ستسير المحادثات الخاصة بالمرحلة الانتقالية بصورة جيدة. ثم، بحلول أكتوبر، سيتضح أن المحادثات المتعلقة بالشراكة التجارية المستقبلية تواجه الفشل. إذ ستبرز مرة أخرى مسألة كيفية الحفاظ على الحدود الأيرلندية مفتوحة من دون اتفاق جمركي. 
في هذه المرة، ستجد "ماي" أنه من المستحيل إرضاء جماهيرها الثلاثة الأكثر صعوبة: الحكومة الأيرلندية، المدعومة من الاتحاد الأوربي، والحزب الوحدوي الديمقراطي، الذي يدعم حكومتها، فضلا عن المتحمسين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي داخل حزبها.

بالرغم من مرور أسبوعين على محادثات حل الأزمة مع الحزب الوحدوي الديمقراطي، لن يتم التوصل إلى اتفاق. وبذلك تنهار حكومة الأقلية التي ترأسها "ماي": ويتم الدعوة لعقد انتخابات جديدة يوم الخميس، في الخامس عشر من نوفمبر. لن يكون لدى المحافظون وقت لاختيار زعيم جديد. وبذلك، رغم كل الصعاب، تقود "ماي" الحزب في الحملة الانتخابية القصيرة.

ستكون نسبة الإقبال في هذه الانتخابات، التي تجري في الخريف لأول مرة منذ عام 1974، متدنية. سيتمكّن حزب العمال من حشد أصوات الشباب، فيما سيبقى كبار السن المحافظون في بيوتهم في ذلك اليوم الخريفي الرطب. وقبل بزوغ الفجر بفترة وجيزة، سيتم الإعلان عن فوز "كوربن" الذين سيصبح رئيسًا للوزراء بغالبية صغيرة تبلغ 20 نائبًا. وفور وصوله للحكم، سيسعى حزب العمال لإقامة علاقات أوثق مع الاتحاد الأوربي.

بحلول شهر ديسمبر، سيكون وقت الدخول في محادثات قد انتهى، وذلك مع اقتراب موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي. وخلال جلسة مفاوضات طارئة في ليلة الكريسماس، سيقبل كبير مفاوضي المملكة المتحدة "كير ستارمر" عرض الاتحاد الأوربي بانضمام المملكة للمنطقة الاقتصادية الأوربية.

هذا يعني أن بريطانيا ستظل قادرة على الوصول بشكل كامل إلى أكبر الأسواق لبضائعها وخدماتها، لكنها ستكون الآن مضطرة للقبول بقواعد لا تشارك هي في صياغتها. كما يعني أيضا فشل بريطانيا في "استعادة السيطرة" على الهجرة، وهي قضية رئيسية في النقاش الدائر حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.

الانسحاب 
ستستغرق المحادثات المتعلقة بالفترة الانتقالية وقتًا أطول مما كانت ترجوه المملكة المتحدة، كما سيتم تأجيل البدء في المحادثات التجارية. وسرعان ما سيتضح أن صناعة الخدمات لن تكون مشمولة ضمن الاتفاق التجاري المستقبلي.
المؤسسات التجارية تصرخ، وداعمو خروج بريطانيا من الاتحاد يتساءلون عن سبب موافقة "ماي" على دفع فاتورة انفصال باهظة مقابل اتفاق تجاري هزيل كهذا. كما أن القضايا المتبقية والتي لم يجر حسمها على النحو المطلوب خلال الأشهر القليلة الأولى للمحادثات، ستظل تخيّم على المحادثات.

سيذكّر الاتحاد الأوربي المملكة المتحدة مجددًا، أنه يتعيّن عليها أن تجد طريقة للإبقاء على الحدود الأيرلندية مفتوحة بعد الانفصال، لكنه لن يقدم أي مساعدة في إيجاد حل لتلك المسألة.
مهلة شهر أكتوبر تأتي وتذهب، ومع قرب نهاية العام، تنهار المحادثات، ويضطر فريق التفاوض التابع للملكة المتحدة للانسحاب من المحادثات. وبذلك يتجه الطرفان نحو عدم التوصل لاتفاق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد والمقرر حدوثه في مارس 2019، وذلك ما لم يصلحا الأمور بينهما بسرعة.

المسار المأمول
تبدأ المحادثات المتعلقة بالتجارة والفترة الانتقالية بسرعة في يناير، وبحلول فبراير، يتم الاتفاق على مسألة المرحلة الانتقالية.

تقنع المملكة المتحدة الاتحاد الأوربي بأن يقدم لها اتفاقًا يشبه ذلك القائم بين الاتحاد وكندا. هذا يعني اتفاقًا تجاريًا واسعا يرفع الرسوم الجمركية عن البضائع، ويسمح أيضا لشركات الخدمات، بما في ذلك البنوك، بالاستمرار في العمل في عموم القارة الاوربية. الاتحاد الأوربي سيشهد انقسامًا بشان الخدمات المالية، لكن البرجماتيين في أوربا يحسمون الجدل لصالحهم.

تقنع بريطانيا الاتحاد الأوربي بضرورة صياغة اتفاق تجاري مفصّل بالكامل في موعد مناسب قبل يوم الخروج من الاتحاد، حتى يتم التوقيع عليه مباشرة عقب خروج بريطانيا. وبذلك يصبح لدى المؤسسات التجارية ومسؤولو الجمارك الآن عامان كاملان لكي يجهّزوا أنفسهم لعملية التحوّل نحو الوضع الجديد.       

المصدر – بلومبرج
                                                                                         

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق