هل ستصمد التجارة العالمية في عام 2018؟


٠٧ يناير ٢٠١٨ - ١٢:٢٧ م بتوقيت جرينيتش

ترجمة - بسام عباس


يواجه مستقبل النظام التجاري العالمي مزيدا من المخاطر وعدم الاستقرار، أكثر من أي فترة منذ إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية. ومن المتوقع أن تكون هذه السنة حاسمة بالنسبة للتجارة، مع احتمال إعادة التفاوض بشأن مستقبل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، واتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا (كور يو إس) والشراكة عبر المحيط الهادئ (تي بي بي) التي تقودها اليابان الآن. أضف إلى ذلك مصير منظمة التجارة العالمية، ولذلك سيشهد عام 2018 تراجعًا في النظام التجاري العالمي، الذي يعتبره ترامب خطرًا شاملا يهدف إلى تدمير الاقتصاد الأمريكي.

وتواجه التجارة عقبات هيكلية وتحديات تفرضها التكنولوجيات الجديدة السريعة الظهور، وليس أقلها، استمرار العلاقات القومية الشعبية، والحركات المناهضة للعولمة في الغرب. وانتهى الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية الذي عقد في الأرجنتين في 13 ديسمبر بشكل غير حاسم. ولكن أكبر العوامل المؤثرة على مستقبل التجارة هو تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحاد عن الدور التاريخي للولايات المتحدة.

ومع أن الولايات المتحدة ساعدت في تشكيل الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة (جات)، سلف منظمة التجارة العالمية التي وضعت قواعد التجارة العالمية في عام 1948، إلا أنها قادت حملة لتحرير التجارة. وخلال السبعين عامًا الماضية، نمت التجارة العالمية مرتين أسرع من الاقتصاد العالمي. ولكن هذا العصر قد انتهى. فقد صبّ ترامب -عبر منصبه- جامّ غضبه على التجارة وجميع الاتفاقيات التجارية، التي يرى أنها سبب في جميع ما تشعر به  الطبقة الوسطى من مضايقات وأزمات. فقد ندد باتفاقية النافتا ورفض شراكة (تي بي بي) ومنظمة التجارة العالمية و(كور يو إس). وقد انسحب سريعًا من (تي بي بي)، وهي التي وصفها الخبراء بأنها دعامة استراتيجية للولايات المتحدة في آسيا، وفرض إعادة التفاوض حول نافتا وكور يو إس.

ولكي نكون منصفين، فإن ترامب لديه وجهة نظر: أن الجمهور الأمريكي يلقي باللوم (خطأً) على التجارة بسبب مشاكلها الكثيرة. وفي حين كانت التجارة عاملا كبيرا في الثمانينيات والتسعينيات، فإن التكنولوجيا والأتمتة في هذا القرن تسببت في أغلب الخسائر في الوظائف. وعلاوة على ذلك، تحديث الاتفاقات التجارية لمعالجة قواعد التكنولوجيات الجديدة مثل التجارة الرقمية، والبيئة، وعوامل أخرى. ولم تنجز منظمة التجارة العالمية جولة جديدة من تحرير التجارة العالمية خلال العشرين عامًا الماضية. ويعتقد ترامب أن التحاق الصين بمنظمة التجارة العالمية كان مبنيا على افتراضات ثبت أنها كانت كاذبة (على سبيل المثال، استمرار الإصلاح والانفتاح على السوق). ولم تتوقع الولايات المتحدة أن تصبح الصين بشكل سريع أكبر قوة تجارية في العالم وتبني سياسات تجارية واستثمارية مفترسة ومتحركة.

ولكن نظرة ترامب الصفرية للتجارة تتحدى الاقتصاد. وعلى الرغم من أنه يدعو إلى التجارة المتبادلة والحرة والنزيهة، إلا أن مقياسه الوحيد هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تعاني من عجز ثنائي. وتهدف الاتفاقات التجارية إلى فتح سبل الوصول إلى الأسواق أمام سلع شركاء التجارة وخدماتهم، ولا تضمن النتائج أو الفوائض أو العجز. وبهذا المقياس، تعد التجارة العادلة معيارا مستحيلا. لديّ عجز مع تاجر السيارات، ولكن لديّ سيارة جديدة - هذا تبادل عادل.

إن مدخرات الدولة واستثماراتها، سواء كانت تستهلك أكثر من إنتاجها أم لا، هي التي تحدد العجز. فأي اتفاقية ثنائية مع الولايات المتحدة ربما تقلل العجز لدى بلد معين، ولكن -مثل الخدعة- ربما يظهر العجز في مكان آخر، مع شريك تجاري أمريكي آخر.

وكان خطاب ترامب أمام قمة الرؤساء التنفيذيين لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والباسفيك في دا نانغ، فيتنام، قريبا من هجوم على نظام التجارة العالمي، بما في ذلك اتهام منظمة التجارة العالمية بأنها غير عادلة (على الرغم من أن الولايات المتحدة قد أثارت أكثر من 100 نزاع في منظمة التجارة العالمية، أكثر من أي بلد آخر، وربحت معظمها). ورفض أي اتفاقات متعددة الأطراف قائلا: إن الولايات المتحدة لن تتفاوض سوى على اتفاقيات ثنائية.

عرقل ترامب آلية تسوية النزاعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية، وهي جوهرة التاج للمنظمة، من خلال حجب قاضيين وعدم تعيين قضاة أمريكيين. وبينما هناك شعور واسع الانتشار بأن منظمة التجارة العالمية تحتاج إلى إصلاح، يشكو الأوروبيون من أن الولايات المتحدة لم تقدم أي انتقادات أو حلول محددة. حيث عبّرت سيسيليا مالمستروم، مفوضة التجارة في الاتحاد الأوروبي، في مقابلة معها، عن خشيتها من أن تخاطر الولايات المتحدة "بقتل منظمة التجارة العالمية من الداخل". ولكن روبرت ليثايزر، الممثل التجاري الأمريكي، أشاد بالاجتماع الوزاري الأخير لمنظمة التجارة العالمية، قائلا إنه " يجب أن نتذكر بأنها اللحظة التي تم فيها حل الأزمة في منظمة التجارة العالمية "، مما يعني أن الولايات المتحدة ترغب في إصلاح منظمة التجارة العالمية، وليس إنهاءها. وأضاف "إن العديد من الأعضاء اعترفوا بأنه يتعين على منظمة التجارة العالمية أن تبدأ بداية جديدة في المجالات الرئيسية حتى لا تعيق الدول غير المستعدة للعمل أعضاء المنظمة النشطون ومكوناتهم".

ومع ذلك، فإن إدارة ترامب تستعد للعمل من جانب واحد، ومن المرجح أن تفرض عقوبات تجارية على الصين فضلا عن فرض عقوبات على انتهاكات الملكية الفكرية. ومن المرجح أن تقدم على ذلك في عام 2018 وهو ما يمكن أن يشعل حربًا تجارية.

وبالإضافة إلى ذلك، ربما يقرر قريبًا مصير اتفاقية النافتا. حيث طالب ترامب بإعادة التفاوض حولها مرة كل خمس سنوات، وإنهاء آلية تسوية المنازعات وتغيير القواعد الخاصة بمصنعي السيارات. وتعتبر المكسيك وكندا التغييرات الثلاثة عناصر وأد للاتفاقية. كما لم تدعم شركات السيارات الكبرى التغييرات التي اقترحها ترامب، والتي ستعطل سلاسل التوريدات العالمية. وبالمثل، تشعر سيول بالقلق لأن اتفاق (كور يو إس) ربما يواجه بعض المخاطر.

وإذا تحرك ترامب نحو فرض عقوبات تجارية أحادية الجانب، فمن المحتمل أن تترتب على ذلك حرب تجارية، وهي حرب لن يفوز فيها سوى عدد قليل، مما يولد نوعا من سياسة "أفقر جيرانك" الحمائية  التي ظهرت في الثلاثينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى تآكل النظام القائم على القواعد التي طالما دأبت الولايات المتحدة على الدفاع عنه وإنفاذه.

ويمكن أن تجد الولايات المتحدة، التي تمثل 13% فقط من التجارة العالمية، نفسها في معزل في ظل هذه الظروف. حيث تتحرك دول العالم ولن تقف ساكنة. فها هو الاتحاد الأوروبي يبرم اتفاقيات تجارية مع كندا واليابان ويسعى إلى عقد صفقات تجارية إضافية في المكسيك وحول العالم. ومن المرجح أن يتم الانتهاء من اتفاقية (تي بي بي–11) المنقحة في عام 2018. ومن المفارقات، فإن المحصلة النهائية، إذا ما تحرك ترامب وفق آرائه الجاهلة عمدًا، فلن تصبح الولايات المتحدة طرفًا في ترتيبات تحرير التجارة الجديدة، وسيفقد المصدرون الأمريكيون الكثير من فرص السوق.

المصدر- فورين بوليسي

للاطلاع على الموضوع الأصلى .. اضغط هنا



اضف تعليق